
رأفت ابتسم، والمرة دي ابتسامته كانت غامضة، حط إيده على الملف وقال:
“مش هجبرك على حاجة يا نور.. هترجعي بيتك، ومرتبك هيفضل ينزل لك لمدة سنة كاملة كتعويض عن اللي حصل لك في مطعمي. بس انتِ عارفة كويس.. إنك لو رفضتي، هترجعي تعيشي حياة عادية جدًا، بتخافي فيها من حسام جديد يظهر لك في أي شغلانة تانية.. في حين إنك تقدري تكوني الشخص اللي بيمنع حسام إنه يتوجد أصلًا.”
مسكت القلم المذهب اللي كان محطوط جنب الملف، صوابعي كانت بتترعش، بس النظرة في عين رأفت كانت بتقول إنه عارف إجابتي من قبل ما أنزل من البيت.
حكايات انجى الخطيب
بصيت للقلم الدهب في إيدي لثواني، ووش حسام بملامحه المرعوبة وهو بيتسحب لبره المطعم امبارح عدى قدام عيني. افتكرت سنين عمر اللي فاتت وأنا ببلع الإهانة وبسكت عشان لقمة العيش، وعرفت إن الهروب مش هيغير حاجة.. هي بس مسألة وقت قبل ما يظهر حسام تاني في مكاني الجديد.
نزلت سن القلم على الورقة، ووقعت باسمي بخط ثابت، رغم إن قلبي كان بيدق زي الطبلة.
رأفت سحب الملف بهدوء، سحب دراج صغير في المكتب وتلعه جواه، وقفل عليه بالمفتاح. وبعدين طلع من جيبه تليفون أسود صغير ملوش أي بصمة أو ماركة، ودزه ناحيتي.
“التليفون ده هيتصل بيكي في أي وقت.. لما يرت، تردي فورًا. الخط ده مش متسجل باسم حد، وده اللي هتبلغيني عليه أول بأول.”
قمت وقفت، حاولت أظبط البلوزة بتاعتي وأرد بثبات:
“جاهزة من دلوقتي يا فندم.”
رأفت ابتسم ابتسامة خفيفة، وقام وقف هو كمان.. طُوله وهيبته كانوا بيملاوا الفراغ في المكتب الكبير بشكل يفرض الخوف احترامًا.
“النهارده مش هتروحي بيتك يا نور.. السواق هيوصلك لشقة في الزمالك، فيها كل حاجتك، وشنطة فيها هدوم مناسبة لمركزك الجديد. الساعة سبعة بالليل، عربية المرسيدس هتكون تحت العمائر.. عندك ميعاد في نادي ‘الفرسان’ بالزمالك.”
سألته باستغراب:
“نادي الفرسان؟ ده أظن ملك للمجموعة برضه؟”
“ملك للمجموعة.. ومترأس إدارته واحد اسمه طارق العبد. راجل فاكر إن قدميته في العيلة وعلاقته بأبويا القديمة بتديله حصانة يعمل أي حاجة. طارق بيبيع الأغذية المغشوشة للمكان، وبيشغل عمالة من غير أوراق وبيبتزهم في أرزاقهم.. وواثق إن محدش يقدر يلمسه.”
قرب رأفت خطوتين، وبص في عيني مباشرة:
“انتِ هتدخلي هناك بصفتك المفتش العام الجديد.. هتنزلي عليهم فجأة من غير ميعاد، وهتطبقي القانون على أجدعها حد. وطارق لو حاول يهددك أو يعلي صوته…”
سكت لثانية وكمل بنبرة تلج:
“قوليله الجملة دي بس: ‘رأفت بيمسي عليك وبيقولك المحلوله قربت’.”
طلعت من مبنى الزمالك والشمس كانت في كبد السماء، والشارع اللي كنت بشوفه زمان زحمة ومخيف، بقى يبان لي بشكل مختلف من ورا الزجاج الفاميه بتاع عربية المرسيدس. السواق نزل فتح لي باب الشقة الجديدة.. كانت أحدث وأفخم من كل حاجة اتخيلتها، بس كل ركن فيها كان بيفرز ريحة السلطة والنفوذ.
