
قال لها بسخرية: “غنّيلي بالعربي… وأقسم لك إني هتجوزك الليلة!”
فضحك كل اللي قاعدين… لكن النادلة الأمريكية بصّت له بثبات وعملت حاجة كل الموجودين اتصدموا لما عملتها.
ساعتها الضحك اختفى تمامًا… لأن اللي حصل بعدها كشف إن البنت دي مش مجرد نادلة عادية أبدًا!
كان المطعم من أرقى المطاعم الموجودة في نيويورك، واللي بيروحه عادةً رجال أعمال كبار وشخصيات مشهورة وأثرياء من كل أنحاء العالم.
وفي ليلة هادية، كان فيه شاب عربي ثري جدًا قاعد على ترابيزة مميزة مع واحد من أصحابه. كان اسمه عمر الناصر، ومن عيلة معروفة جدًا، وعنده نفوذ وفلوس خلت الناس حواليه متعودة تنفذ كلامه من غير نقاش.
طول السهرة، عمر وصاحبه كانوا بيتكلموا ويضحكوا، لحد ما جت نادلة شابة علشان تقدم لهم المشروبات. كانت بنت جميلة وهادية، لابسة زي المطعم، وشكلها بسيط جدًا، لكن كان عندها حضور لافت.
صاحبه بص لها وقال وهو بيضحك:
— إنتِ بتتكلمي عربي؟
ردت بابتسامة:
— شوية.
عمر بص لصاحبه وضحك. وبعدين بص لها وقال بنبرة فيها تحدي وسخرية:
— غنّيلي بالعربي، وأقسم لك إني هتجوزك الليلة.
صاحبه انفجر في الضحك. والناس اللي قاعدين حواليهم بدأوا يبصوا عليهم.
لكن البنت ما اتوترتش ولا اتكسفت. بالعكس… بصت مباشرة لعمر وقالت بمنتهى الهدوء:
— قبل ما أغنّي يا سمو الأمير… يمكن يكون أحسن إنك تخلي بالك من الوعود اللي بتقولها بلغة أنت فاكر إن اللي قدامك مش بيفهمها.
الضحك اختفى. صاحب عمر نزل الكوباية من إيده. حتى عمر نفسه اعتدل في قعدته وبص لها باستغراب.
نطقها للعربي كان ممتاز. مش مجرد واحدة حافظة كلمتين. كانت بتتكلم بطلاقة، وبلهجة عربية طبيعية جدًا.
عمر سألها:
— إنتِ بتتكلمي عربي؟
ابتسمت وقالت:
— أكتر بكتير من شوية.
هنا عمر لأول مرة بدأ ياخد باله منها بجد. قال لها:
— طيب غني.
البنت أخدت نفس بسيط، وبدأت تغني. من غير موسيقى. ومن غير أي استعراض. صوتها كان هادي في البداية، كأنها بتغني لنفسها. لكن خلال ثواني، بدأت الأصوات اللي حوالين الترابيزة تهدى. والكلام في المطعم بدأ يقل. لأن صوتها كان جميل بشكل ملفت.
لكن اللي صدم عمر مش صوتها… الأغنية نفسها. كان يعرفها. دي أغنية قديمة جدًا كانت جدته بتغنيهاله وهو صغير.
فضل ساكت وهو بيسمع. ولما خلصت، محدش ضحك. عمر فضل باصص لها. وبصوت هادي سأل:
— إنتِ اتعلمتي الأغنية دي فين؟
ردت:
— من أمي.
سأل بسرعة:
— وأمك منين؟
— الأردن. اتربت في عمّان.
— وأبوكي؟
— أمريكي.
صاحب عمر أخيرًا استوعب الموقف، وقال وهو بيضحك:
— طيب يا عمر… أنت كنت حلفت!
الناس ضحكت. البنت مسكت الصينية وقالت:
— أيوه… هو حلف.
وبصت لعمر:
— ها؟
وش عمر اتغير. قال لها:
— إنتِ مش متوقعة بجد إني أتجوزك.
هزت راسها:
— لأ.
وبكل هدوء قالت:
— أنا كنت متوقعة إنك ما توعدش واحدة بالجواز وأنت حتى مش عارف اسمها.
واحد من اللي قاعدين كتم ضحكته. وصاحب عمر كاد يشرق من المشروب. عمر وشه احمر من الإحراج. ولأول مرة طول الليلة، الشاب اللي كان متعود إن محدش يعترض عليه، لقى نفسه مش عارف يرد.
سألها:
— اسمك إيه؟
قالت:
— ليلى حداد.
— ليلى.
— أيوه.
عمر قام من مكانه. ليلى رجعت خطوة صغيرة لورا بشكل تلقائي. عمر لاحظ الحركة فورًا. فوقف مكانه وما قربش منها. وقال:
— أنا مدين لك باعتذار.
ردت فورًا:
— أيوه.
