
سلفتي كل ما ندخل نطبخ سوا تفضل كل شويه تطلع حتة لحمه كبيره وتقول هدوقها وحماتي تيجي تقول اللحمه بتقل ليه انتو بتاكلوها على النار، كنت اسكت عشان معملش مشكله، لحد ما سمعتها بتقول لحماتي اني باخد طبق واطلعه شقتي !!!
أنا خديجة، متجوزة في بيت عيلة. العيشة في بيت العيلة ليها أصولها وقواعدها، وأهم قاعدة عندنا إن أكلنا كله سوا تحت مع حماتي. حماتي ست شديدة وصعبة حبتين، من النوع اللي يعد حبات الرز في الحلة، وتقفل بطرمان السمنة والمربى قفله تجيب أجل العصب، وتفضل تزعق: «ما تهدروش في الحتة! أنتم مبذرين ومش حاسين بالنعم!»
في الأول كنت بضايق وبحس إنها بتدقق في اللاشيء، بس مع الوقت عذرتها وقلت عندها حق. الحقيقة إن دخل البيت على القد جدا، ولو ما حرصتش وما مسكتش الإيد جامد، المصاريف مش هتكمل لنص الشهر.
كان يوم الخميس كنا نعمل غدا للبيت وللرجاله الشقيانين ….كان جوزي او جوز سلفتي بيروحوا للجزار ويقطعوا اتنين كيلو لحمة للبيت كله؛ ليهم هما وانا وسلفتي ولعيالنا ولحماتي. وده كان آخر مقدرتهم والحمد لله على كل حال.
المشكلة بقى كانت في انتصار… سلفتي!
أول ما حلة اللحمة تبدأ تغلي على النار وتطلع ريحتها، تبدأ انتصار في عادتها الغريبة اللي تجيب الجلطة. كل تلت دقايق تمسك الملعقة، تطلع حتة لحمة محترمة في طبق، وتقول : «أما أدوقها كده أشوفها استوت ولا لسه شديدة؟»
تلت دقايق وتطلع حتة تاني: «طب أدوق دي يمكن دي استوت عن اللي قبلها!»
وتفضل على الحال ده طول ما الأكل على النار، لحد ما الشوربة تصفصف واللحمة تقل في الحلة بشكل ملحوظ جداً!
ونيجي ساعة الغدا، نحط لحماتي طبق اللحم عشان تقسم اللحمة وتدي كل واحد منابه، تقول باستغراب وغضب: «بسم الله الرحمن الرحيم! هي اللحمة خست كده ليه؟! أنتم بتاكلوها على النار ولا إيه يا هوانم؟!» وتفضل تحرجنا قدام أزواجنا واولادنا.
أنا كنت بسكت وما بفتحش بوقي بكلمة. أقول في بالي: لو اتكلمت هحرج انتصار قدام جوزها وعيالها، وحماتي هتمسك فيها وتعمل مشكلة كبيرة، والبيت هيتقلب نكد. فكنت أعمل نفسي مش شايفاها وأكل بسكات
اما انتصار كانت تضحك ضحكة مستفزة وتقول لحماتي بهزار «يمكن فيه جن بيسرق اللحمة يا حماتي! البيت ده مخاوي ولا إيه؟!»
لحد الطبخة اللي بعدها… لقيت انتصار شغاله أكل على النار كالعادة، حست إن الصبر خلاص نفد. اتعصبت وزعقت معاها بصوت واطي بس حاسم: «ما تاكليش تاني يا انتصار! الحاجة على القد وبتبان في الصينية، ولو أكلتي حتة كمان أنا هطلع أقول لحماتك فوراً!»
أنا بصراحة ما كانش قصدي أقول لحماتي ولا حاجة، كنت بس بحاول أخوفها عشان تتلم وتبطل الحركة دي. بس هي عملت إيه؟ ضحكت ببرود واستفزاز، وحطت حتة لحمة كمان في بوقها ولا كأني اتكلمت! طنشتها وسكت زي كل مرة وقلت ربنا يهديها.
لكن المكر ماوقفش هنا…
في يوم، نازلة من شقتي على سلم بيت العيلة، وسمعت صوت انتصار وحماتي بيتكلموا في الصالة تحت. ما أخدوش بالهم إني واقفة على السلم. وقفت مكاني من الصدمة لما سمعت انتصار بتقول لحماتي بنبرة ثقة وخباثة:
«زي ما بقولك كده يا حماتي.. خديجة كل طبخة تاخد منابين تلاتة لحمة تحطهم في طبق، وتديهم لبنتها تطلعهم شقتها فوق، وتقول للبنت: إوعي تقولي قدام جدتك!»
