
“وأبوه بياكل الساعة ستة ونص.”
بصيت ناحية أحمد اللي كان لسه في السرير.
سعاد لاحظت بصتي.
وقالت:
“الرجالة بتصحى بدري وبتنزل شغلها.”
كنت عارفة إن أبو أحمد على المعاش.
وهي كانت عارفة إني عارفة.
بس سكت.
الساعة ستة ونص كنت محضرة بيض، وعملت عيش بالجبنة، وحمرت بطاطس، وحضرت الشاي والقهوة.
حتى عملت لأبو أحمد الفطار بالطريقة اللي بيحبها.
وقعدت جنب أحمد.
لكن أمه بصتلي وقالت:
“إحنا متعودين إن الأولوية لأبو أحمد.”
بصيتلها.
وبصيت لأبو أحمد.
هو نفسه كان باصص في طبقه وساكت.
وأحمد كان بيدهن الجبنة على العيش وكأن مافيش حاجة حصلت.
محدش ضحك.
ولا حتى ابتسم.
كان المفروض دي تكون اللحظة اللي أفهم فيها أنا دخلت على إيه.
لكن بدل ما أفهم…
قلت لنفسي:
“كل بيت وليه طبيعته.”
خلال الثلاث أيام اللي بعدها، القواعد بدأت تزيد واحدة ورا التانية.
كان متوقع مني أعمل الغدا كل يوم، إلا لو سعاد قررت تطبخ بنفسها.
وكان المفروض أنضف البيت، بحجة:
“إنتِ لسه صغيرة وعندك طاقة.”
ولو حطيت هدومي في الغسالة، لازم أطلعها أول ما الغسالة تخلص.
هدوم أحمد تتغسل لوحدها.
وأبو أحمد كان له طريقة معينة في ترتيب الفوط.
وسعاد ماكانتش بتحب إني أقفل باب أوضتي في فترة الضهر.
وكل مرة كنت أعترض فيها حتى اعتراض بسيط، أحمد كان يقولي:
“ماتحرجينيش قدام أمي.”
وفي اليوم التالت…
الموضوع أخد شكل أخطر.
كنت قاعدة على ترابيزة المطبخ، وبشرب كوباية شاي، لما سعاد حطت قدامي ورقة من الدفتر الكبير اللي كانت ماسكاه.
وبصتلي وقالت:
“فلوس الفرح.”
رفعت عيني من على الشاي.
وقلت:
“مالها فلوس الفرح؟”
حطت الورقة قدامي أكتر.
وقالت:
“عايزين نراجعها.”
استغربت.
“نراجع إيه؟”
قالت بمنتهى الهدوء:
“كل اللي دخل من فلوس وشبكة وهدايا… واللي اتصرف منها.”
بصيتلها وأنا مش فاهمة.
“ليه؟”
سعاد سندت ضهرها على الكرسي وقالت:
“علشان نعرف نصيب كل واحد.”
وقتها حسيت بحاجة غريبة في صدري.
بصيت ناحية أحمد.
كان قاعد على الكرسي المقابل، ساكت تمامًا.
قلت:
“بس دي فلوسنا إحنا… مش كده؟”
أحمد رفع عينه وبصلي.
ولأول مرة من يوم ما عرفته…
ماكانتش نظرته حنينة.
كانت باردة.
وقال:
“مريم، بلاش تعملي مشكلة من أول أسبوع.”
سكت.
لكن جوايا بدأ يتكون إحساس إن موضوع فلوس الفرح ماكانش مجرد سؤال عادي.
وإن اللي جاي…
كان أكبر بكتير.
#انجي_الخطيب
انسحبت للأوضة بهدوء، بس عقلي كان بيغلي. في اليوم الرابع، الضهرية، سعاد نزلت تشتري حاجات، وأبو أحمد كان نزل الجامع، وأحمد كان في الورشة. الحركة في البيت هديت، وده كان الوقت اللي قررت فيه أدور على إجابة للشديد القوي اللي بيحصل. فتحت أدراج المكتبة الصغيرة اللي في أوضتنا، لقيت دفتر قديم مستخبي تحت مفرش، ومعاه ملف أوراق أصفر. لما فتحته، ريحة الحقائق المرة ضربت في وشي.
أوراق دُيون، ووصلات أمانة على أحمد بمبالغ تكسر الضهر لصاحب الورشة اللي شغال فيها، وخطاب تهديد بالحبس لو المبالغ دي ما اتدفعتش خلال شهرين. والأدهى من كده، عقد تنازل عرفي مكتوب فيه إن أحمد بيتنازل عن نصيبه في أي عقار لأمه سعاد، ومكتوب في الهامش بخط إيدها حسابات دقيقة لكل قرش معايا… المليون جنيه بتوعي، مع الدهب، مع فلوس نقطة الفرح. الخطة ماكانتش مجرد جوازة، الخطة كانت عملية إنقاذ لابنهم من السجن على حسابي أنا وحساب شقايا، واستغلال إن أهلي شايفينهم ناس أصول ومافظين.
