
في بيت الحج متولي، أكبر راجل في منطقتنا، اتجمعنا. أحمد جه وهو معلق دراعه في رقبت، دراعه متثبت بالجبس، وشه أصفر ومش قادر يرفع عينه في عيني. أمه كانت قاعدة ساكتة ومش قادرة تنطق، وناس البلد الكبار بيبصولهم باستحقار بعد ما شافوا صور وصلات الأمانة وعرفوا إن ابنهم “المؤدب” كان داخل يسرق شقايا. أبويا كان سايبنا سمعة وعزوة، وكل الناس كانت عارفة إن بنت عماد الملاكم عمرها ما تفتري على حد.
انتهت القعدة بتوقيع أوراق الطلاق الرسمي، وأخدت كل حقي بالقانون ورأس مرفوعة. ولما قمت عشان أخرج من الجلسة، أحمد رفع عينه وبصلي لأول مرة.. كان في عينه نفس الخوف بتاع ليلة الإسعاف، خوف الراجل اللي اكتشف إن الست اللي استهان بيها تقدر تكسره وتجيب حقه لو فكر يجور عليها.
بعد ست شهور من اليوم ده، كنت بفتح الفرع الجديد لجيم أبويا.. بس المرة دي عملت فيه قسم خاص لتعليم البنات والستات فنون الدفاع عن النفس. وقفت في وسط الصالة، بين أكياس الملاكمة اللي أبويا سابها، وبصيت لصورته المبتسمة المتعلقة على الحيطة.. وقفت بثبات وقريت له الفاتحة، وأنا عارفة إنه مرتاح في مكانه، بعد ما ساب وراده بنت ما بتنكسرش.
في الأول، الناس في البلد كانوا بيبصوا للشارع اللي فيه الجيم بتوجس وشك. الكلام ماكانش بيخلص في البيوت والمحلات: “بنت عماد الملاكم فتحت صالة للستات عشان تعلمهم الضرب والملاكمة؟ هي عايزة تخرب بيوت البنات؟”
وكانت النظرات المترددة بتلاحقني كل ما أمشي في السوق. بس الكلام ده ما طوّلش، لأن الحقيقة دايمًا بتفرض نفسها.
أول واحدة دخلت عليا الجيم كانت ندى، بنت جارتنا القريبة. ندى كانت أرق بنت في الشارع، بس عينها كانت مطفية من كتر ما اتعودت تسكت وتعدي. جاتلي والرعشة في إيدها، حاطة طرحتها على وشها عشان تداري أثر زرقان خفيف تحت عينها، وقالتلي بصوت مخنوق: “أنا مش عايزة أؤذي حد يا مريم.. أنا بس عايزة لما يترفع عليا إيد، أعرف أوقفها وما أحسش إني عاجزة.”
في اللحظة دي، شفت نفسي وشفت كل ست في بلدنا اتعلمت إن الخوف هو أسلوب الحياة الوحيد.
مسكت إيدها، وبدأت معاها ومع غيرها. الصالة القديمة اللي فوق محل قطع الغيار رجعت فيها الروح. المطر لما كان بينقط من السقف، ماكانش بيوقفنا، بالعكس.. كنا بنحط جادل المية ونكمل تمرين على صوت خبط المطر. أكياس الملاكمة اللي كانت متقطعة ومترقعة، جيبنا غيرها من فلوسي اللي استرديتها، والشبابيك اتفتحت عشان تدير هوا جديد في المكان.
بدأت أدرّبهم مش بس على اللكمات وتفادي الضربات، لكن على نبرة الصوت الثابتة، وعلى النظرة اللي بتخلي اللي قدامك يفهم إنك مش صيد سهل. كنت بقولهم كل يوم نفس جملة أبويا اللي كبرت عليها: “القوة مش إنك تحربي العالم يا بنات.. القوة الحقيقية إن محدش يلمس كرامتك ويخليكي تحسي إنك مالكيش قيمة.”
