
أول مرة حسام البدري مد إيده عليّا، كان فيه تلاتة وأربعين شخص شايفينه وهو بيعمل كد
بس واحد بس هو اللي قام.
ولحد سنين بعد الليلة دي، كل ما حد يقولي إن الشجاعة حاجة عادية وموجودة عند كل الناس، كنت بفتكر ليلة الخميس دي في المطعم، وأعرف إنهم بيكدبوا.
المطعم كله سكت قبل ما أفهم أصلًا إيه اللي حصل.
من ثانية واحدة، كنت واقفة ورا البار الخشب الكبير، قدامي ست طلبات مشروبات مستنية تتجهز، وإيدي لازقة فيها ريحة الليمون والسكر.
وفي الثانية اللي بعدها، لقيت إيد حسام قافشة دراعي من فوق، وصوابعه ضاغطة على لحمي بقوة لدرجة إني شهقت من الوجع.
قال وهو بيبصلي بعينين حمرا من الشرب:
“إنتِ جاية معايا.”
ريحة الكحول كانت طالعة من بُقه.
والساعة لسه معدتش تمنية ونص بالليل.
قلت له وأنا بحاول أفلت إيدي:
“حسام، سيب دراعي.”
#انجي_الخطيب
شد أكتر وقال:
“قولتلك لازم نتكلم.”
“نتكلم هنا.”
وشه اتغير.
ودي كانت أكتر حاجة بتخوفني فيه.
حسام من النوع اللي نادرًا ما يبدأ خناقة بالصوت العالي.
كان بيبدأ بحاجة تخليكي تسألي نفسك:
هو أنا اللي مكبرة الموضوع؟
خبطة بسيطة في الكتف.
تعليق سخيف على جسمك.
إفيه مش مضحك.
جدول شغلك يتغير فجأة لمجرد إنك اشتكيتي.
وبعدين كلمة تتقال لك في ودنك:
“فيه مية بنت مستعدة تاخد شغلك بنص مرتبك.”
وبعدها، في ليلة واحدة، تلاقي صوابعه سايبة علامات زُرقة على دراعك.
سحبني من جنب البار.
قلت له بصوت متوتر:
“حسام!”
رد بعصبية:
“على المخزن… دلوقتي.”
جزمة رجلي زحلقت على الأرض اللامعة وأنا بحاول أقاومه.
المخزن كان في ممر ضيق ورا المطبخ، بعيد عن صالة الزباين، وكمان بعيد عن كاميرات المطعم.
أنا كنت عارفة ده.
حسام كان عارف ده.
ومن نظرات كذا زبون من الزباين الدائمين، عرفت إنهم هما كمان كانوا فاهمين.
وفجأة…
صوت هادي جدًا طلع من ورا ضهرنا.
“شيل إيدك منها.”
خمس كلمات بس.
لكن اتقالوا بهدوء غريب خلّى كل اللي في المكان يسمع.
حسام وقف مكانه.
وأنا كمان.
رفعت عيني.
لقيت راجل قام من الترابيزة رقم سبعة.
كان طويل، جسمه رياضي، لابس بدلة رمادي غامق من غير كرافتة، وقميص أبيض أول زرين فيه مفتوحين.
شعره أسود ومسرح لورا، وملامح وشه كانت حادة.
كان ممكن أقول إنه راجل وسيم جدًا…
لو مكنش في عينيه برود يخلي الواحد يتوتر من غير ما يعرف ليه.
هو ماعلاش صوته.
مكانش محتاج.
حسام بصله باستهانة وقال:
“خليك في حالك.”
الراجل بدأ يمشي ناحيتنا.
كل خطوة كان بياخدها كانت بتخليني أحس إن الجو حواليّ بيضيق.
أنا اشتغلت في مطاعم كتير قبل كده، وشفت رجالة معاهم فلوس كتير.
وعرفت أفرق اللبس الغالي من اللبس العادي.
البدلة اللي لابسها كانت متفصلة مخصوص.
والساعة اللي في إيده كانت تمن إيجار شقتي سنتين على الأقل.
بس الفلوس مش هي اللي غيرت الجو.
اللي حصل إن الناس بدأت تبص بعيد عنه.
