روايات وقصص

جوزها قبل الفجر حكايات انجى الخطيب

جوزها  قبل الفجر.. بس المركب اللي كانت مستنياها على المرسى خلت كبير العصابة يكتشف إنه عمره ما عرف مراته بجد!

«تمن سنين يا أحمد…» قالتها مريم الشاذلي بصوت واطي، وهي بتبص على ورق الطلاق اللي متحطوط قدامها على ترابيزة السفرة. «وتكون دي كل كلمتك ليا؟»

أحمد المنشاوي ماحاولش حتى يهرب بعينيه من عينيها.

قال ببرود:

«وقّعي.»

المطر كان بينزل بغزارة برا، وصوت النقط وهي بتخبط على إزاز الشبابيك الكبيرة كان مالي الفيلا كلها. من ورا الإزاز، كان البحر المتوسط أسود وهادي بشكل يخوف، والفيلا واقفة على لسان أرض قريب من مارينا، في منطقة ساحلية راقية حوالين إسكندرية، محاطة بسور عالي وبوابات حديد وحراسة على مدار الساعة.

الفيلا كانت عاملة زي حصن أكتر منها بيت.

حجر فاتح، إزاز واسع، جنينة كبيرة، وجراج تحت الأرض، وفي آخر الأرض مرسى خاص صغير أحمد عاملُه لقواربه ومراكبه.

مريم بصت للورق تاني.

التسوية كانت سخية جدًا.

سخية لدرجة مستفزة.

شقة فخمة على البحر في سيدي بشر.

مبلغ مالي يقدر يأمّن لها حياتها سنين طويلة.

مصروف شهري لمدة ست شهور.

وكمان كل الدهب والمجوهرات اللي كان جايبهالها طول فترة جوازهم.

أحمد كان عامل حساب كل حاجة.

كل حاجة…

إلا هي.

قال وهو بيحاول يفضل محافظ على هدوء صوته:

«المحامين بتوعي اتأكدوا إنك هتكوني مؤمّنة كويس بعد الطلاق. تقدري تبدأي حياتك من جديد.»

مريم رفعت عينيها ببطء.

«أبدأ حياتي من جديد؟»

كان في حاجة في صوتها خلت أحمد يسكت لحظة.

لحظة واحدة بس.

وبعدين رجع لجموده.

أحمد المنشاوي كان عنده تلاتة وأربعين سنة، وكان واحد من أخطر رجال الأعمال في إسكندرية.

قدام الناس كان رجل أعمال محترم، عنده شركات نقل بحري، مخازن، شركات مقاولات، مطاعم، وعقود نقل بري في محافظات كتير.

لكن جوه الدواير المقفولة…

الناس كانت بتقول عليه كلام تاني خالص.

شبكة مصالحه كانت واصلة من إسكندرية للقاهرة وبورسعيد ودمياط، وكان حواليه رجالة مخلصين ليه بشكل يخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يعاديه.

أحمد عمره ما كان بيتصرف بتهور.

وعمره ما كان بيسمح لمشاعره تتحكم في قراراته.

قال:

«أنا مش عايز الموضوع يقلب بخناقة.»

مريم ضحكت ضحكة صغيرة.

ضحكة من غير أي فرحة.

«يا سلام… ده أنت مرتب كل حاجة لدرجة إن حتى الخناقة مش سايبلي أختارها.»

شد أحمد فكه.

«مريم…»

قاطعته:

«لا، بجد. أنا منبهرة.»

سندت ضهرها على الكرسي وقالت:

«أنت قررت إن جوازنا خلص. محاميينك حضروا الورق. أنت اللي حددت أنا هاخد إيه وأنا ماشية. ودلوقتي كمان قررت إني المفروض أحس بإيه.»

أحمد رد بحدة:

«الموضوع مش شخصي.»

لأول مرة من ساعة ما قعدوا، مريم بصتله باستغراب حقيقي.

وبعدين ابتسمت.

ابتسامة حزينة.

«أحمد… لو أنت قادر تقول لمراتك إن طلاقكم مش موضوع شخصي، يبقى أعتقد إننا الاتنين عرفنا كل اللي كان لازم نعرفه عن بعض.»

بص للورق وقال:

«وقّعي.»

مريم مسكت القلم.

مفيش خناقة.

مفيش صريخ.

مفيش دموع.

حتى كباية العصير اللي قدامها مازقتهاش.

وقّعت اسمها في آخر ورقة بهدوء.

مريم الشاذلي المنشاوي.

قفلت القلم وحطته على الترابيزة، وزقت الورق ناحية جوزها.

بعدها رفعت إيدها ببطء…

وخلعت دبلة جوازها.

أحمد تابعها بعينيه وهي بتحط الدبلة فوق ورق الطلاق.

تمن سنين من الجواز…

اتحولوا في لحظة لورقتين ودبلة دهب.

مريم قامت.

أحمد قال من غير ما يفكر:

«عايزك تكوني بره البيت قبل الفجر.»

وقفت مكانها.

لثانية واحدة، أحمد افتكر إنها أخيرًا هتنهار.

هتصرخ.

هتعيط.

هتسأله ليه.

لكنها بس هزت راسها.

«حاضر.»

ومشيت ناحية السلم.

أحمد فضل مكانه.

وقال لنفسه إنه ارتاح.

لكن الحقيقة كانت أعقد من كده.

—

قبل الطلاق بشهور، كان شريف العشماوي، أقرب رجالة أحمد ومستشاره اللي بيثق فيه، بدأ يحذره من مريم.

كان بيقوله دايمًا:

«الست دي عرفت حاجات أكتر من اللازم يا أحمد.»

أحمد كان بيرفض الكلام.