أمي نفسها اتغيرت. بقت تيجي تقعد معايا في المكتب الصغير بتاع أبويا، تعمل شاي للبنات، وتدعي لهم وهي بتتفرج عليهم بيبقوا أقوى. غشاوة الحزن والخوف اللي كانت في عين أمي السنين دي كلها اتتمحت، واستبدلت بفخر كبير كل ما تشوف بنت طالعة من باب الجيم وراسها مرفوعة للسما.
أما عيلة الشناوي.. فالدنيا دارت عليهم أسرع مما أي حد يتوقع. أحمد اضطر يبيع حتة الأرض الوحيدة اللي كان حيلته عشان يسدد ديون الورشة لصاحبها، لأن المحامي بتاعي كان مجهز كل أوراق الشروع في السرقة والتبديد ورافض أي تنازل. أمه سعاد، اللي كانت فاكرة إن الفلوس والتحكم في خلق الله هما اللي بيعملوا القيمة، بقت تمشي في البلد متدارية من نظرات الناس، بعد ما السر اتعرف وبقت القصة عبرة لكل بيت. وأحمد بقى كل ما يشوف محمد أخويا في الشارع، يدور وشه ويمشي في السكة التانية.
في يوم، وكان الوقت غروب والشمس مطعمة الصالة بلون دهبي دافي، جاتلي ندى بعد التمرين. وقفت قدامي وعينها بتلمع بلغة جديدة تماماً، وقالتلي: “يا مريم.. النهارده جوزي زقني وهو بيزعق وكان هيرفع إيده زي كل مرة.. بس أنا ما هربتش. وقفت بثبات، مسكت إيده في الهواء وقفلتهالي، وبصيت في عينه وقلتله بصوت واطي بس يرعب: لحد هنا وبس. اتصدم، رجع خطوة لورا، ونزل إيده ومشي من الأوضة.”
حضنتها بقوة، والدموع في عيني. اللحظة دي كانت بالنسبة لي أكتر من مجرد انتصار لندى.. كانت انتصار لكل كلمة أبويا علمهالي.
طلعت للشرفة الصغيرة اللي أبويا كان بيقف فيها يشرب الشاي بعد يوم شغل طويل. بصيت للشارع، وللسما المفتوحة، وحسيت بروح أبويا حواليا، وكأنه بيطبطب على كتفي ويقولي: “جدعة يا مريم.”
الحياة مش دايماً سهلة، والمواقف الصعبة مابتمحيش آثارها في يوم وليلة.. بس لما تقفي على رجلك وتعرفي إنك مش ضحية، الجرح بيتحول لندبة، والندبة دي بتبقى أوسام شرف.. بتذكرك دايمًا إنك كنتِ أقوى من كل حاجة حاولت تكسرك.
مرت الأيام، والجيم مابقاش مجرد صالة تمرين فوق محل قطع الغيار، بقى الملاذ الآمن لكل بنت وست في الناحية. البنات اللي كانوا بيخافوا يمشوا في الشارع في وقت متأخر بقوا يمشوا بظهر مشدود وثقة حقيقية، وأهاليهم نفسهم بدأوا يفهموا إن البنت القوية مش معناها بنت قاسية، بالعكس.. البنت القوية هي اللي بتعرف تحمي بيتها ونفسها.
في يوم من أيام الشتا، والساعة كانت تقريباً تمانية بالليل، كنت بلم حاجتي عشان أفل الجيم وأروح. المكان كان هادي، صفينا النور، ومافضلش غير نور الشارع اللي داخل من الشبابيك العالية ومغطي الأرضية الخشب.
وأنا نازلة على السلم، سمعت خطوة مألوفة بس مترددة.. خطوة حد بيمشي وهو خايف ينكشف أو حاسس بالخزي.
وقفت في نص السلم وقلت بصوت ثابت: “مين هناك؟”
خرج من الضلمة تحت.. أحمد.