مش بأدب.
بخوف.
واحد من الزباين الدائمين، محامي اسمه أشرف منصور، أول ما شاف الراجل، عينه اتعلقت بيه لثانية واحدة…
وبعدين نزل عينه فورًا على كباية الشاي اللي قدامه.
حسام لاحظ كل حاجة…
إلا دي.
قال بعصبية:
“دي مشكلة بيني وبين موظفة عندي.”
الراجل وقف على بعد خطوتين منه.
وقال بهدوء:
“لأ.”
حسام ضحك باستهزاء.
“لأ إيه؟”
رد:
“هي موظفة في المكان ده.”
وبص على إيد حسام اللي كانت لسه ماسكة دراعي.
وبعدين قال:
“وقدامك تلات ثواني.”
حسام بلع ريقه.
وفي اللحظة دي، حصلت حاجة تانية.
عند باب المطعم، ظهر راجلين لابسين جاكتات سودا.
أنا متأكدة إنهم مكانوش موجودين من دقيقة.
وقفوا جنب الاستقبال من غير ما يقولوا كلمة.
حسام أخيرًا بدأ يحس إن الموضوع مش طبيعي.
بص للراجل اللي قدامه وقال:
#انجي_الخطيب
“إنت مين بقى؟”
الراجل رفع عينه وقال بمنتهى الهدوء:
“رأفت الدمنهوري.”
وش حسام اتسحب منه الدم.
أنا مكنتش فاهمة ليه.
لسه.
لكن المحامي أشرف كان فاهم.
ومدير المطعم العام، ماجد فوزي، كان فاهم هو كمان.
ماجد كان لسه خارج من مكتبه بعد ما سمع صوت الخناقة.
أول ما شاف الراجل، وقف مكانه كأنه اتثبت في الأرض.
وهمس:
“يا نهار إسود…”
رأفت سمعه.
وابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.
وقال:
“الجملة دي غالبًا بتتقال بعد ما الناس تعرف إنها عملت غلطة.”
حسام ساب دراعي فورًا.
إيدي نزلت جنبي، وكنت حاسة بنبض مؤلم في المكان اللي كان ماسكه فيه.
ماجد قرب بسرعة وهو متوتر:
“أستاذ رأفت… أنا مكنتش أعرف إن حضرتك هتشرفنا الليلة دي.”
رد رأفت من غير ما يبصله:
“وده كان المقصود.”
حسام رجع خطوة لورا.
وبص له بتوتر.
“إنت المستثمر الجديد؟”
رأفت بصله.
وقال:
“واحد من استثماراتي.”
الجملة كانت ممكن تبان استعراض.
لكنها ماكانتش كده.
كانت تحذير.
الحقيقة عن رأفت الدمنهوري كانت موجودة في نسختين.
النسخة اللي الناس تعرفها، بتقول إنه راجل عنده ستة وتلاتين سنة، وورث مجموعة كبيرة من الفنادق والمطاعم وقاعات الأفراح والنوادي الخاصة في القاهرة والساحل والعين السخنة.
راجل أعمال ناجح.
هادئ.
نادر الظهور في الإعلام.
لكن فيه نسخة تانية من حكايته…
النسخة اللي الناس بتتكلم عنها بصوت واطي.
والده، قبل ما يموت، كان واحد من أخطر رجال الجريمة المنظمة في القاهرة.
راجل اسمه كان كفاية يخلي ناس كتير تقفل تليفونها قبل ما تكمل المكالمة.
وبعد موته، رأفت ورث شبكة علاقات وفلوس وأسرار محدش كان يقدر يثبت إنها موجودة أصلًا.
على مدار سنين، حوّل جزء كبير من فلوس العيلة لاستثمارات قانونية وشركات ومطاعم وفنادق.
لكن الغريب…
إنه بدل ما يقل خوف الناس منه، الخوف منه زاد.
رأفت عمره ما كان بيزعق.
ولا كان بيهدد حد قدام الناس.
ولا عمره احتاج يستعرض قوته.
كان عنده عادة واحدة الناس كلها عارفاها:
بيكتشف الحقيقة قبل أي حد.
