
الليلة اللي بعد شهر واحد بس، المستشفى اتصلت بيا وقالولي إن سارة دخلت المستشفى وهي بتعاني من نزيف حاد، وساعتها فهمت فجأة إن اللي حصل في القاهرة ماكانش مجرد ليلة متهورة وخلاص.
كان المطر البارد بينزل بغزارة على رصيف في القاهرة لما موبايلي رن.
كنت واقف قدام شركة «المنصوري للتطوير العقاري»، مرهق بعد 12 ساعة كاملة من الاجتماعات، لما سمعت صوت ست من مستشفى في القاهرة بتسألني:
— حضرتك أحمد المنصوري؟
— أيوه.
قلت الكلمة، وأنا حاسس إن حاجة تقيلة بدأت تضغط على صدري.
— مدام سارة عبد الرحمن حطت اسم حضرتك كجهة اتصال في حالة الطوارئ. محتاجين نتكلم معاك فورًا.
لثواني، حسيت إن دوشة العربيات والزحمة حواليا اختفت.
سارة كانت رجعت تستخدم اسم عيلتها قبل الجواز بعد طلاقنا بثلاث سنين.
وسماع اسمها مرتبط بيا تاني، كان زي باب قضيت سنين وأنا بحاول أقفله بكل قوتي، وفجأة الريح فتحته على آخره.
— حصلها إيه؟
الست سكتت لحظة، وكأنها بتدور على الكلمات المناسبة.
— السيدة سارة دخلت المستشفى وهي بتعاني من نزيف حاد. حالتها مستقرة حاليًا، لكن الوضع خطير. هي طلبت مننا نتصل بيك لو حصلت أي مضاعفات.
إيدي بردت وهي ماسكة الموبايل.
وبعدين قالت:
— هي كمان سابتلك ظرف.
الكلمة دي خوفتني تقريبًا قد كلمة «» نفسها.
لأن قبلها بشهر واحد، كنت صحيت جنب سارة في أوضة فندق في القاهرة، وشفت بقعة دم حمرا على الملاية.
كانت صغيرة…
لكن مستحيل تتجاهلها.
سارة سحبت الملاية بسرعة وقالت:
— مفيش حاجة يا أحمد. أرجوك ما تسألش.
وبعدين لبست هدومها ومشيت قبل الفطار.
من غير تفسير.
من غير ما توعدني إنها هتتصل.
ومن غير حتى ما نعترف إن اتنين مطلقين زيّنا عدّوا خط عمرنا ما تخيلنا إننا هنعديه تاني.
دلوقتي، وأنا واقف تحت المطر وببص على عمارات القاهرة العالية، فهمت أخيرًا إن الدم اللي شفته وقتها…
ماكانش «مفيش حاجة».
— أنا جاي.
قلت الكلام ده للمستشفى، وأنا عارف إن حياتي هتتغير من اللحظة دي.
قبلها بثلاث سنين، أنا وسارة أنهينا سبع سنين جواز في أوضة اجتماعات لونها بيج، وقهوة طعمها وحش، وأوراق الطلاق مفرودة بينا على الترابيزة.
ماكانش فيه خيانة.
ولا فضيحة.
ولا حتى خناقة كبيرة.
كان فيه بس سنين قضيتها وأنا باختار شغلي على حسابها، لحد ما هي بطلت تصدق إن لسه فيه مكان ليها في حياتي.
يوم ما مضينا، كانت لابسة فستان كحلي كنت دايمًا بحبه عليها.
بصتلي وقالت بهدوء:
— خلي بالك من نفسك يا أحمد.
رديت عليها:
— وإنتِ كمان.
أربع كلمات…
وبس.
كده انتهت سبع سنين.
سارة سافرت القاهرة الجديدة بعدها بوقت قصير، وأنا فضلت في القاهرة، ودفنت كل حاجة جوايا تحت العقود، ومشاريع البناء، والطموح، والشغل اللي ماكانش بيخلص.
لحد ما شركتي كلفتني بإنّي أتابع صفقة فندق سياحي كبير في القاهرة.
وفي أول ليلة ليا هناك، دخلت بار هادي جوه فندق قريب من النيل…
وشفتها.
كانت قاعدة لوحدها، قدامها كوباية نبيذ أبيض.
— أحمد؟
صوتها ضربني أقوى بكتير مما توقعت.
في الأول اتكلمنا بحذر.
وبعدين بدأنا نضحك على ذكريات قديمة.
اتكلمنا عن مشاكل الركنة.
وافتكرنا حاجات كنا فاكرين إننا نسيناها.
وفجأة، رجع الإحساس الغريب بالراحة اللي ما بيحسوش بيه غير اتنين كانوا في يوم عارفين كل حاجة عن بعض.
بعد الكوباية التالتة…
الموضوع بدأ يبقى خطر.
قرب نص الليل، سارة بصتلي من فوق حافة كوبايتها.
— إنت نازل في فندق النيل، صح؟
قطبت جبيني.
— عرفتي منين؟
نزلت عينيها للأرض.
وبعدين تعبير وشها اتغير تمامًا.
وقالت بصوت واطي:
— لأن يا أحمد…
أنا بقالي تلات أسابيع بحاول أقرر إذا كنت أروحلك هناك وأقولك على حاجة…
ولا لأ.
حكايات شروق خالد
سكتت سارة.
وأنا فضلت باصص لها، مستني تكمل.
— حاجة إيه؟
رفعت عينيها ليّا، وكان واضح في نظرتها خوف عمره ما كان موجود فيها قبل كده.
