
الجزء الثالث فضلت واقفة قدام دينا وأنا ماسكة الورقة، ومش قادرة أستوعب كلمة واحدة من اللي قالتها. سبعة وتلاتين سنة! يعني السر ده أقدم من بنتي وأقدم من جوازي نفسه بسنين طويلة. بصيت ناحية العجان، وبعدين بصيت لها وقلت: “إنتِ جاية تقوليلي إن أمي الله يرحمها كانت مخبية صندوق؟”
قالت:
“أنا جاية أقولك اللي أبويا قالهولي قبل ما يموت.”
قلت لها:
“وإنتِ ليه ما قولتيليش الكلام ده من الأول؟ ليه استلفتي العجان ووديتيه للصيانة من ورايا؟”
اتنهدت وقالت:
“عشان كنت بدور على المفتاح.”
وقتها فهمت.
كل مرة كانت تستلف مني حاجة…
مش عشان محتاجاها.
كانت بتدخل بيتي.
كانت بتبص على الحاجات.
كانت بتسألني عن أمي.
مرة تسألني أمي كانت بتحط حاجتها فين.
ومرة تسألني لو عندي حاجات قديمة ليها.
ومرة تسألني عن أخويا.
وأنا كنت فاكرة إنها مجرد جارة فضولية.
قلت لها:
“إنتِ كنتِ بتدوري على حاجة عندي؟”
قالت:
“أيوه.”
“إيه؟”
“المفتاح.”
قلت:
“ومعرفتيش تلاقيه.”
بصت للعجان.
وقالت:
“كنت فاكرة إنه جوه الموتور.”
ضحكت بسخرية وقلت:
“وعشان كده بوظتيه؟”
قالت:
“أنا ما بوظتوش.”
قلت:
“أمال إيه اللي حصل؟”
قالت:
“أنا لما وديته للصيانة، الراجل فك الجزء الخلفي. ملقاش المفتاح. قال لي إن فيه جزء قديم متغير في الموتور.”
سألتها:
“يعني إيه؟”
قالت:
“يعني حد فك العجان قبل كده.”
بصيت لها.
وفجأة افتكرت حاجة.
أمي كانت دايمًا تقول لي:
“ما حدش يفك العجان ده.”
وأنا طول عمري فاكرة إنها كانت خايفة عليه عشان قديم.
لكن يمكن…
كانت خايفة من حاجة تانية.
دينا قالت:
“أنا عارفة إنك مش هتصدقي.”
قلت لها:
“أنا مصدقة إن فيه حاجة مستخبية. بس مش مصدقة إنك عايزة مصلحتي.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“أبويا قبل موته قال لي إن أمك وأبويا كانوا شركاء في مخبز. وفي سنة 1989 حصلت مشكلة كبيرة.”
قلت:
“وإيه اللي حصل؟”
قالت:
“فلوس اختفت.”
قلت:
“وقد إيه؟”
قالت رقم.
لما سمعته، اتجمدت.
كان مبلغ كبير جدًا وقتها.
قلت:
“وأبوكي اتهم أمي؟”
قالت:
“أيوه.”
“وأمي قالت إيه؟”
“قالت إن الفلوس ما اختفتش.”
“أمال راحت فين؟”
هنا دينا قربت مني وقالت:
“أبويا كان عنده دفتر حسابات. الدفتر اختفى.”
سألتها:
“وبعدين؟”
قالت:
“بعد كام يوم، حصلت مشكلة بين العيلتين، والشراكة انتهت.”
قلت:
“طيب والصندوق؟”
قالت:
“أبويا قال إن أمك أخدت صندوق صغير فيه الدفتر وبعض الأوراق، وخبته.”
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“عشان تحمي أخوكي.”
اتنفست بصعوبة.
“تحميه من إيه؟”
دينا ما ردتش.
فضلت ساكتة.
قلت لها:
“قولي!”
قالت:
“أخوكي هو اللي كان ماسك مفاتيح المخزن.”
سكت.
حسيت إني محتاجة أقعد.
لكن قبل ما أقعد، بنتي ظهرت في آخر الطرقة.
قالت:
“ماما… هو إيه الصندوق اللي بتتكلموا عنه؟”
بصيت لها.
وبعدين بصيت لدينا.
وأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
قالت لي بسرعة:
“ما تدخليش بنتك في الموضوع.”
قلت:
“دي بنتي.”
قالت:
“وعشان هي بنتك بالذات… لازم تبعديها.”
وقبل ما أفهم قصدها، تليفونها رن.
بصت للشاشة.
وشها اتغير.
قالت:
“أنا لازم أمشي.”
قلت:
“مين؟”
قالت:
“أخويا.”
قلت:
“إنتِ قولتيلي أبوكي مات.”
قالت:
“مش أخويا الكبير.”
وسابتني ومشيت.
قفلت الباب وراها.
وقفت مكاني.
الجملة الوحيدة اللي كانت بتلف في دماغي:
“مش أخويا الكبير.”
يعني عندها أخ تاني؟
ليه عمرها ما قالت؟
وليه أخوها ده كان متابع الموضوع؟
وليه خافت لما عرفت إن بنتي سمعت؟
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت مفتاح بيتحرك في كالون باب شقتي.
اتجمدت.
أنا كنت واقفة جوه.
ومحدش معاه مفتاح غيري.
قربت من الباب ببطء.
وبصيت من العين السحرية.
ملقتش حد.
فتحت الباب بسرعة.
الممر كان فاضي.
لكن قدام العتبة…
كان فيه ظرف أبيض.
مسكته.
مفيش اسم.
فتحته.
لقيت صورة قديمة جدًا.
الصورة كانت لأمي وأبو دينا وأخويا قدام المخبز.
وفي ضهر الصورة مكتوب بخط أمي:
“لو حصل لي حاجة… المفتاح عند الشخص اللي محدش هيفكر فيه.”
—
المشهد الخامس
فضلت طول الليل قاعدة قدام الصورة.
كل ما أحاول أفكر، ألاقي ألف احتمال.
مين الشخص اللي محدش هيفكر فيه؟
أخويا؟
أبو دينا؟
حد من العيلة؟
ولا…
حد قريب مني دلوقتي؟
طلعت كل حاجات أمي القديمة.
فتحت الدولاب.
فتحت الشنط.
فتشت في علب الخياطة.
حتى علب البهارات القديمة قلبتها.
وبنتي كانت قاعدة جنبي وساكتة.
فجأة قالت:
“ماما.”
قلت:
“نعم؟”
قالت:
“إنتِ فاكرة لما تيتة كانت بتقول إن الحاجة القديمة ساعات بتكون أغلى من الدهب؟”
بصيت لها.
قلت:
“أيوه.”
قالت:
“كانت بتقولها كل ما تشوف العجان.”
سكت.
بنتي قالت:
“بس أنا فاكرة حاجة.”
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“تيتة كانت دايمًا بتنضف العجان من تحت بنفسها.”
قمت مرة واحدة.
العجان!
قلبته.
بصيت للقاعدة.
كان فيه مسمار مختلف عن باقي المسامير.