ولو عرف حاجة عن شخص…
مبيتنساهاش.
أنا مكنتش أعرف أي حاجة من دي.
كل اللي كنت أعرفه وأنا واقفة هناك، بفرك دراعي اللي بدأ يوجعني، إن الراجل ده كان بيبص لحسام بنفس النظرة اللي الدكتور بيبص بيها على حاجة لازم تتشال من جسم المريض.
قال رأفت بهدوء:
“أنا كنت بتابعك من ساعة ونص.”
حسام بلع ريقه.
وقال بسرعة:
“أنا كنت بس بظبط تصرفاتها.”
رأفت رفع حاجبه.
“تصرفاتها؟”
“آه.”
“هي بتقلل مني قدام الزباين.”
رأفت لف ناحية البار.
وبص ناحيتي.
وقال:
“نور.”
قلبي دق بسرعة.
هو…
كان عارف اسمي.
بصيت له وأنا مش فاهمة:
“أيوه يا فندم؟”
سألني بمنتهى الهدوء:
“خدمتي كام زبون من الزباين اللي بيرجعوا هنا بشكل مستمر الليلة دي؟”
اتجمدت مكاني.
لأن السؤال كان غريب.
لكن الأغرب…
إني بدأت أحس إن اللي حصل لحد دلوقتي مكانش صدفة خالص.
#انجي_الخطيب
بلعت ريقي وبصيت على الترابيزات المتوزعة في الصالة، قلبي كان بيدق في زوري.
“خمستاشر ترابيزة يا فندم.. تسعة منهم زباين بيجوا كل أسبوع.”
رأفت هز راسه ببطء، وحط إيده في جيب بنطلونه، وكأنه بيكلم نفسه بس بصوت كل الناس سامعاه:
“تسعة.. وتمانية منهم طلبوا إنك انتِ بالذات اللي تخدميهم الليلة دي.. صح؟”
هزيت رأسي بخفة من غير ما أنطق.
لف رأفت نظره لحسام، وعينيه تحولت لشيء أبرد من التلج:
“إنت من ساعة ما دخلت الوردية الساعة خمسة، شربت أربع كاسات من المطبخ، وعملت مشكلة مع زبون في ترابيزة أربعة، ومسكت دراع البنت دي مرتين قبل المرة دي.. وتقول لي بظبط تصرفاتها؟”
حسام وشه احمر، وكان بيحاول يجمع كلامه بس لسانه كان تقيل من الخوف ومن الكحول اللي فارض سيطرته عليه:
“أستاذ رأفت.. أصل هي…”
رأفت قطعه بنبرة واطية بس حادة زي الموس:
“إنت مش بتظبط تصرفاتها.. إنت خايف منها. خايف إن مدير المطعم يكتشف إنها هي اللي شايلة الشغل كله، وإن وجودك هنا مجرد عبء ملوش لازمة.”
بص رأفت لماجد فوزي اللي كان واقف بيتصبب عرق، وماسك فوطة في إيده بترتعش زي ورقة شجر في الهواء.
“ماجد.”
“أفندم يا أستاذ رأفت!”
“الاستمارة بتاعة حسام تتلغي دلوقتي.. يلم حاجته وما أشوفش وشه في أي مكان تبع المجموعة تاني. ولو لمحته قريب من نور أو من المطعم.. حسابك إنت معايا هيكون مختلف.”
الراجلين اللي كانوا واقفين عند الباب اتحركوا في نفس اللحظة بانتظام يمتلئ بالسرعة والاحترافية. قربوا من حسام، واحد منهم حط إيده على كتفه بضغط هادي بس جامد ما يديش فرصة للحركة، والتاني أشار له ناحية الباب من غير ما ينطق كلمة. حسام ما قدرش يفتح بُقه ولا يقول حرف واحد، رجليه كانت بتتجرجر وراهم وهو بيبص للأرض، كأنه صحي فجأة من سكرته على كابوس ملوش نهاية.
الصالة كلها كانت ساكتة.. الزباين، الشيفات اللي بيبصوا من الفتحة الصغيرة بتاعة المطبخ، حتى صوت المزيكا الهادية اللي كانت شغالة في الخلفية حسيت إنها اختفت تمامًا.
