
وصلت للمزرعة قبل الفجر بشوية.
الطريق كان ضلمة، والمطر بيخبط على إزاز العربية، وكل ما أقرب من الموقع اللي اتبعتلي، قلبي كان بيزيد خوف.
وقفت العربية بعيد عن بوابة المزرعة.
محمود كان سايق عربية تانية ورايا، لكن قبل ما أنزل، اتصل بيا.
— أحمد، اسمعني كويس. ما تدخلش من البوابة الرئيسية.
— ليه؟
— عشان متراقبة.
بصيت للمزرعة.
— أمال أدخل منين؟
— ورا المخزن القديم فيه سور متهالك. هتلاقي باب حديد صغير.
— والطفل؟
— هحاول أوصل للحضانة من الناحية التانية.
قفلت معاه.
نزلت من العربية، ومشيت وسط الأرض المبلولة.
كنت سامع صوت الرياح، وكل خطوة كانت بتخليني أحس إني داخل على حاجة أكبر مني بكتير.
وصلت للسور.
لقيت الباب فعلًا.
فتحته بهدوء.
دخلت.
المكان كان مهجور، لكن كان واضح إن فيه ناس جوه.
لمحت عربيتين واقفين.
وقبل ما أتحرك، سمعت صوت طفل بيعيط.
اتجمدت.
— ابني…
جريت ناحية الصوت.
دخلت مبنى قديم، ونزلت سلالم ضيقة تحت الأرض.
في آخر الممر، كان فيه نور طالع من أوضة.
فتحت الباب ببطء.
ولقيت سرير صغير.
وعليه ابني.
كان عايش.
وبيعيط.
جريت عليه وشيلته.
— حبيبي…
ضمّيته لصدري.
كان جسمه دافي.
وبدأت أعيط من غير ما أحس.
— أنا أبوك… أنا هنا.
لكن فجأة سمعت تصفيق ورايا.
لفيت.
راجل كبير كان واقف عند الباب.
وشه كان مألوف.
رغم إني ما شفتوش غير في صور قديمة.
— عارفني؟
ما قدرتش أتكلم.
هو ابتسم.
— أنا عمك حمدي.
اتجمدت.
— عمي؟
— أخو أبوك.
فضلت باصص له.
— أبويا قال إنك مت.
ضحك.
— أبوك قال لك حاجات كتير.
قرب مني.
— منها إني مت.
شدّيت الطفل أكتر لصدرى.
— إنت اللي خطفته؟
— لأ.
— أمال مين؟
— أنا أنقذته.
صرخت:
— من مين؟
عمي بص للطفل.
— من الناس اللي عايزين يستخدموه زي ما استخدموا أمه.
بصيت له بغضب.
— إنت كنت معاهم؟
— كنت.
— وأبويا؟
سكت.
— أبوك بدأ المشروع.
ثم أضاف:
— لكنه حاول يوقفه.
قلت:
— ليه؟
عمي قرب مني.
— لأن التجارب نجحت.
حسيت بقشعريرة.
— نجحت إزاي؟
— اكتشفوا إن جينات الأطفال اللي عندهم المرض ممكن تتعدل قبل ما تظهر الأعراض.
بصيت لابني.
— وإيه علاقة ابني؟
عمي قال:
— ابنك هو أول طفل اتولد بالتركيبة الجينية دي من غير ما تظهر عليه أعراض المرض.
اتسعت عيني.
— يعني إيه؟
— يعني إن جسمه عنده طفرة نادرة جدًا ممكن تكون مفتاح لعلاج مرض وراثي كامل.
سكت.
بدأت أفهم ليه كل ده حصل.
— عشان كده عايزينه؟
هز راسه.
— عشان كده ناس كتير.
صوت عربية وصل من بره.
عمي بص ناحية الباب.
— وصلوا.
— مين؟
ضمّيت ابني أكتر.
عمي قال:
— لازم نخرج من هنا.
— وأنا مش هسيبه.
— محدش هيطلب منك تسيبه.
فتح باب خلفي.
خرجنا منه بسرعة.
لكن أول ما خرجنا، لقيت محمود واقف.
ومعه سارة.
جريت عليها.
— إنتِ جيتي هنا ليه؟
مسكت الطفل وبدأت تعيط.
— ده ابني؟
ناولتها الطفل.
حضنته بقوة.
محمود بص لعمي.
— اتأخرت.
عمي رد:
— المهم إن الولد خرج.
بصيت بينهم.
— إنتوا الاتنين تعرفوا بعض؟
محمود قال:
— من زمان.
بصيت لسارة.
— وإنتِ؟
هزت راسها.
— أنا كنت عارفة إن عمي حمدي عايش.
بصيت لها بصدمة.
— يعني إنتِ كنتِ عارفة؟
— أيوه.
— من إمتى؟
دموعها نزلت.
— من يوم طلاقنا.
صرخت:
— وليه ما قولتيليش؟!
قالت:
— لأنهم كانوا بيراقبوك.
— مين؟
قبل ما تجاوب، سمعنا صوت عربية بتقف.
عمي حمدي بص لنا.
— خلاص.
— خلاص إيه؟
قال:
— هم وصلوا.
خرج أربعة رجال من بين الأشجار.
واحد منهم كان نفس الرجل اللي شوفته يوم طلاقي.
اتقدم ناحيتنا.
وقال:
— سلموا الطفل.
سارة ضمته لصدرها.
محمود رفع .
وأنا وقفت قدام سارة.
الراجل ابتسم.
— زي أبوك بالضبط.
— إنت كنت تعرف أبويا؟
اتجمدت.
— إنت؟
هز راسه.
— أبوك حاول .
ثم أشار للطفل.
قلت:
— فين؟
ضحك.
— معاك.
سكت.
— إيه؟
— أبوك ما سابش الأبحاث على ورق.
قرب خطوة.
— نقلها لشخص واحد.
بص لسارة.
— زوجتك السابقة.
بصيت لسارة.
وهي بدأت تبكي.
— أنا؟
الرجل قال:
— أيوه يا سارة.
ثم ابتسم.
— إنتِ مش مجرد أم للطفل.
— إنتِ مفتاح كل اللي أبوك أخفاه.
وفجأة…
سارة وقعت على الأرض.
والطفل بدأ يصرخ.
جريت عليها.
— سارة!
فتحت عينيها بصعوبة.
ومسكت إيدي.
— أحمد…
— أنا هنا.
قالت بصوت ضعيف:
— الظرف…
— أنهي ظرف؟
— اللي سبتُهولك في المستشفى…
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— ما تفتحهش قدام حد.
— ليه؟
همست:
— لأن جواه اسم الشخص اللي خان أبوك…
وسكتت.
بصيت لها.
— مين؟
فتحت عينيها وبصت ناحية محمود.
ثم قالت:
— محمود.
وساعتها…
حكايات شروق خالد