— قبل ما أقولك… عايزاك توعدني إنك مهما سمعت، مش هتمشي وتسيبني.
ضحكت ضحكة قصيرة من التوتر.
— سارة، إنتِ عارفة إننا مطلقين بقالنا تلات سنين. إيه اللي ممكن تقوليه يخلي—
قاطعتني بسرعة:
— أنا حامل يا أحمد.
الكلمة وقعت عليا كأن حد ضربني على دماغي.
فضلت ساكت.
مش عارف أقول إيه.
بصيت لها، وبعدين بصيت للكوباية اللي في إيدها.
— حامل؟
هزت راسها.
— أيوه.
— من مين؟
ما ردتش.
فضلت تبصلي في عيني.
وساعتها فهمت.
قلبي بدأ يخبط بعنف.
— سارة…
صوتي خرج مبحوح.
— إنتِ بتقولي إن الطفل…
هزت راسها ببطء.
— ابنك يا أحمد.
قمت من مكاني مرة واحدة.
الكرسي اتحرك ورايا بصوت عالي، والناس اللي حوالينا بصوا ناحيتنا.
— إنتِ متأكدة؟
بصتلي بوجع.
— أكتر حاجة أنا متأكدة منها في حياتي.
حطيت إيدي على راسي.
تلات سنين…
تلات سنين من الطلاق.
وهي حامل مني؟
— طب ليه ما قولتيليش؟
نزلت عينيها.
— كنت خايفة.
— خايفة مني؟
— لأ…
سكتت لحظة.
— كنت خايفة من الحقيقة.
قربت منها.
— أي حقيقة؟
رفعت عينيها ليا، وقالت:
— إن الحمل ده مش هو الحاجة الوحيدة اللي لازم تعرفها.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
— في إيه تاني يا سارة؟
مسكت إيدي فجأة.
إيديها كانت ساقعة.
— لما مشيت من عندك من شهر… الدم اللي شوفته على الملاية ماكانش بسبب حاجة بسيطة.
سحبت إيدي منها.
— أمال كان إيه؟
دموعها لمعت في عينيها.
— كان أول علامة إن الحمل في خطر.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
— يعني إنتِ كنتِ عارفة إن فيه مشكلة؟
— كنت شاكّة.
— وشاكّة وسكتّي؟
— كنت ناوية أقولك…
— إمتى؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— بعد ما أتأكد إن الطفل لسه عايش.
قلبي اتقبض.
— سارة… الطفل فين دلوقتي؟
ما ردتش.
— سارة!
رفعت عينيها ببطء.
— في بطني.
سكت.
وبعدين همست:
— أو كان في بطني.
الجملة دي خلت الدم يتجمد في عروقي.
— يعني إيه «كان»؟
قبل ما تجاوب، موبايلها رن.
بصت للشاشة، ووشها اتغير.
رفضت المكالمة.
بعد ثواني، رن تاني.
بصتلي.
— لازم أمشي.
— مش قبل ما تقولي مين بيتصل.
— أحمد، لو فضلت هنا، حياتك كلها هتتغير.
— حياتي اتغيرت من اللحظة اللي قلتيلي إنك حامل.
مسكت شنطتها وقامت.
لكن قبل ما تتحرك، موبايلي أنا رن.
رقم غريب.
رديت.
— ألو؟
صوت راجل جه من الناحية التانية.
هادئ…
لكن نبرته كانت تخوف.
— أستاذ أحمد المنصوري؟
— أيوه.
— ابعد عن سارة.
بصيت لها.
وشها كان شاحب.
— مين حضرتك؟
سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
— الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة.
— حقيقة إيه؟
قال جملة واحدة:
— الطفل اللي سارة قالت لك إنه ابنك… مش هو أخطر سر في الموضوع.
وقفل.
فضلت ماسك الموبايل وأنا مش قادر أتكلم.
سارة قربت مني.
— مين كان؟
بصيت لها.
— واحد بيقول إنه عارف الحقيقة.
وشها اتغير تمامًا.
— قالك إيه؟
— قال إن الطفل مش أخطر سر.
سارة رجعت خطوة لورا.
وحطت إيدها على بطنها.
ولأول مرة…
شفت الرعب الحقيقي في عينيها.
— هو عرف…
همست.
— عرف إيه؟
دموعها نزلت.
وقالت:
— عرف إن الطفل اللي في بطني…
مش المفروض يكون موجود أصلًا.
في اللحظة دي، باب الفندق اتفتح.
ودخل راجل لابس بدلة سودا.
بص ناحيتنا مباشرة.
وبعدين ابتسم.
وأول ما عينيه قابلت عيني…
عرفت إني شوفته قبل كده.
لكن مش في الفندق.
ولا في القاهرة.
شوفته في يوم طلاقي من سارة…
واقف بعيد عن باب المحكمة.
وساعتها افتكرت حاجة واحدة مرعبة:
قبل ما أمضي على ورقة الطلاق بدقائق، الراجل ده كان واقف جنب سارة…
وبيحط إيده على كتفها.
حكايات شروق خالد
فضلت واقف مكاني، عيني متعلقة بالراجل اللي دخل الفندق.
سارة أول ما شافته، شهقت.
— لأ…
بصيت لها.
— إنتِ تعرفيه؟
ما ردتش.
الراجل قرب بخطوات هادية، كأنه داخل مكان هو صاحبه.
وقف قدامنا وقال:




