
قعدت على الكرسي الجلد الكحلي بتاعه، وهو واقف قدامي مش عارف يحط إيده فين ولا يبص فين.
قلت له وأنا بشاور على الرفوف:
“هات دفاتر المشتريات بتاعت آخر ست شهور.. وفواتير المورد اللي بيجيب اللحمة والأسماك.”
بلع ريقه وحاول يجمع باقي كبرياءه المكسور، وقال بنبرة فيها رجاء مستخبي ورا تهديد:
“يا نور يا بنتي.. انتِ جديدة في الشغلانة ومتاخدة بالحماس، رأفت بيه راجل أعمال كبير ومش فاضي للتفاصيل الصغير دي، إحنا هنا بنمشي الدنيا.. والتفاصيل دي لو اتفتحت، فيه ناس كبار أوي في البلد أساميهم هتتجاب، وأبوه الله يرحمه كان يسيب المستور مستور…”
قطعت كلامه وأنا بضرب بإيدي على المكتب بصوت مكتوم خلاه يفز من مكانه:
“الأكل المغشوش اللي بتدخله النادي وبيتباع للناس بآلاف الجنيهات، والعمال اللي بتاكل حقوقهم وتخصم من مرتباتهم عشان تحط في جيبك.. كل ده انتهى الليلة دي. الدفاتر فين؟”
في اللحظة دي بالذات، الجيب الداخلي لجاكتتي اهتز.
التليفون الأسود الصغير كان بيرن فايبريشن مكتوم.
سحبت التليفون ببطء، ورصدت نظرته وهو عينه بتتعلق بالجهاز الملوش ماركة ولا بصمة.. هو كان عارف التليفون ده كويس، وعارف مين الوحيد اللي بيمسكه.
فتحت الخط وحطيته على ودني من غير ما أقول كلمة.
صوت رأفت الدمنهوري طلع من السماعة.. أبرد وأهدى من التلج، وكأنه قاعد معانا في نفس الأوضة:
“اللوحة الزيتية اللي على الحيطة الشمال يا نور.. الخزنة السريعة وراها. خلي طارق يفتحها دلوقتي.”
قلبي دق بسرعة، بس ما بينتش أي اندهاش على وشي. نزلت التليفون وحطيته على المكتب قدامي، وبصيت لطارق في عينيه مباشرة وقلت له بصوت حاد:
“شيل اللوحة اللي وراك.. وافتح الخزنة.”
طارق وشه اتسحب منه الدم تمامًا، وشفايفه ازرقت، سند على طرف الكرسي ورجليه مكنتش شايلاد، وهو بيبصلي كأني جن طلع له من الحيطة.
طارق مد إيده وهو بيتخشب، أصابعه كانت بتترعش لدرجة إنه وقع اللوحة الزيتية على الأرض بصوت دبة مكتومة، والبرازيل الخشب اتكسر من الجنب. وراها ظهرت فتحة صغيرة في الحيطة جواه خزنة ديجيتال سودا.
ضرب أرقام السر وتلات مرات يغلط في الرقم من كتر التوتر، لحد ما الخزنة عملت صوت تكة وافتحت.
جوة الخزنة مكنش فيه فلوس بس.. كان فيه ملفات حمرا متستفة، وفلاشات صغيرة، ودفتر جلد أسود قديم.
طارق بص للملفات وبعدين بصلي، ونبرة صوته نزلت لمستوى التوسل:
“نور.. يا بنتي اسمعيني، انتِ لسه برة الدايرة ومطفيتيش نارهم. الشنطة دي فيها ربع مليون دولار كاش.. خديها وامشي، قولي لرأفت إن الخزنة كانت فاضية، أو إنك ملقتيش حاجة. الفلوس دي تمنيها يغير حياتك وحياة عيلتك للأبد!”
بصيت للفلوس وللملفات، وافتكرت الليلة اللي كنت فيها بمسح البار بخلقة زفرة عشان لقمة عيش حلال، وافتكرت حسام لما كان فاكر إن الضعف هو اللي بيحكم الدنيا.
قربت من الخزنة، ومسكت الدفتر الجلد الأسود والملفات، وسحبتهم برود.
“الفلوس دي متهزنيش يا طارق.. لأن رأفت مغيرش حياتي بالفلوس، رأفت غير حياتي لما خلاني أبص لأمثالك في عينيهم وما أترعشش.”
في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح على آخره.
الراجلين أصحاب الجاكتات السودا دخلوا بانتظام، واحد منهم مسك طارق من قفاه قبل ما يلحق يصرخ أو يمد إيده، والتاني خد مني الملفات والدفتر بحرص شديد وحطهم في شنطة سودا مقاومة للحرائق.
طارق كان بيتجرجر وهو بيزعق:
“مش هتوصلوا لحاجة! رأفت مش هينفذ اللي في دماغه! أنا معايا أسماء كبار!”