لكن شريف كان بيكمل:

«هي عارفة أسماء ناس. عارفة طرق شغل. شافت رجالة كتير وهي مش فاهمة بتعمل إيه هنا، وسمعت كلام عمرها ما كان المفروض تسمعه.»

وسكت لحظة قبل ما يقول:

«إنت ممكن تحب مراتك… وممكن تحمي شغلك. بس في وقت لازم تختار.»

الكلام كان بيضايق أحمد.

لحد ما بدأ يصدقه.

ومريم فعلًا كانت اتغيرت.

بقت ساكتة أكتر.

بتخرج كتير.

ترد على مكالمات وتطلع البلكونة.

وكانت ساعات تقفل على نفسها في المكتب بالساعات.

أحمد كان بيسألها:

«مين اللي بيتصل؟»

فترد:

«شغل.»

«شغل إيه؟»

«حاجات تخص الجمعيات اللي بتعامل معاها.»

وكان أحمد يسيب الموضوع.

هو وشريف كانوا فاكرين إن سكوتها معناه إنها بتخبي حاجة.

بس محدش فيهم فكر للحظة إن اللي بتخبيه…

كان طموح.

—

أحمد قابل مريم لأول مرة من تمن سنين.

كان وقتها عنده خمسة وتلاتين سنة، وكان بالفعل اسم تقيل في عالم البيزنس في إسكندرية.

مريم كانت عندها تلاتين سنة، وكانت شغالة مستشارة في العقود والتجارة والنقل لشركة لوجستيات كبيرة.

اتقابلوا في اجتماع بخصوص عقد تشغيل ونقل بحري.

أحمد دخل الاجتماع وهو متوقع إن الطرف التاني هيوافق على شروطه من غير نقاش.

لكن مريم دخلت وهي شايلة شنطة جلد صغيرة ودفتر ملاحظات أصفر.

الاجتماع استمر حوالي أربع ساعات.

وفي نص الاجتماع، مريم قلبت كام ورقة وقالت بهدوء:

«في مشكلة هنا.»

محامي أحمد بص لها باستغراب.

«مشكلة إيه؟»

فتحت العقد وقالت:

«البند ده بيتعارض مع بند تاني موجود في آخر العقد، صفحة 43.»

المحامي خد الورق.

قرأ البند.

وبعدين قرأه تاني.

وشه اتغير.

أحمد أخد الورق منه.

قرا البندين.

مرة.

واتنين.

مريم كانت عندها حق.

غلط قانوني كبير، ومحامي الشركة نفسه ماخدش باله منه.

بعد الاجتماع، أحمد لحقها عند باب المكتب.

قال:

«إنتِ كنتِ عارفة الغلطة دي من أول الاجتماع؟»

ردت:

«آه.»

«طب ليه ماقولتيش؟»

بصتله وقالت:

«عشان لو قلتلك من الأول، كنت هتفتكر إني بحاول أظهر إني أذكى منكم.»

أحمد ضحك وقتها لأول مرة قدامها.

بعدها بثلاث أيام، عزمها على العشا.

وبعد سنة وشهرين…

اتجوزوا.

—

في أول سنين الجواز، أحمد كان بيحب يقول للناس:

«مراتي أذكى واحدة قابلتها في حياتي.»

وكان فعلًا فخور بيها.

لكن بالتدريج…

الفخر اتحول لخوف.

وبعدين الخوف اتحول لمحاولة سيطرة.

الجمل بدأت تظهر واحدة واحدة:

«إنتِ مالكيش دعوة بالموضوع ده.»

«سيبي رجالة الشركة يتصرفوا.»

«دي مش حاجات تخصك.»

«متدخليش في الأرقام دي.»

«أنا عارف أنا بعمل إيه.»

ومريم في البداية كانت بتجادل.

وبعدين بطلت.

أحمد فهم سكوتها على إنه اقتناع.

وماعرفش إن سكوتها كان بداية حاجة تانية تمامًا.

—

في السنة التانية من جوازهم، حصل موقف صغير.

أحمد كان راجع من اجتماع مهم، ورمى قدامه ملف خاص بشحنة ونقلها.

مريم بصت في الأرقام.

وقالت:

«في حاجة غلط هنا.»

أحمد رد بضيق:

«مريم، لو سمحتي… سيبي الشغل ده ليا.»

هي سكتت.

وفي نفس الليلة، دخلت أوضة المكتب الصغيرة اللي في آخر البيت.

قفلت الباب.

فتحت لابتوب قديم كانت محتفظة بيه من قبل الجواز.

دخلت على حساب استثماري قديم باسمها.

كانت الفلوس اللي فيه مش مبلغ ضخم بالنسبة لأحمد.

لكن بالنسبة لها…
#انجي_الخطيب
كانت بداية.

عملت مكالمة واحدة.

وبعد ست أسابيع، تأسست شركة جديدة باسم:

مجموعة الشاذلي للنقل البحري.

في البداية كانت الشركة صغيرة جدًا مقارنة بإمبراطورية أحمد.

مريم استأجرت جزء من مخزن قديم قريب من دمياط.

المكان كان متهالك.

المالك القديم كان على وشك يخسره بسبب الديون وسوء الإدارة.

لكن مريم شافت فيه حاجة محدش شافها.

بدأت تعيد التفاوض على العقود.

غيرت الموردين.

وظفت ناس عمر أحمد ما سمع عنهم.

بدأت تتواصل بنفسها مع شركات نقل وتجار كبار.

الصبح كانت تظهر قدام الناس بصفتها «مدام مريم المنشاوي»، مرات رجل الأعمال المعروف.

وبالليل كانت بتقعد لحد اتنين وتلاتة الصبح تراجع أسعار النقل، وحركة البضائع، وعقود التخزين، وخطوط الشحن.

بعد سنة وشهرين…

الشركة بدأت تكسب

السابق1 من 4
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button