حماتي قالت بصدمة وذهول: «طب بتعمل كده ليه؟! هو إحنا حارمينها مهي بتاخد منابها هيه وعيالها؟!»
انتصار ضحكت وقالت: «بتقول إنها بتجوع بالليل يا حماتي… الله أعلم بقى بالنيات!»
في اللحظة دي، حماتي لفت وشها وغضب الدنيا كله في عيونها، ولقيتني واقفة على السلم. زعقت فيا بحِدة : «سمعتي اللي سلفتك بتقوله يا خديجة؟!»
بصيت لانتصار… لقيتها واقفة بمنتهى الثبات، ومش خايفة خالص، بالعكس، كانت بتبتسملي بمكر ونصر. هي عارفة إنها سبقت وغزلت غزلها، وإني لو اتكلمت أو دافعت عن نفسي وقلت “دي هي اللي بتاكل”، حماتي هتقول عليا بتبلى عليها عشان أكدبها بعد ما اتكشفت.
كنت واقفه ببصلهم بصدمه وفي ثانية واحدة، خطرت في بالي فكرة رهيبة.. فكرة هتقلب الطاولة فوق دماغ انتصار وتخليها تتمنى الأرض تتشق وتبلعها.
ما جادلتش ولا كدبتها ، ولا قلت “هي اللي أكلت يا حماتي”.
ابتسمت بهدوء شديد، ونزلت آخر درجتين على السلم، وقربت منهم بثبات… واللي قلته وقتها خلى وش انتصار يصفرّ بخضة ورعب من الرد اللي معملتش حسابه أبداً!!!
باقي القصه موجو علي صفحة ورا كل باب حكاية اضغط وهاتلاقي القصه كامله هناك. وماتنساش تعملي متابعه عشان يوصلك كل جديد ♥♥♥♥♥
@أبرز المعجبي
زهرة_الربيع
صلي على حبيب الله
بصيت لانتصار في عينيها للحظات وبعدين بصيت لحماتي وقلت بهدوء شديد:
“سمعت يا حماتي… وسمعت كل كلمة. بس قبل ما تحكمي عليا، ممكن تسمعيني للآخر؟”
حماتي عقدت حواجبها وقالت بعصبية:
“أسمع إيه؟! سلفتك بتقول إنك بتاخدي مناب تلاتة وتحطيهم في طبق وتطلعيهم لبنتك! يعني بتسرقي أكل البيت؟!”
انتصار دخلت بسرعة وقالت:
“أنا ما قلتش غير اللي شوفته بعيني يا حماتي، وأنا والله ما كان قصدي أعمل مشكلة.”
لفيت ناحيتها وابتسمت.
“طبعًا… ما كانش قصدك.”
قالتها وهي متحفزة:
“أيوه، ما كانش قصدي.”
قلت:
“طيب حلو أوي. بما إنك شفتي بعينيكي، يبقى أكيد شفتي باقي اللي حصل.”
وشها اتغير للحظة، لكنها تماسكت وقالت:
“شفته طبعًا.”
هزيت راسي وقلت:
“يبقى خلينا نفتكر سوا.”
حماتي قالت بعصبية:
“خديجة ما تلفيش وتدوري! قولي عملتي كده ولا لأ!”
قلت:
“أيوه يا حماتي، أنا فعلًا كنت باخد لحمة وأطلع بيها فوق.”
انتصار ابتسمت بانتصار وقالت:
“أهو!”
لكن قبل ما تكمل، رفعت إيدي وقلت:
“بس مش زي ما انتصار قالت.”
حماتي سكتت.
وانتصار ابتسامتها اختفت.
قلت:
“أنا كنت باخد الحتت اللي كانت بتفضلها انتصار بعد ما تاكل على النار.”
انتصار اتنفضت وقالت:
“إيه؟!”
قلت بهدوء:
“أيوه. كل مرة كنتي تطلعي حتة لحمة من الحلة وتاكليها، وبعدها لما تحسي إنك شبعتِ أو الحتة مش عاجباكي، كنتي تحطيها في طبق جنبك. وأنا كنت باخد اللي بتسيبيه وأطلعه لبنتي.”