الراجل اللي ماسكه بص له ببرود وقال كلمة واحدة بس قبل ما يكتف إيده ورا ضهره:
“الأسماء اللي معاك.. هما اللي سلموك للبيه الصبح.”
المكتب رجع يهدى، والعمال في الصالة برة كانوا شايفين طارق العبد بيتسحب زي الكلب الصعلوك اللي اتطرد من رميته.
سحبت التليفون الأسود الصغير وحطيته على ودني، وسعت صوت رأفت الدمنهوري بيتنفس بهدوء من الناحية التانية.
“شغلك في نادي الفرسان خلص يا نور.. الملفات اللي خدتيها فيها أسرار السلسلة كلها. السواق مستنيكي برة.”
سألته وأنا بلفت نظري للشباك المطل على النادي:
“والخطوة الجاية إيه يا فندم؟”
رد بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت نازلة زي المقصلة:
“الخطوة الجاية.. هنتقابل في الساحل. فيه اجتماع لمجلس الإدارة بكره بالليل، وأنا محتاجك تقفي جنبي وتسمي كل واحد باسمه الحقيقي قدام الكل.”
سافرت الساحل في نفس الليلة. العربية المرسيدس كانت بتشق الطريق الصحراوي في السكوت، ونور العربيات النافذ كان بينور السواد اللي على الجانبين. القصر اللي كان فيه الاجتماع كان في قرية مقفولة على البحر، مبني على طراز ملوكي، النور الأبيض مسلط على قاعة الاجتماعات الكبيرة اللي زجاجها كله بيكشف أمواج البحر الثائرة بالليل.
جوة القاعة، كان فيه تمان رجالة قاعدين حوالين ترابيزة اجتماعات ضخمة من الرخام الأسود. التمانية دول هما كبار المستثمرين وأعضاء مجلس إدارة مجموعة الدمنهوري.. الناس اللي أسماء شركاتهم بتتكرر كل يوم في الأخبار، والناس اللي فاكرين إن فلوسهم ونفوذهم يشروا أي حاجة ويغطوا على أي جريمة.
دخلت ورا رأفت. كان لابس بدلة كحلي غامق وهيبته مالية المكان كالعادة. أول ما خطوت القاعة، عيون التمانية اتعلقت بيا.. نظراتهم كانت مزيج من الاستخفاف والفضول.
واحد فيهم، راجل سبعيني شعره أبيض ولابس نظارة دهب اسمه عثمان بيه، مال على اللي جنبه وضحك بصوت مكتوم:
“إيه ده يا رأفت بيه؟ بقيت تجيب سكرتارية معاك اجتماعات مجلس الإدارة السريعة؟”
رأفت ما ابتسمش. قعد على رأس الترابيزة، وشاور لي أقف جنبه مباشرة على يمنيه. حط إيديه على الترابيزة وقال بهدوء يرعب:
” دي نور.. مديرة المتابعة والجودة الجديدة للمجموعة. وهي مش جاية تسجل حضور يا عثمان بيه.. هي جاية تقرأ عليكم أسماء المقالين الليلة دي.”
الصالة كلها سكتت. عثمان ضحك بعصبية وقال:
“مقالين إيه؟! انت نسيـ…”
ما استنيتش رأفت يرد. فتحت الشنطة السودا، وطلعت الملفات الحمرا والدفتر الجلد الأسود بتاع طارق العبد، وحطيتهم على الترابيزة برزعة خفيفة بس سمعت في القاعة كلها. بصيت في عينين عثمان مباشرة، بصوت ثابت ومفيش فيه نبرة واحدة للتردد:
“عثمان بيه.. الفواتير المضروبة بتاعة سلاسل الفنادق في الغردقة، التحويلات اللي تمت لحساب ابنك في سويسرا بقيمة تلاتة مليون دولار، وتأمين التفتيش الصحي اللي كان بيتباع لحسابك الخاص عن طريق طارق العبد.. كل ده متوثق بالتاريخ ورقم الحساب في الدفتر ده.”
عثمان وشه اتسحب منه الدم، والنظارة الدهب كادت تقع من على مناخيره.
لفيت نظري للراجل اللي جنبه، عادل بيه، وكملت بمنتهى الهدوء:
“عادل بيه.. عقود التوريد المغشوشة للمطاعم، وتسريب أسرار المناقصات للمجموعات المنافسة.. الملف الأحمّر ده فيه كل مكالمة متسجلة بينك وبين حسام اللي كان شغال في المطعم.”
الهرج والمرج بدأ في القاعة. الرجالة بدأت تقف وتزعق، ووشوشهم احمرت من الغضب والخوف. عثمان وقف وضرب على الترابيزة بكل قوته:
“انتِ بتخرفي بتقولي إيه يا بت انتِ؟! رأفت.. انت هتصدق حتة جرسونة جاية من الشارع وتسمح لها تهين أسماء عائلات كبيرة زينا؟!”