رأفت قرب مني خطوتين. كان طول الوقت مش بيعلي صوته ولا بيستعرض قوته، قوته كانت حاضرة في وجوده وبس.
“دراعك بيوجعك؟”
سألني بنبرة مفيهاش أي تعاطف مزيف، بس فيها اهتمام حقيقي وجاد.
هزيت رأسي بـ “أه” بسيطة وصوتي محبوس في زوري.
بص لماجد وقال بلهجة آمرة:
“نور تاخد باقي الأسبوع إجازة مدفوعة.. وتكشف في المستشفى على حساب المكان.”
وبعدين بصلي بعينيه الحادة، ولأول مرة حسيت إن النظر في عينيه محتاج شجاعة مش موجودة عند كل الناس.
“الشجاعة مش إنك تضربي اللي قدامك يا نور.. الشجاعة إنك ترفضي تتكسري.. إنتِ مقاومتيش حسام عشان خايفة على شغلك، بس مسمحتيش له يكسرك.”
لف وشه ومشي ناحية الباب بنفس الهدوء اللي دخل بيه. الراجلين بتوعه فتحوا له الباب، وخرج وراهم في السكوت اللي مالي الشارع بره.
وقفت في مكاني بفرك دراعي اللي مكان صوابع حسام كان معلم فيه بأحمر دامي، والمحامي أشرف منصور رفع عينيه من كباية الشاي وبصلي بنظرة فيها إشفاق على حسام.. وحذر شديد ليّا أنا.
ساعتها بس فهمت.. رأفت الدمنهوري مكنش جاي ينقذني عشان شهامة زي بتاعة الأفلام.. رأفت كان جاي يطرد الضعف والمشاكل من الممتلكات بتاعة عيلته، وأنا كنت مجرد التفصيلة اللي خلته يقرر يربط الحبل حولين رقبة حسام في الوقت المناسب.
ماجد فوزي قرب مني وجسمه لسه بترتعد فيه النفضة، وشه أصفر زي القماش الدبلان. مسك الفوطة اللي في إيده وضغط عليها وهو بيبص ناحية الباب كأنه خايف رأفت يرجع تاني من العدم.
“نور.. ادخلي غيري هدومك وروحي.. زي ما الأستاذ رأفت قال بالضبط.”
نبرته كانت اتغيرت تمامًا. مابقاش المدير الصارم اللي بيمشي كلامه بالمسطرة، بقى راجل مرعوب من مجرد فكرة إن اسمي يتقال تاني قدام رأفت والدمنهوري يتضايق.
مشيت ناحية غرفة العاملين في الممر الضيق اللي جنب المخزن. صوابعي كانت بتترعش وأنا بفك المريلة السودا من على وسطي. بصيت في المراية المكسورة اللي فوق الحوض، وشفت العلامات الحمرا اللي بدأت تزرقّ على دراعي.. مكان صوابع حسام.
المكان كان ساكت، بس السكوت ده كان أتقل من أي دوشة.
خرجت من الباب الخلفي للمطعم اللي بيطل على الشارع الجانبي. الهوا البارد لمس وشي بحنية، بس الهدوء ده مكملش ثواني.
على بعد بضعة أمتار، كانت واقفة عربية مرسيدس سودا مطفية نورها. أول ما خطوت على الرصيف، الباب الوراني اتفتح ببطء شديد.
واحدة من الجاكتات السودا – نفس الراجل اللي سحب حسام من غير ما يرمش له جفن – نزل وقف قصادي.
ما اتكلمش في الأول. مد إيده بكيس صغير مرسوم عليه شعار مستشفى استثماري غالي، وجواه علبة مرهم وكارت أبيض مطفي، مفيش عليه أي طباعة.. بس فيه رقم تليفون مكتوب بخط إيد ثابت وواضح.
قال وهو بيبصلي بنظرة خالية من أي انفعال:
“الأستاذ رأفت بيبعتلك ده.. وبيقولك المرهم ده عشان دراعك، والكارت ده عشان بكره.”
بلعت ريقي وسألته بصوت مهزوز:
“بكره إيه؟”
“الساعة عشرة الصبح.. العربية هتبقى مستنياكي تحت بيتك.”
