
أنا بصيتله.
قال:
ـ هي عارفة.
وفاء ردت:
ـ لأ.
ـ ماما كانت بتفتكر إنها بتحميني.
ـ وهي في الحقيقة كانت بتسلمك لي.
سكتت.
ـ خليها تسمع الحقيقة منك.
عصام قرب مني.
قعد قدامي على الأرض.
وقال:
ـ أمي…
ـ نعم؟
ـ أنا أخدت منك حاجات كتير.
دموعي نزلت.
ـ أهمها إنك كنتي أم.
اتخضيت من كلامه.
كمل:
ـ كنتي شايفة دموعي وبتجري عليا.
ـ وكنت شايفها بتعيط ومش بتتحركي.
ـ أنا استغليت حبك ليا.
ـ وإنتي ساعدتيني.
سكت.
ـ بس الذنب مش ذنبك لوحدك.
أنا قلت:
ـ لأ.
ـ أنا أمك.
وبعدين بصيت لوفاء.
ـ وأنا كان لازم أحميكي.
وفاء دموعها نزلت.
لكنها فضلت ساكتة.
بعد شهر، حصل شيء محدش فينا كان متوقعه.
وفاء رجعت البيت.
مش علشان تتنازل.
ومش علشان تنسى.
رجعت ومعاها شنطتها.
وقفت على الباب.
أنا جريت عليها.
لكن قبل ما أحضنها، وقفت.
سألتها:
ـ ينفع؟
وفاء بصتلي.
وبعدين فتحت دراعها.
حضنتها.
فضلنا نعيط.
وعصام كان واقف بعيد.
وفاء بصتله.
قال:
ـ البيت بيتك.
ردت:
ـ البيت بيتنا كلنا.
وبعدين سكتت.
ـ بس من النهارده مفيش حد فيه أعلى من حد.
عصام هز راسه.
ـ موافق.
أنا مسحت دموعي.
وقلت:
ـ وأنا كمان.
وفاء بصتلي وقالت:
ـ وفي شرط.
ـ قولي.
ـ لو شوفتي عصام غلط، متقوليشلي اسمعي كلام أخوكي.
ابتسمت رغم دموعي.
ـ مش هقولها تاني.
قالت:
ـ ولو شفتيني أنا غلطانة، قوليلي.
ـ حاضر.
ـ ولو عصام غلطان، وقفيه.
بصيت لعصام.
ـ هوقفه.
عصام قال:
ـ وأنا كمان لو شفتك بتظلمي وفاء، هفكرك.
بصيتله بدهشة.
قال:
ـ مش علشان هي أختي بس.
وسكت.
ـ علشان اللي حصل عمره ما يتكرر.
مرت شهور.
وفاء بدأت تشتغل.
عصام بقى أهدى.
وأنا بقيت أحاول أصلح اللي أقدر عليه.
لكن في يوم، وأنا برتب حاجات قديمة في دولاب جوزي، لقيت ظرف بني صغير مكتوب عليه بخط إيده:
“لو حصل لي حاجة… الظرف ده يتفتح لما وفاء تبقى محتاجة تعرف الحقيقة.”
وقفت مكاني.
إيدي بدأت ترتعش.
ناديت:
ـ وفاء!
جريت عليا.
ـ في إيه؟
مديت لها الظرف.
ـ ده بخط أبوكي.
أخدته.
فضلت باصة له.
وبعدين فتحته.
كان جواه جواب طويل.
وفاء بدأت تقراه.
وبعد أول سطر، وشها اتغير.
قلت:
ـ مكتوب إيه؟
فضلت ساكتة.
قلت:
ـ يا بنتي قولي.
رفعت عيني عليا.
وكانت بتعيط.
قالت:
ـ بابا كان عارف إنك بتميلي لعصام.
قلبي انقبض.
كملت القراءة.
ـ وكان عارف إنك ممكن تظلميني عشانه.
سكتت.
وبعدين قالت:
ـ وعشان كده كتب حاجة…
وقفت.
ـ حاجة إيه؟
وفاء بصتلي، وبعدين بصت لعصام اللي كان داخل من باب الشقة.
وقالت:
ـ بابا كان عامل حساب للحظة اللي يحصل فيها اللي حصل بالضبط.
عصام قرب.
ـ يعني إيه؟
وفاء رفعت الورقة.
ـ يعني إن بابا كان سايب لنا شرط.
قلت:
ـ شرط إيه؟
وفاء بصت لنا إحنا الاتنين.
