
من بعد المكالمة دي، النوم طار من عيني.
فضلت قاعدة على طرف السرير، والموبايل في إيدي، والجملة بتتكرر في دماغي:
“ومتقلقيش أنا مش هقول لأحمد إن معاكي 79 مليون.”
إزاي؟
إزاي ست بتقول إنها باعت خضار في السوق 20 سنة تعرف رقم موجود في حسابي البنكي؟
الأغرب إن الرقم مش حتى 80 مليون بالظبط.
أنا دايمًا لما بفكر في ثروتي بقول حوالي 80 مليون.
لكن مدام نوال قالت 79.
وده معناه إنها مش بتخمن.
هي عارفة.
تاني يوم الصبح، أول حاجة عملتها إني كلمت مدير البنك.
طلبت منه يراجع لو حصل أي استعلام غريب على حساباتي.
بعد ساعتين كلمني وقال:
“مفيش أي دخول غير معتاد، ومفيش أي طلبات استعلام من أي جهة.”
قفلت معاه وأنا حيرتي زادت.
يبقى عرفت منين؟
عدى الأسبوع تقيل جدًا.
وأحمد كان بيتعامل طبيعي كأن مفيش حاجة حصلت.
مبيسألنيش عن العربية.
ولا عن الفلوس.
ولا حتى قاللي إن أمه كلمتني.
وده أكدلي إن مدام نوال فعلًا مخبتش عليه حاجة.
يوم السبت، صحيت بدري.
ماما كانت باعتالي من البلد عسل أسود، وجبنة قديمة، وفطير مشلتت.
حطيتهم في شنطة.
وقفت قدام مفتاح السكوتر ومفتاح العربية.
افتكرت كلام مدام نوال.
وفي الآخر خدت مفتاح السكوتر.
لو هي عايزة تلعب اللعبة دي، أنا كمان هكملها للآخر.
وصلت تحت عمارتهم.
لقيت مدام نوال واقفة في البلكونة.
أول ما شافتني بالسكوتر، هزت راسها وضحكت.
طلعت.
أحمد فتحلي الباب.
قال:
“إيه كل ده؟”
قلت:
“مامتك طلبت حاجات من البلد.”
مدام نوال خرجت من المطبخ ومسحت إيديها في المريلة.
بصت للشنطة.
وبعدين بصتلي.
وقالت:
“وبرضه جيتي بالسكوتر؟”
بصيتلها مباشرة:
“أصل أنا بحبه.”
ابتسمت:
“وأنا بحب الناس العنيدة.”
أحمد بص لينا باستغراب:
“هو أنا فايتني حاجة؟”
ردينا إحنا الاتنين في نفس اللحظة:
“لأ.”
بصلي.
بص لأمه.
وبعدين قال:
“أنا حاسس إني داخل امتحان ومحدش قالي المنهج.”
ضحكت.
لكن مدام نوال مضحكتش.
قالتله:
“انزل يا أحمد هاتلي علبة الشاي اللي بحبها من عند عم سيد.”
قال باستغراب:
“دلوقتي؟”
“أيوه دلوقتي.”
أحمد خد الفلوس ونزل.
وأول ما باب الشقة اتقفل، مدام نوال شالت المريلة.
وقعدت قدامي.
وقالت:
“دلوقتي نقدر نتكلم براحتنا.”
قلت من غير مقدمات:
“عرفتي منين؟”
قالت:
“عن العربية ولا الفلوس؟”
قلت:
“الاتنين.”
بصتلي كام ثانية.
وبعدين قامت ودخلت أوضتها.
رجعت وفي إيديها ملف قديم.
حطته قدامي.
“افتحي.”
فتحته.
أول ورقة كانت صورة مطبوعة من خبر اقتصادي قديم.
العنوان كان عن استحواذ شركة تكنولوجيا على نظام تحكم صناعي طورته مهندسة مصرية شابة.
اسمي الكامل كان موجود:
مريم عبد الرحمن السيد.
حسيت إني غبية.
أنا طول السنين دي كنت فاكرة إن الخبر محدش شافه، خصوصًا إن مفيش صورة واضحة ليا فيه.
قلت:
“حضرتك عرفتي إني أنا من الاسم؟”
قالت:
“لأ.”
وقلبت الصفحة.
كانت صورة ليا.
صورة قديمة جدًا.
من يوم توقيع الصفقة.
بصيتلها مصدومة:
“الصورة دي مش منشورة.”
قالت:
“عارفة.”
رفعت عيني ناحيتها.
“أمال معاكي إزاي؟”
مدام نوال سندت ضهرها على الكرسي.
وقالت:
“عشان أنا كنت هناك.”
اتسعت عيني.
“فين؟”
“في الشركة.”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“أنا فعلًا بعت خضار 20 سنة يا مريم، بس قبل العشرين سنة دول، كنت بشتغل محاسبة.”
أنا مقلتش حاجة.
كملت:
“جوزي مات وأحمد كان عنده 7 سنين. واضطريت أسيب شغلي عشان ظروف البيت، وبعدها اشتغلت في السوق لأن دخله كان أسرع وأضمن.”
وأشارت للصورة:
“لكن أختي فضلت شغالة في نفس المجال. ودلوقتي هي مديرة مالية في الشركة اللي اشترت منك النظام.”
هنا فهمت.
قلت:
“يعني حضرتك وريتيها صورتي؟”
قالت:
“أنا مبعتلهاش صورتك أصلًا. أنا حكيتلها عنك. قولتلها الاسم، السن، الشغل. ولما قولتلها إنك مبرمجة، هي اللي سألتني عن اسمك بالكامل.”
وبعدين قالت:
“بعدها بساعة بعتتلي الصورة دي وقالتلي: هي دي؟”
سكتت.
“قولتلها أيوه.”
قلبي بدأ يهدى.
إذن مفيش اختراق.
مفيش حد دخل حساباتي.
لكن سؤال تاني جه في دماغي.
قلت:
“بس حضرتك عرفتي الرقم إزاي؟ قيمة الصفقة مكانتش منشورة.”
ابتسمت:
“أنا مقولتش إن عندك 79 مليون جنيه بالظبط.”
بصيتلها.
وفجأة فهمت.
هي قالت في الرسالة:
“مش هقول لأحمد إن معاكي 79 مليون.”
لكنها مكنتش تعرف.
هي رمت الرقم واستنت رد فعلي.
قلت:
“حضرتك كنتي بتختبريني؟”
قالت بمنتهى الهدوء:
“وإنتِ مش بتختبري ابني؟”