صاحب عمر بص له وهو مش مصدق. ليلى كملت:
— مش علشان إني عايزة أتجوزك. لأ. أنت مدين لي باعتذار لأنك حولتني لتسلية قدام مطعم مليان ناس وأنا في شغلي.
وسكتت لحظة وبعدين قالت:
— أنا ماكنتش أقدر أرد عليك زي أي واحدة قاعدة على الترابيزة… لأن عندي شغل لازم أحافظ عليه.
الكلام سكت الترابيزة كلها. عمر بص حواليه. واكتشف إنها عندها حق. هو كان فاكر إن ابتسامتها بسبب شغلها معناها إنها موافقة على طريقته.
قال:
— أنا آسف.
ليلى بصت له كام ثانية، وبعدين قالت:
— مقبول.
ومسكت الصينية. قبل ما تمشي، بصت على الكوبايات وقالت:
— وبالمناسبة… المية بتاعتك بدأت تسخن.
ومشيت.
صاحبه انفجر في الضحك. والمرة دي عمر نفسه ضحك. لكن عينه فضلت متعلقة بالباب اللي ليلى اختفت وراه.
بعد شوية، عمر سأل مدير المطعم:
— ممكن أكلمها؟
المدير رد:
— هي بتشتغل.
عمر استغرب. مش متعود حد يقوله “لأ”. قال:
— طيب ممكن تديها رقمي؟
المدير قال:
— لو هي حبت تتصل بيك.
عمر سكت. وبعدين كتب اسمه ورقم تليفونه على كارت من المطعم. من غير لقب. من غير اسم مساعد. من غير رقم فندق. ومن غير أي فلوس.
ليلى لقت الكارت بعد ما خلصت شغلها. حطته في شنطتها… ونسيته تقريبًا لمدة تلات أسابيع.
وفي يوم، كانت بتدور على مفاتيح شقتها، ولقت الكارت. فضلت تبص للرقم شوية. وبعد تردد، بعتت له رسالة:
— خطبت نادلات تاني بعدي؟
الرد جه بعد أقل من دقيقة:
— لأ. المستشارين القانونيين بتوعي نصحوني بشدة إني أبطل.
ليلى ضحكت. ومن هنا بدأت الحكاية. مش بجواز. بفنجان قهوة.
بعد ست أسابيع، عمر رجع نيويورك. وسأل ليلى لو ممكن يقابلها في مكان هي تختاره. ليلى اختارت كافيه صغير جدًا في كوينز. مكان محدش فيه كان مهتم هو مين أو عيلته مين.
عمر وصل من غير حراسة ولا حاشية. وقعدوا يتكلموا. المقابلة اللي كان المفروض تبقى ساعة، استمرت تقريبًا تلات ساعات.
عمر عرف إن ليلى معاها شهادة في العلاقات الدولية. وإنها كانت بدأت دراسات عليا، لكن والدتها مرضت. المصاريف الطبية استهلكت معظم فلوس الأسرة. وبعد وفاة والدتها، ليلى اضطرت تأجل دراستها وتشتغل شغلانتين علشان تعتمد على نفسها.
عمر سألها:
— ليه ماقولتيليش الكلام ده في المطعم؟
بصت له باستغراب وقالت:
— وليه أقولك؟
سكت. فقالت:
— دي مشكلة الناس الأغنياء… ساعات بتفتكروا إن كل شخص قدامكم لازم يحكيلكم قصته كأنه بيقدم طلب عندكم.
عمر بص لها. وبعدين ضحك.
— إنتِ فعلًا مش بتحبيني.
ردت:
— لسه ما قررتش.
الجملة دي علقت في دماغه. لأن عمر كان متعود الناس تحاول ترضيه. لكن ليلى؟ ما كانتش مهتمة بفلوسه ولا بلقبه.
ومع الوقت، بدأ عمر يكتشف حاجات كتير عن ليلى. وليلى كمان اكتشفت إن عمر مش مجرد شاب متكبر وخلاص. هو مش حاكم بالمعنى اللي الناس متخيلاه. لقب “الشيخ” كان مرتبط بعيلته ومكانتها الاجتماعية، بينما حياته اليومية كانت مرتبطة بإدارة استثمارات عائلته ومؤسسة خيرية. لكنه اتربى طول عمره وسط ناس بتوافقه، وبتنفذ كلامه، ونادر جدًا حد يقوله إنه غلط. وده كان سبب جزء كبير من غروره. لكن ليلى كانت دايمًا بتفكره إن ده مش عذر.
العلاقة بينهم كملت بهدوء. شهور عدت. عمر رجع نيويورك أكتر من مرة. وبعد فترة، ليلى سافرت عمّان تزور أقاربها، وهناك اتقابلوا تاني.
الحكاية ما حصلتش بسرعة. كان فيه اختلافات ثقافية. وتوقعات عائلية. وأسئلة دينية. وحاجات كتير لازم يتناقشوا فيها بجد.