شكله كان اتغير تماماً عن الراجل اللي اتقدم لي زمان. وشه خاسس، ودقنه طويلة ومربكة، واللبس اللي لابسه مبهدل. دراعه كان فك الجبس، بس طريقة مسكته لإيده كانت باينة إن الصدمة سابت أثر دايم في مفصله.
وقف على أول درجة في السلم وبصلي، ونبرة صوته كانت مكسورة بطريقة تشفّق أي حد.. بس مش أنا.
“مريم.. عايز أتكلم معاكي دقيقتين بس، من غير مشاكل.”
ما تحركتش من مكاني، ولا حسيت بضربة قلب واحدة زيادة. الخوف منه كان اتمحى من زمان، وتحول لشيء أشبه بالشفقة الباردة.
قلتله: “الكلام اللي بينا انتهى في بيت المحامي وفي مجلس العرب يا أحمد. جاي هنا ليه؟”
قرب خطوة، وبص حوليه كأنه خايف حد من أهل البلد يشوفه واقف الموقف ده: “أنا اتقهرت يا مريم.. الورشة اتسحبت مني نهائي، وأمي مريضة ومش قادرة تطلع من البيت من كلام الناس وعينيها اللي اتكسرت في البلد. أنا أكلت الحرام وشفت نتيجة اللي عملته.. بس محتاجك تتنازلي عن قضية البلاغ الكاذب اللي المحامي بتاعك رافعها، وإلا هتدخل السجن الأسبوع الجاي.. أنا جاي أترجاكي.”
بصيت في عينه، وافتكرت الليلة اللي رفع إيده عليّا فيها، والكباية المكسورة على السيراميك، والخطة الخبيثة اللي كانوا عاملينها مع أمه عشان يسرقوا شقا عمري ويغطوا بيها خيبته.
قلتله بمنتهى البرود: “أنت جاي للست اللي كنت فاكر إنك هتاخد فلوسها وتضربها، عشان تطلب منها تنقذك من السجن؟”
أحمد نزل راسه في الأرض، وكانت أول مرة أشوفه بيعيط من العجز: “أنا غلطت.. والديون طحنتني، وأمي هي اللي كانت بتزقني وقالتلي إنك بنت هادية ومش هتفتحي بقك ونسلك أمورنا بفلوسها.. أنا ضعت يا مريم.”
“أمك ما زقتكش على حاجة أنت ماكنتش موافق عليها يا أحمد. أنت اخترت تمشي في طريق السرقة والعنف برغبتك لما لقيت الفلوس السهلة.”
سكت لحظة، وبعدين كملت وأنا بنزل درجات السلم بخطوات متزنة لحد ما بقيت قدامه بالظبط:
“القضايا اللي عند المحامي هتمشي في طريقها القانوني.. أنا مش مؤذية ومش هشتفي فيك، بس القانون بياخد مجراه عشان تعرف إن كرامة الناس وأموالهم مش لعبة. اللي بيزرع شوك بيجرح رجله يا أحمد.”
أحمد بصلي بذهول، وكان فاكر إن العياط والكسرة هيخلوني أضعف زي ما ستات كتير بتميل لما تشوف الدموع.
بس أنا كنت بنت عماد عبدالرحمن.
عديت من جنبه وفتحت باب الشارع الصاج. النور بتاع الشارع ضرب في وشنا وقطع ضلمة المدخل.
قلتله وأنا بصلة نظرة أخيرة قبل ما أخرج: “أنت ما خسرتش الورشة ولا خسرت فلوسك بسبب أهلك أو بسببي يا أحمد.. أنت خسرت نفسك يوم ما صدقت إن الست ضعيفة وتستاهل تتسرق وتتضرب. ودلوقتي اتفضل، عشان المكان ده معمول عشان يدي قوة للمظلومين.. مش عشان يستر على الظالمين.”
خرج أحمد وهو بيجر رجليه في الشارع، ومشيت أنا في طريقي لبيت أمي.