وقالت:
ـ لو حصل بينا ظلم كبير… البيت كله مش هيبقى من حق أي حد فينا.
سكتت.
ـ البيت هيروح لحد تاني.
عصام اتصدم.
ـ لمين؟
وفاء بصت في آخر سطر.
وشها شحب.
وقالت:
ـ لحد بابا اختاره قبل ما يتوفى…
وبعدين رفعت عيني علينا.
ـ وأنا عمري ما سمعت اسمه قبل النهارده.
وفاء فضلت ماسكة الورقة، وأنا وعصام بنبص لها ومستنيين تقول الاسم.
قلت:
ـ يا بنتي قولي… مين؟
بلعت ريقها.
ـ اسمه عم حسن.
عصام عقد حواجبه.
ـ عم حسن مين؟
وفاء رجعت تبص في الورقة.
ـ مكتوب: “حسن عبد الرحيم… جارنا القديم.”
أنا شهقت.
ـ عم حسن بتاع الدكان؟
وفاء هزت راسها.
ـ أيوه.
عصام ضحك ضحكة متوترة.
ـ ده راجل غريب عننا، أبويا هيسيب له البيت ليه؟
وفاء كملت قراءة:
ـ “لو وصلتوا للنقطة دي، يبقى أنا غالبًا مش موجود، ووفاء اتظلمت، وعصام استغل حب أمه ليه.”
صوتها بدأ يرتعش.
ـ “أنا مش عايز البيت يبقى سبب في خرابكم، وعشان كده كتبت شرط واضح…”
سكتت.
قلت:
ـ كملي.
ـ “لو ثبت إن وفاء اتعرضت للأذى أو الإهانة من أخوها، أو إن أمها وقفت مع الظلم وسكتت عنه، يبقى البيت يتحول بالكامل إلى عم حسن، بشرط واحد.”
عصام قال:
ـ شرط إيه؟
وفاء قلبت الورقة.
ـ “إنه يستخدم البيت كوقف خيري باسم الأسرة، ويكون ريعه لمساعدة البنات اليتامى والأرامل.”
سكتنا كلنا.
عصام قعد على الكرسي.
ـ يعني أبويا كان متوقع ده؟
قلت:
ـ مش متوقع…
وسكت.
ـ كان عارفك.
عصام فضل ساكت.
وفاء قالت:
ـ بابا كان شايفك أكتر مننا كلنا.
عصام مسح وشه.
ـ طب ليه ما قالليش؟
وفاء ردت:
ـ يمكن لأنه كان عايزك تتغير من نفسك.
وبعدين بصتلي.
ـ أو يمكن كان عارف إن أمي مش هتسمح لحد ياخد حقها.
أنا نزلت عيني.
ـ كان غلطان.
وفاء قربت مني.
ـ لأ.
ـ إيه؟
ـ هو كان فاكر إنك هتحبيني زي ما بتحبي عصام.
دموعي نزلت.
ـ وأنا خذلته.
وفاء قالت:
ـ وخذلتيني أنا.
وسكتت.
ـ بس لسه قدامنا فرصة.
تاني يوم، رحنا كلنا عند عم حسن.
كان راجل كبير في السن، عايش لوحده في بيت صغير على ناصية الشارع.
لما شاف وفاء، ابتسم.
ـ اتأخرتي يا بنتي.
عصام بص له باستغراب.
ـ إنت كنت مستنيها؟
عم حسن قال:
ـ أبوكم كان مكلمني من سنين.
قعدنا كلنا.
وفاء طلعت الورقة.
ـ حضرتك عارف الكلام ده؟
عم حسن هز راسه.
ـ عارف.
عصام قال:
ـ وأبويا قالك إيه؟
عم حسن تنهد.
ـ قال لي: “يا حسن، أنا خايف على بنتي.”
عصام نزل عينه.
ـ وقال لي: “ابني طيب، بس ساعات بيغلبه طبعه، ومراتي قلبها بيغلب عقلها.”
أنا حسيت كأن جوزي قاعد قدامي.
عم حسن كمل:
ـ وقال لي: “لو في يوم حصل ظلم كبير، متخليش البيت يبقى مكافأة للظلم.”
وفاء سألت:
ـ وإنت وافقت؟
قال:
ـ وافقت.
عصام قال:
ـ بس إنت مش عايز البيت لنفسك؟
عم حسن ابتسم.
ـ لو كنت عايزه لنفسي، كنت أخدت فلوس وسكت.