الساعة سبعة بالظبط، كنت نازلة السلم لابس طقم أسود رسمي، شعري مرفوع، ودراعي اللي كان معلم فيه أحمر كان مستخبي تحت جاكيت بدلة متفصل بالمقاس.
أول ما دخلت نادي الفرسان، الهدوء المخيف بدأ ينزل على المكان. الشيفات والعمال اللي كانوا واقفين في صالة الاستقبال أول ما شافوا الكارت الذهبي اللي في إيدي المكتوب عليه اسم “مجموعة الدمنهوري”، أوش الموظفين اتسحب منها الدم.
طارق العبد خرج من مكتبه وهو ماسك سيجار، وشه مليان غضب، وكرشه سابق خطواته:
“مين دي اللي جاية تفتش عليا في وسطه نهار؟! إنتِ فاكرة نفسك مين يا بت إنتِ؟!”
وقف قصادي على بعد شبر، وريحة السيجار كانت بتخنق المكان.
كل الناس كانت واقفة بتتفرج، والعمال واقفين مرعوبين مش عارفين ايه اللي بيحصل.
أنا ما هزيتش عيني من عينيه، ولا صوتي اترعش.. اتنفس ببطء، و افتكرت حسام، وافتكرت نظرة رأفت الدمنهوري.
قربت منه خطوة واحدة بس، وبصيت له ببرود وقلت بكلمات واضحة وهادية اتقالت بالظبط زي ما اتقالت لي:
“أنا نور.. مديرة المتابعة والجودة لمجموعة الدمنهوري.. والأستاذ رأفت بيمسي عليك، وبيقولك المحلوله قربت.”
السيجار وقع من بين صوابع طارق العبد على الأرض، وفي اللحظة دي بالذات.. عرفت إن نور القديمة ماتت في ليلة الخميس، وإن اللي واقفة هنا دلوقتي.. هي اليد اليمين لرأفت الدمنهوري.
السيجار كان لسه بيطلع دخان خفيف وهو مرمي على السجاد الفاخر، وطارق واقف مذهول، عينيه رايحة جاية بين وشي وبين الباب الرئيسي كأنه بيتمنى يلقى مخرج من الكابوس اللي نزل عليه فجأة.
شفايفه اتفتحت ووقف يتأتأ بصوت طالع بالعافية:
“مـ… المحلولة؟ هو… هو قالك الكلمة دي بالذات؟”
ما رديتش عليه، سبت الحيرة والخوف يآكلوا في أعصابه، ومشيت بثبات ناحية ممر المكاتب الإدارية. العمال والموظفين كانوا واقفين على الجنبين زي التماثيل، محدش قادر يتحرك أو ينطق حرف، والنظرات اللي كانت زمان مليانة قهر واستهانة بالعمال، اتتحولت كلها لذهول من الست اللي وقفت طارق العبد على رجل واحدة.
طارق جرى ورايا بخطوات متلخبطة ووشه يتصبب عرق:
“استني هنا! انتِ فاكرة نفسك رايحة فين؟! المكان ده له نظام، وأنا هنا من أيام المرحوم كمال الدمنهوري! رأفت نفسه ما يقدرش…”
وقفت فجأة عند باب مكتبه، ولفيت له بهدوء، بصيت له بجمود وقلت:
“المرحوم مات يا طارق.. ورأفت هو اللي ماسك الخيوط دلوقتي. افتح المكتب، ولا أنادي على الرجالة اللي واقفين بره عند العربيات يكسروه؟”
إيده كانت بترتعش وهو بيطلع ميدالية المفاتيح من جيبه. المفتاح خبط في قفل الباب مرتين قبل ما يعرف يدخله. فتح الباب، ودخلت جوه. ريحة المكان كانت مزيج من دخان السيجار والكحول والفلوس القديمة، وعلى المكتب كانت فيه دفاتر متستفة وشاشات مراقبة جايبة كل زاوية في النادي وفي المطبخ.