حماتي بصت لانتصار بسرعة.
انتصار قالت:
“كدابة! أنا عمري ما عملت كده!”
ابتسمت وقلت:
“عشان كده أنا قلت إن عندي فكرة أحسن من الكلام.”
مديت إيدي لجيب جلابيتي وطلعت موبايلي.
حماتي قالت:
“إيه ده؟”
قلت:
“أنا كنت ساكتة يا حماتي، بس من كتر ما الموضوع اتكرر، وفي يوم بنتي دخلت عليا المطبخ فجأة وشافتني متضايقة، سألتني مالك. وقتها صورت جزء من اللي بيحصل عشان لو في يوم حد اتهمني بحاجة، يبقى عندي دليل.”
انتصار وشها اصفر.
قالت بسرعة:
“إنتي بتصوري الناس من غير إذنهم؟!”
قلت:
“أنا ما صورتش حد مخصوص. الموبايل كان على الرخامة وأنا بطبخ، والفيديو فيه الحلة والمطبخ وصوتك وإنتي بتقولي: استني بس أطلع الحتة دي أدوقها.”
حماتي قالت:
“هاتيه.”
فتحت الفيديو ومديت الموبايل لها.
ظهر المطبخ قدامنا.
الحلة كانت على النار.
وصوت انتصار واضح وهي بتقول:
“دي شكلها طرية أوي… أما أدوقها.”
وبعد ثواني:
“طب دي كمان شكلها مستوية.”
وبعدين صوتي وأنا بقول:
“يا انتصار كفاية، اللحمة على القد.”
وصوت انتصار وهي بتضحك:
“يا بنتي دي دوقاية، هتفرق يعني؟”
حماتي سكتت.
انتصار قربت من الموبايل وقالت:
“الفيديو ده قديم!”
قلت:
“قديم؟”
قالت:
“أيوه!”
قلت:
“يعني حصل؟”
سكتت.
حماتي بصتلها وقالت:
“ردي.”
انتصار اتلخبطت وقالت:
“ما هو… أنا كنت بدوق بس.”
قلت:
“وأنا كمان كنت باخد اللي فضل منك وأطلعه لبنتي. الفرق إنك كنتي بتاكلي من غير ما تقولي، وأنا كنت فاكرة إن اللي بتسيبيه محدش هيحتاجه.”
حماتي فضلت ساكتة شوية.
وبعدين سألتني:
“طب ليه ما قولتيليش من الأول؟”
نزلت عيني وقلت:
“عشان ما كنتش عايزة أوقع بينكم. إنتي كل مرة كنتي بتزعقي وتقوليلنا اللحمة بتقل ليه، وأنا كنت ببص في الأرض وأسكت. كنت أقول لنفسي يمكن لو اتكلمت البيت يتقلب خناقة، وجوز انتصار يزعل، وجوزي يزعل، والعيال تسمع كلام مش لازم تسمعه.”
حماتي بصتلي نظرة مختلفة.
قلت:
“بس لما سمعتها بتتهمني بحاجة أنا ما عملتهاش، حسيت إن السكوت بقى ظلم لنفسي.”
انتصار بدأت تدافع عن نفسها:
“يا حماتي، هي أصلًا بتطلع أكل فوق! أنا شفتها كذا مرة!”
قلت:
“ما أنكرتش. بس إنتي ما قولتيش الحقيقة كاملة.”
حماتي قالت:
“يعني إيه؟”
قلت:
“يعني في حاجة تانية.”
انتصار شهقت:
“حاجة إيه؟”
بصيت لحماتي وقلت:
“اسأليها هي.”
حماتي قربت منها:
“أسألها عن إيه؟”
قلت:
“عن طبق اللحمة اللي بيختفي كل خميس.”
انتصار اتجمدت.
حماتي قالت:
“طبق إيه؟”
قلت:
“أنا كنت مستغربة زيك. كل مرة تقولي اللحمة ناقصة، وأنا كنت فاكرة إن السبب هي الدواقة اللي بتحصل على النار. لكن من فترة بدأت ألاحظ إن بعد ما الطبق يتقسم، بيبقى فيه طبق صغير بيتحط على جنب، وبعدها يختفي.”
انتصار قالت بسرعة:
“أنا ما أعرفش حاجة عن طبق!”
