روايات وقصص

مراتى كانت فى غيبوبة

**مراتي كانت في غيبوبة بقالها ست سنين… لكن كل ليلة كانت بتحصل حاجات مستحيلة في بيتنا**

مراتي كانت في غيبوبة بقالها ست سنين، لما بدأت تحصل حاجات غريبة جوه بيتنا.

هدومها كانت بتتغير وأنا مش واخد بالي، وبرفانها اللي محدش لمسه من سنين بدأت ريحته تملى أوضة النوم بالليل.

وفي الآخر، عملت نفسي مسافر شغل، ورجعت البيت في الضلمة من غير ما حد يعرف.

وقفت تحت شباك أوضتها وبصيت لجوه…

واللي شوفته خلّى الدم يتجمد في عروقي.

بالظبط الساعة 11:47 كل ليلة، كان بيتنا بيمتلئ بريحة غريبة؛ كحول طبي ممزوج بريحة خشب الصنوبر القديم.

ريحة مش شبه أي حاجة تخص بيت عيلة هادي.

كأن البيت اتحول غصب عنه لمستشفى صغيرة.

وبعد ست سنين، كنت خلاص اتعودت أعيش وسط الريحة دي، لأنها ببساطة بقت جزء من حياتي مع ندى.

من ست سنين، أنا وندى كنا راجعين بالعربية من عشا متأخر في إسكندرية.

وكنا بنتخانق.

مش خناقة كبيرة، ولا كان فيه بينا خيانة أو مصيبة.

بالعكس…

كنا مختلفين على حاجة عادية جدًا من الحاجات اللي أي اتنين متجوزين ممكن يختلفوا عليها.

ندى كانت عايزة ننقل ونعيش في مكان أقرب لشغلها، وأنا كنت متردد أسيب شغلي أو أغير حياتي كلها علشان النقلة دي.

ومع الوقت، الكلام العادي اتحول لسؤال أكبر:

هل ممكن اتنين يكونوا بيحبوا بعض فعلًا، وفي نفس الوقت كل واحد فيهم عايز مستقبل مختلف تمامًا عن التاني؟

وفجأة…

الدنيا كلها اتقلبت.

نور كشافات عربية ضرب في الزجاج الأمامي بقوة.

سمعت صوت كلاكس مرعب جاي من جنبنا.

وفي ثانية واحدة، العربية زحفت بالعرض على الطريق.

حاولت أتحكم في الدركسيون…

لكن مفيش فايدة.

وبعدها سمعت صوت الحديد وهو بيتطبق حوالينا.

صوت عمري ما نسيته.

ولا هنساه.

ندى ما فتحتش عينيها في الإسعاف.

ولا في المستشفى.

ولا اليوم اللي بعده.

الدكاترة قالوا إنها دخلت في غيبوبة.

وبعد فترة، واحد من الدكاترة استخدم قدامي تعبير أقسى بكتير.

قال بصوت واطي:

“حالة إنباتية مستديمة.”

قالها بهدوء شديد، لدرجة إني تمنيت إني ماكنتش سمعته.

الدكاترة نصحوني أنقل ندى لمركز رعاية طويل الأجل.

قالوا إن المكان هناك مجهز للحالات دي، وإن وجودها في مؤسسة طبية متخصصة هيكون أكثر أمانًا.

لكنني رفضت.

وخدت مراتي ورجعت بيها البيت.

ومن اليوم ده، حياتي كلها اتغيرت.

كل صباح كنت أجهز الميه والفوطة الناعمة، وأهتم بوجه ندى وإيديها وشعرها.

وأفضل أتكلم معاها.

كنت بحكيلها عن حاجات عادية جدًا.

لأن الحاجات العادية كانت هي اللي محافظة على عقلي.

كنت أقول لها:

“الراجل جارنا أخيرًا صلح السور المعوج اللي قدام البيت… فاكرة السور اللي كنتي بتقولي عليه شكله زهق من الوقوف؟”

وأضحك.

رغم إني عارف إنها مش هترد.

أوقات كنت أقعد جنب سريرها وأقرأ.

وأوقات تانية ماكنتش بعمل أي حاجة.

كنت بس أقعد جنبها وأسمع صوت جهاز الأكسجين، ومعاه الصوت المنتظم لمضخة التغذية.

مع مرور السنين، الصوت ده بقى إيقاع حياتي.

لأن في كل مرة كان بيتوقف فيها فجأة…

كنت بحس إن قلبي هو كمان وقف.

كانت فيه ممرضة اسمها مدام سامية بتيجي كل يوم من الساعة تسعة الصبح لحد الساعة تلاتة العصر.

كانت قرب الستين سنة.

ست صريحة جدًا وكلامها مباشر، لكن قلبها طيب.

وكانت بتسجل كل تفصيلة تخص حالة ندى بعناية شديدة.

النبض.

الضغط.

التغذية.

الأدوية.

وأي تغير، حتى لو بسيط.

وكانت كل ما تشوفني برفع ندى أو بحاول أغير لها هدومها تقول:

“يا محمود، إنت كده هتبوظ ضهرك خالص.”

فكنت أرد عليها:

“ما أنا باظت مني حاجات كتير أصلًا.”

ونضحك إحنا الاتنين…

ونعمل نفسنا مصدقين إني بهزر.

لكن بالليل…

كنت أنا وندى لوحدنا.

على الأقل…

ده اللي كنت فاكره.

—

من حوالي تلات شهور، دخلت أوضة ندى قرب نص الليل.

وأول ما دخلت…

وقفت مكاني.

الصبح، أنا فاكر كويس جدًا إني كنت ملبسها بلوفر رمادي فيه زراير صغيرة شبه اللؤلؤ.

أنا اللي لبستهولها بإيدي.

لكن دلوقتي…

ندى كانت لابسة كارديجان أزرق.

كارديجان أنا أصلًا ماكنتش بحبه.

كنت بكرهه لأن القماش بتاعه كان دايمًا بيتعلق في ضوافرها.

فضلت واقف كام ثانية ببص لها من غير ما أفهم.

وبعدين قلت لنفسي:

“أكيد أنا تعبان.”

ست سنين من النوم المتقطع كفاية تخلي أي إنسان ينسى هو عمل إيه من كام ساعة.

يمكن أنا اللي غيرت هدومها ونسيت.

يمكن مدام سامية غيرتها وأنا نسيت إنها قالت لي.

أي تفسير منطقي…

السابق1 من 4
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button