
قربت منها خطوة، وقلت بصوت واطي بس يرعب: “ابنك مش مضروب بس يا سعاد هانم.. ابنك كان هيدخل السجن بكرة بسبب الوصلات دي. أنتم جوزتوهولي مش عشان تستروا بيته، أنتم كنتوا فاكرين إنكم أذكياء وهتاخدوا تحويشة عمري المليون جنيه وتبيعوا دهبي عشان تسددوا ديونه وتأمنوا نفسكم.”
سعاد كانت بتبص للورق ولإيدي اللي لسه فيها آثار دم أحمد، وركبتها بتترعش مش عارفة تنطق كلمة.
كملت كلامي وأنا بلم شنطتي بهدوء: “أنا ماشية دلوقتي.. والصبح بدري هكون عند المحامي. قضايا تبديد وشروع في سرقة، غير محضر الاعتداء اللي هعمله بحق ابنك أول ما يفوق في المستشفى. لو فكرتم مجرد تفكير تقربوا مني أو من اسم أهلي، الورق ده بالوصلات الأصلية هيكون قدام النيابة وصاحب الورشة.”
دخلت الأوضة، لبست جزمتي، وشيلت شنطتي اللي فيها أوراقي وفلوسي ودهبي. وأنا طالعة من باب الشقة، بصيت لسعاد اللي كانت قاعدة على الكرسي زي الجثة الهامدة، وقلت لها: “أبويا علمني إن القوة مش إنك تأذي اللي قدامك.. بس كمان علمني إن اللي يحاول يسرق حقك أو يكسر كرامتك، تدوس عليه وتمشي.”
نزلت السلم بخطوات ثابتة، وطلعت للهوا الشديد بتاع بالليل. اتنفست بأعلى صوت عندي، وأنا حاسة إن روح أبويا طايرة جنبي بتضحك.. أخدت تاكسي ورجعت لبيت أمي، وأنا عارفة إن حياتي مش هتبقى زي الأول، بس الأكيد.. إن محدش هيقدر يكسرني أبداً.
وصلت بيت أمي وكانت الساعة قربت على واحدة بعد نص الليل. خبطت على الباب بشويش عشان ما أزعجش الجيران، فتحتلي أمي وهي مفزوعة، عينيها راحت فوراً لشنطة السفر اللي في إيدي، ودموعها نزلت من غير ما تسأل: “عملتوا إيه يا مريم؟”.
دخلت وقعدت على الكنبة القديمة في الصالة، وحكيت لها كل حاجة بالحرف.. من أول تحكمات سعاد وساعة الفطار، لدفتر الديون ووصلات الأمانة، لحد اللحظة اللي أحمد رفع فيها إيده عليّا وعلمته الدرس اللي مش هينساه طول عمره.
أمي كانت بتسمع وهي حاطة إيدها على بقها، مصدومة ومعصورة بين الزمن اللي اتربت فيه ومبدأ “استحملي عشان بيتك”، وبين الحق الجلي اللي شايفاه قدام عينيها. بس محمد أخويا لما صحي على الصوت ودخل سمع الحكاية، عينيه شعللت. محمد اتدرب معايا في نفس الجيم، وعارف أبويا رابانا إزاي. مسك إيدي وقالي بقوة: “راسك تفضل مرفوعة يا مريم.. أحمد وأهله لو فاكرين إن مالكيش ظهر، هنسحلهم في المحاكم والبلد كلها تعرف حقيقتهم.”
الصبح ما طلعش هادي. على الساعة تمانية الصبح، تليفون أمي رن بعنف. كانت سعاد الشناوي.. بس المرة دي ماكانتش بتصرخ ولا بتهدد زي بليل. نبرتها كانت متلخبطة، فيها خوف متداري تحت شوية كبر مزيف. كانت فاكرة إن أمي هتضغط عليّا وترجعني مكسورة عشان “كلام الناس”. أمي فتحت السبيكر، وبصتلي، ولأول مرة أشوف في عين أمي نظرة أبويا.. ردت بقوة وقالتلها: “ابنك طلع مش راجل، وكان جاي يسرق تحويشة عمر بنتي ويضربها عشان يسدد ديونه.. والورق اللي معايا يوديكم كلكم في ستين دلاية، ومفيش رجوع.”
خلال ساعتين، كنت قاعدة في مكتب الأستاذ فاروق، محامي عيلتنا القديم. حطيت قدامه الملف الأصفر بالوصلات والتنازل العرفي، وتقرير طبي مبدئي عملته في المستشفى الفجر ووثقت فيه الآثار اللي كانت على دراعي. المحامي ابتسم ابتسامة هادية وقالي: “القضية دي منتهية قبل ما تبدأ يا مريم.. هما قدامهم حل من اتنين، يا يطلقوا بالمعروف وتستردي كل حقوقك، يا إما نلبسهم قضايا شروع في وتبديد وتقديم بلاغات كاذبة.”
عيلة الشناوي لما عرفوا إن الورق بقى في إيد محامي، حاولوا يجيبوا كبار البلد عشان يضغطوا علينا ويلموا الموضوع ويقولوا “يا فضيحتنا في البلد لو السر ده اتعرف”. بس أنا رفضت أقعد في أي جلسة عرب إلا بشرط واحد: طلاق بائن، واسترداد المليون جنيه والدهب بالكامل، واعتذار رسمي قدام كبار العيلة.