“بس أنا مديتش عنواني لحد!”
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة أوي، مفيهاش أي دفء، وركب العربية وقفل الباب. العربية اتحركت ببطء ودون أي صوت تقريبًا، واختفت في زحمة الشارع الرئيسية.
وقفت في مكاني، الكيس في إيدي، والكارت في الإيد التانية. مسكت الكارت وقلبته.. وتحت الرقم المكتوب بخط الإيد، كانت فيه جملة صغيرة مكتوبة بنفس الخط الحاد:
“اللي بيعرف يتفرج على الظلم ويسكت.. شريك فيه. إنتِ مكنتيش ساكتة يا نور، وعشان كده أنا مهتم.”
قلبي دق بأسلوب يخوف. النظرة اللي بص بيهالي حسام وهو بيتسحب لبره مكانتش نظرة واحد اتطرد من شغله.. كانت نظرة واحد رايح لمصيره. ورأفت الدمنهوري مكنش مجرد زبون في الترابيزة رقم سبعة.. كان الشباك اللي اتفتح على عالم تاني خالص، عالم مفيش فيه حاجة بتبعد عن عينيه، ومفيش فيه خدمة ببلاش.
طلعت شقتي ورجلي بالعافية شايلاني، الشارع كان فاضي وصوت جزمتي على السلم الخرساني كان بيعمل صدى صوت بيريّب. قفلت الباب بسبع ترباس، حطيت الكيس على الترابيزة المطبخ واستنيت إيدي تبطل ترتعش. فتحت علبة المرهم ودهنت دراعي.. التلج اللي فيه لمس الجلد السخن وهدّى الوجع شوية، بس عقلي مكنش قادر يهدى. الكارت الأبيض كان محطوط قدامي على الترابيزة زي القنبلة الموقوتة.
ما نمتش الليلة دي. كل ما أغمض عيني بشوف وشه وهو بيترجم من الهدوء للجمود.. وبسمع نبرة صوته لما قال “شيل إيدك منها”.
الساعة تسعة وخمسة وأربعين دقيقة الصبح، كنت واقفة ورا الستارة المطلة على الشارع. وفي تسعة وخمسين دقيقة بالضبط، جيت نفس عربية المرسيدس السودا ووقفت تحت البيت من غير ما تضرب كلاكس ولا تعمل أي صوت.
نزلت السلم بخطوات متثاقلة، ومسكت مقبض الباب الوراني للعربية. الباب اتفتح إلكترونيًا، دخلت ولقيت الجو جوه مكيّف بريحة العود الخفيف، والسواق ما بصليش حتى في المراية، طلع بالعربية فورًا أول ما قفلت الباب.
العربية مشيت بينا في شوارع القاهرة اللي كانت زحمة، لحد ما دخلنا منطقة الزمالك، ووقفت قدام مبنى قديم ذو طراز معماري راقي، مفيش عليه أي يافطة ولا اسم.
السواق نزل وفتح لي الباب:
“اتفضلي.. الأستاذ في انتظارك فوق.”
طلعت في أسانسير خشب قديم بيهتز ببطء لحد الدور الأخير. الباب اتفتح على مكتب واسع جدًا، شبابيكه الزجاجية الكبيرة واخدة الزاوية كلها ومطلة على النيل بشكل ينطق الجمال. الأرضية مفروشة بسجاد يدوي غالي، ومفيش غير مكتب خشب أبنوس كبير في النص.
رأفت كان قاعد ورا المكتب، لابس قميص أزرق سماوي وشمر أكمامه للوصيلة، قدامه كباية قهوة بيطلع منها البخار، وبيمضي في أوراق هادية.
رفع عينيه أول ما دخلت، وبص لي بنظرة شملت وشي ودراعي الملفوف بضمادة خفيفة تحت أكمام بلوزتي.
“قعدي يا نور.”
قعدت على الكرسي الجلد اللي قدام المكتب، وحاولت أجمع ثباتي النفسي، بس صوته الهادي كان دايماً بيفرض هيمنته على المكان.
شبك صوابعه في بعض وقال:
“دراعك عامل إيه النهاردة؟”
“أحسن.. الشكر للمرهم.”