قلت:
“ولا أنا.”
حماتي بصتلنا الاتنين.
قلت:
“عشان كده سكت. لحد ما حصل موقف خلاني أفهم.”
حماتي سألت:
“إيه الموقف؟”
قلت:
“من أسبوعين، وأنا داخلة المطبخ بالليل، سمعت باب المطبخ بيتفتح. خرجت أشوف مين، لقيت انتصار خارجة ومعاها طبق مغطى.”
انتصار صرخت:
“كدابة!”
قلت:
“أنا ما قلتش إن الطبق كان فيه لحمة.”
سكتت.
حماتي بصتلها.
أنا كملت:
“لكن لما سألتها وقتها قالتلي إنها كانت داخلة تشرب مية.”
انتصار قالت:
“ما هو فعلًا!”
قلت:
“طب والطبق كان ليه؟”
ما ردتش.
حماتي بدأت تفقد أعصابها.
“انتصار!”
انتصار قالت:
“والله ما سرقت حاجة!”
قلت:
“أنا ما قلتش سرقتي.”
حماتي قالت:
“أمال بتقولي إيه؟!”
قلت:
“بقول إن فيه حاجة أكبر من حتة لحمة.”
حماتي سكتت.
قلت:
“أنا مش عايزة أتهمها بحاجة من غير دليل. عشان كده مش هقول أكتر من كده.”
حماتي بصتلي وقالت:
“لأ. دلوقتي لازم نعرف.”
انتصار بدأت تعيط وتقول:
“أنا مظلومة! خديجة من أول يوم وهي مش طايقاني!”
قلت:
“لو كنت مش طيقاكي، كنت فضحتك من أول مرة شفتك فيها بتاكلي من الحلة.”
حماتي قالت:
“يعني إنتي كنتي عارفة وساكتة؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
قالت:
“ليه؟”
قلت:
“عشان العِشرة. وعشان جوزي أخو جوزها. وعشان أولادنا إخوات. كنت فاكرة إن الستر أحسن.”
سكتت حماتي.
وبعدين قالت جملة عمرها ما قالتها لي قبل كده:
“يمكن سكوتك كان أكبر من اللازم يا بنتي.”
الكلمة دي هزتني.
لأول مرة حسيت إن حماتي مش شايفاني مجرد مرات ابنها.
حسيت إنها شايفاني إنسانة.
لكن انتصار ما كانتش ناوية تستسلم.
قالت:
“طيب يا حماتي، لو أنا باكل من اللحمة، هي كمان كانت بتطلعها فوق! يعني إحنا الاتنين بنعمل نفس الحاجة.”
قلت:
“لأ يا انتصار.”
قالت:
“إيه اللي لأ؟”
قلت:
“أنا كنت باخد من الحاجة اللي انتي سبتيها. لكن إنتي كنتي بتاخدي من الحلة قبل ما الناس تاكل.”
حماتي ضربت كف بكف وقالت:
“يعني أنا طول الوقت بزعل منكم عشان اللحمة ناقصة وإنتي السبب؟”
انتصار سكتت.
قلت:
“مش بس كده.”
حماتي بصتلي.
قلت:
“هي كانت كل مرة تضحك وتقول إن الجن بيسرق اللحمة.”
حماتي افتكرت.
وبصت لانتصار وقالت:
“آه… كنتي بتقولي كده فعلًا.”
انتصار ما ردتش.
حماتي قامت وفتحت دولاب المطبخ.
طلعت منه طبق صغير.
وقالت:
“النهارده أنا مش هقسم اللحمة.”
بصينا لها.
قالت:
“النهارده كل واحدة هتقعد قدامي وتحكيلي من غير لف ولا دوران.”
وبعدين بصت لانتصار وقالت:
“وإنتي هتبدأي.”
انتصار انهارت في العياط.
لكن اللي قالته بعدها كان أخطر من موضوع اللحمة كله.
قالت بصوت مكسور:
“أنا كنت باخد اللحمة… بس مش عشان آكلها.”
سكتنا كلنا.
حماتي قالت:
“أمال عشان إيه؟”
انتصار رفعت عينيها وقالت:
“عشان كنت بطلعها لحد برا البيت.”
حماتي شهقت.
وأنا حسيت بقشعريرة في جسمي.