الشارع كان فاضي، وهوا الشتا كان بارد على وشي، بس جوايا كان في دفء غريب.. دفء الراحة، ونهاية الفصل الأخير من القصة من غير أي باقي مشاعر أو خوف.
ولما دخلت البيت، لقيت أمي محضرة العشا، ومحمد أخويا قاعد بيصلح حبل من أحبال الجيم.. قعدت وسطهم، وأنا عارفة إن القوة مش مجرد ضربة ولا للكمة في صالة تمرين.. القوة إنك تفضلي ثابتة ومرفوعة الرأس، وتعرفي تقولي “لأ” في الوش الصحيح، وفي الوقت الصح.
بعد سنتين، الصالة الصغيرة فوق محل قطع الغيار اتوسعت وبقت مركز كامل، مش بس لتعليم الملاكمة والدفاع عن النفس، لكن كمان لمساعدة ودعم أي ست بتمر بظروف صعبة أو محتاجة نصيحة قانونية. الفلوس اللي استرديتها بالكامل من أحمد استثمرتها في المكان اللي أبويا عاش ومات وهو بيبنيه بدم قلبه. بقى يجيلنا بنات وستات من البلد ومن القرى اللي جنبنا، كل واحدة داخلة بظروفها وخوفها، وطالعة بظهر مشدود وشخصية جديدة.
أحمد قضى سنة في السجن بسبب قضايا التبديد والوصلات اللي ما قدرش يسددها، ولما خرج، لم هدومه وسافر يشتغل في مكان بعيد في الساحل عشان يبدأ من الصفر بعيد عن عيون أهل البلد اللي كانت بتشاور عليه. أمه سعاد انزوت في بيتها، الشوكة اللي كانت فاكراها في دراعها اتكسرت، وعرفت إن الستات مش حيطة مايلة ولا لعبة في إيد حد.
في يوم افتتاح التوسعة الجديدة للجيم، الصالة كانت مليانة على آخرها. أمي كانت قاعدة في أول كرسي، لابسة أحسن طقم عندها، بتبصلي بعيون مليانة دموع فرح وفخر حقيقي، ومحمد أخويا واقف جنب الباب بيستقبل الناس وهو رافع راسه باخته.
نزلت على ركبتي قدام أمي ومسكت إيدها، حطت إيدها التانية على راسي وقالتلي بصوت بيترعش: “أبوكي لو كان عايش يا مريم، كان هيبقى أسعد راجل في الدنيا بيكي.. أنا آسفة إني في يوم قلتلك الجواز تنازلات وسكوت.”
بست إيدها وقلت لها: “التنازل بيكون في المشاركة والمودة يا ماما.. لكن الكرامة والحق مفيش فيهم تنازل أبداً.”
طلعت على حلبة التمرين، وقفت قدام عشرات البنات والستات اللي عينيهم بتلمع بالأمل. بصيت لبرواز صورة أبويا الكبير المتعلق في صدر الصالة بابتسامته الدافية، ورفعت راسي وقلت بصوت واثق هز المكان:
“أنا مريم عبدالرحمن.. مش بطلة خارقة، ولا جاية أقولكم إن الحياة معركة طول الوقت. أنا هنا بس عشان أفكركم باللي أبويا علمهوني.. إن ربنا خلقنا مكرمين، وإن القوة مش إنك تأذي حد، القوة الحقيقية إن محدش يقدر يكسر عينك، أو يحسسك في يوم إنك ضعيفة ومالكيش قيمة.”
صوت التسقيف والزغاريد ملأ الصالة، والشمس كانت داخلة من الشبابيك العالية بترمادي دهبي دافي على الحلبة. اتنفست بعمق وأنا ببتسم للناس ولصورة أبويا، وعرفت إن الوجع ماكانش نهاية قصتي.. كان مجرد البداية اللي صنعت مني الست اللي أنا عليها النهاردة.
تمت
حكايات انجى الخطيب
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