ابتسم ابتسامة خفيفة أوي، مش بتوصل لعينيه:
“المستشفى اتصلت بيا الصبح وقالت إنك ما روحتيش تكشفي زي ما طلبت.”
بلعت ريقي وقلت بصوت محاول إنه يكون ثابت:
“أنا كويسة.. ومكنش فيه داعي للمستشفى. أنا جيت عشان أعرف حضرتك عايز مني إيه؟ الشغل في المطعم خلاص انتهى بالنسبة لي؟”
رأفت مال بضهره لورا، واستند على الكرسي وهو بيبص لي بدقة:
“المطعم مكنش ينفع تكمّلي فيه.. مش عشان اللي حصل مع حسام، بس عشان المكان ده بقى أصغر من إمكانياتك. حسام مكانش أول ولا آخر واحد هيحاول يستغل سلطته، بس انتِ الوحيدة اللي مبعتيش ضميرك ولا خفتي منه حتى لما عرفتي إنه ممكن يقطع عيشك.”
سكت لثانية، وخد رشفة من القهوة كأنه بيرتب أفكاره، كمل:
“حسام مكانش بيسرق من المطبخ بس يا نور.. حسام كان جزء من شبكة بتسرب تفاصيل عن الزباين المترددين على المطعم، ناس بتبيع معلومات.. وبسببه، كان فيه تسريب بيحصل للمجموعة عندي من شهور. أنا مكنتش مستني تصرفه معاكي عشان أطرده.. أنا كنت مستني أعرف مين في المكان بيغطّي عليه ومين واقف يتفرج.”
حسيت ببرودة بتسري في جسمي، وسألته:
“ومدير المطعم.. ماجد؟”
“ماجد اتمنع من دخول أي مكان يخصني من الفجر.”
النبرة القاطعة اللي قال بيها الجملة خلتني أدرك إن ماجد انتهى مهنيًا للأبد.
رأفت حط ملف أسود قدامي على المكتب ودزه ناحيتي:
“أنا بعيد هيكلة إدارة الأغذية والمشروبات في كل الفنادق والمطاعم التابعة للمجموعة. ومحتاج ناس عينيهم مفتوحة.. ناس بتعرف تشوف الحقيقة وما بتخافش تنطق بيها.”
بصيت للملف وبعدين بصيت له وأنا مش مصدقة:
“حضرتك بتعرض عليا إيه بالضبط؟”
“مديرة المتابعة والجودة لكل المطاعم التابعة للمجموعة في القاهرة.”
شهقت من المفاجأة:
“بس أنا.. أنا مجرد جرسونة! أنا معنديش شهادات في الإدارة ولا…”
قطعين رأفت وهو بيرفع إيده ببهدوء:
“الشهادات بتشتري ناس ينفذوا التعليمات.. أنا مش عايز حد ينفذ تعليمات، أنا عايز حد بيعرف يقرأ الناس، حد عنده كبرياء يمنعه إنه يتقبل الإهانة أو يرتشي.. انتِ امبارح أثبتي إنك أجدع من أربعين راجل كانوا قاعدين بيتفرجوا عليا وأنا بحميكي، وعينيكي كانت بتقول إنك كنتِ هتدافعي عن نفسك حتى لو محدش اتدخل.”
قرب شوية من المكتب، وانحنى ناحيتي ونبرة صوته بقت أتقل:
“المرتب هيكون عشر أضعاف اللي كنتِ بتاخديه.. شقة في مكان أرقى، وعربية لتنقلات الشغل. بس مقابل ده.. عينيكي هتكون عينيا جوة الأماكن دي. أي غلطة، أي تسريب، أي استغلال نفوذ.. يترفع لي بي تقرير مباشر.”
كنت حاسة إن الأرض بتلف بيا. العرض كان أكبر من أي حلم حلمته في حياتي، بس الثمن.. الثمن إني أكون جزء من عالمه، عالم رأفت الدمنهوري اللي الكلمة فيه بتغير مصائر ناس، والخطأ فيه ملوش فرصة تانية.
سألته بصوت واطي:
“ولو رفضت؟”