رجعت الأوراق مكانها بالظبط، وقلبي بيدق زي الطبلة. أبويا كان دايمًا يقولي: “لما تخصمك الظروف، اتنفس ببطء وبص للخصم في عينه.. الخوف بيعمي.
”
الساعة كانت تسعة بليل لما دخل أحمد الأوضة. وشه كان مشدود، ورامي مفاتيحه على التسريحة بعنف. مسك كباية المية اللي كانت جنبه على الكومودينو، أخد منها بق، ورزعها على الترابيزة.
“أمي بتقول إنك رفضتي تسلميها الدهب والدفتر عشان نربط الفلوس في البنك باسم العيلة.”
وقفت قدامه بثبات وقلتله بصوت هادي جداً: “الفلوس دي فلوسي يا أحمد، والدهب ده دهبي. وأنت عارف كويس إننا كنا متفقين نشتري مستقلة.”
قرب مني خطوة، وعينه فيها شرار غريب، نبرته اتغيرت تماماً عن الراجل الهادي اللي عرفته في الخطوبة: “مفيش حاجة اسمها فلوسك وفلوسي في البيت ده! هنا كلمة أمي هي اللي تمشي، وأنتِ هتجيبي الدهب والدفتر برجلك، ورجلك فوق رقبتك كمان.. بلاش تفكري إنك عشان بنت عماد الملاكم هتعملي عليا بطلة!”
مسك دراعي بقوة وجرني ناحيته. الموقف اتطور في ثواني. الكباية اللي على الكومودينو اتهزت ووقعت على الأرض، اتكسرت لمليون حتة والمية غرقت المكان.
أحمد رفع إيده التانية بعنف، وكان نازل بقلم على وشي بكل قوته.. وفي اللحظة دي بالظبط، جسمي اتحرك قبل عقلي. ذاكرة العضلات والسنين اللي قضيتها في الجيم مع أبويا صحيت في ثانية.
نزلت براسي تحت إيده الطايرة، تفاديت الضربة بلمح البصر، وطلعت بضربة صاعدة خاطفة ومركزة في فكه السفلاني. صدمة الضربة خلت ركبه تتخشب، وقبل ما يستوعب إيه الليحصل، مسكت إيده اللي كان ماسكني بيها، لفتها لعكس اتجاه المفصل مع ضغطة سريعة بجسمي كله، وضربت بأسفل قدمي في منطقة الركبة.
صوت طقطقة المفصل رن في الأوضة، ومعه صرخة مكتومة من أحمد وهو بيقع على الأرض بكل طوله، دراعه اتلوى ورا ظهره بوضعية مش طبيعية، ووشه اصطدم بطرف الكومودينو قبل ما يترمي على السيراميك، ودمه ينزل يختلط بالمية المكسورة على الأرض.
أحمد كان بيلهث على الأرض، مش قادر يتنفس من الصدمة والوجع، عينه كانت مفتوحة على آخرها بصالي.. ومش مستوعب. البنت الهادية اللي أمها قالتلها “الجواز تنازلات”، هبدته في الأرض في خمس ثواني.
الباب اتفتح بصرخة مرعبة من سعاد اللي جرت على ابنها وهي بتلطم. وبعد نص ساعة، كان ده المشهد.. عربية الإسعاف واقفة تحت البيت، المسعفين شايلين أحمد على الترولي، وشه وارم ودراعه متثبت، وعينه متعلقة بيا برعب، وسعاد بتصرخ وتتهمني بالتدمير، وأنا واقفة حافية عند الباب ببص لكباية المية ، وبقول لها بهدوء: “أنا ما بدأتش اللي حصل… بس أنا اللي أنهيته.”
أول ما الإسعاف تحركت وأبو أحمد جرى وراهم، سعاد وقفت في الطرقة تصرخ وتدعي عليا وتتوعدلي بالشرطة والحبس.
بصيتلها بمنتهى الثبات، مشيت بثقة ناحية المكتبة، طلعت الملف الأصفر اللي فيه وصلات الأمانة وعقد التنازل، ورميته في وشها على الترابيزة.
الورق اتنطور قدامها. سعاد بلعت لسانها وصوتها اتقطع مرة واحدة، وعينيها اتوسعت لما شافت الأوراق اللي مستخبي فيها سرهم.