لأن السؤال اللي جه في دماغي فورًا كان:
مين الشخص اللي كانت بتطلع له أكل بيتنا؟
وليه؟
والأغرب…
إيه علاقة الشخص ده بالسر اللي كانت انتصار بتحاول تخبيه عن حماتي من شهور؟
انتصار كانت واقفة قدامنا وبتعيط، وحماتي بصالها كأنها لأول مرة تشوفها.
قالت حماتي بصوت متحشرج:
“لحد برا البيت؟ مين؟”
انتصار مسحت دموعها بطرف هدومها وقالت:
“واحد محتاج.”
حماتي اتعصبت:
“واحد محتاج إيه؟! إنتي بتطلعي أكل من بيتنا لحد غريب؟!”
انتصار هزت راسها بسرعة:
“مش غريب.”
سكتنا.
قلت:
“مين يا انتصار؟”
بصتلي وبعدين بصت لحماتي وقالت:
“أخويا.”
حماتي اتجمدت.
“أخوكي؟!”
انتصار هزت راسها.
“أيوه… أخويا.”
حماتي قعدت على الكرسي وهي مش مستوعبة.
“وأخوك ده فين؟”
انتصار بدأت تحكي وهي بتعيط:
“فاكرة لما كان بيشتغل في الورشة؟ من سنة حصلت له مشكلة وخسر شغله. وبعدها اتراكمت عليه ديون. مراته سابته وأخدت العيال عند أهلها. هو بقى عايش لوحده في أوضة صغيرة آخر الشارع.”
حماتي قالت:
“وليه ما قولتيليش؟”
انتصار بصت في الأرض.
“عشان عارفة إن الأكل عندنا على القد.”
قلت بهدوء:
“يعني كنتي بتاخدي اللحمة عشان أخوكي؟”
قالت:
“أيوه.”
حماتي قالت:
“طيب ليه كذبتي عليا؟”
انتصار سكتت.
قلت:
“وليه اتهمتيني أنا؟”
انتصار رفعت عينيها ناحيتي، والدموع في عينيها.
“عشان خفت.”
قلت:
“خفتي من إيه؟”
قالت:
“خفت لما حماتي تسألني اللحمة بتقل ليه، أقول لها إني باخدها لأخويا. كنت عارفة إنها هتزعل وهتقول إني بضيّع حق عيال البيت. ولما شفتك بتطلعي طبق لبنتك… استغليت الموضوع.”
حماتي قامت من مكانها.
“استغلتيها؟!”
انتصار بدأت تعيط أكتر.
“أنا غلطت.”
حماتي بصتلي.
“وإنتي كنتي عارفة؟”
قلت:
“لا. والله ما كنت أعرف إن اللي بتعمله عشان أخوها.”
حماتي فضلت ساكتة.
وبعدين سألت انتصار:
“طب ليه ما طلبتيش؟”
قالت:
“كنت مكسوفة.”
حماتي ردت:
“مكسوفة تطلبي من بيتك وتبقي مش مكسوفة تتهمي مرات أخو جوزك؟”
انتصار ما قدرتش ترد.
أنا قربت منها وقلت:
“إنتي غلطتي في حقي يا انتصار. بس لو كنتي قولتيلي من الأول إن أخوكي محتاج، كنت ساعدتك.”
بصتلي باستغراب.
قلت:
“أنا مش غنية، وإنتي عارفة ده. بس لو كل واحدة فينا حطت حتة من أكلها، محدش هينام جعان.”
حماتي بصتلي فترة طويلة.
وبعدين قالت:
“إنتي كنتي ساكتة عن كل ده ليه؟”
قلت:
“عشان اتعلمت إن الواحد ساعات لما يسكت عشان يحافظ على البيت، الناس تفتكر إنه ضعيف.”
حماتي قالت:
“وأنا كمان غلطت.”
بصيتلها باستغراب.
قالت:
“أنا طول الوقت كنت شاكة فيكم. كل ما اللحمة تقل أقول أنتم اللي بتاكلوا. ما فكرتش إن ممكن واحدة فيكم تكون محتاجة حاجة ومكسوفة تقول.”
وبعدين فتحت دولاب المطبخ وطلعت كيس رز وكيس مكرونة وكيس سكر.
وحطتهم قدام انتصار.
“خديهم لأخوكي.”
انتصار انهارت في العياط.
“حماتي…”
قالت لها:
“ما تعيطيش. وخليكي فاكرة إن الرزق لما يتقسم بالمعروف بيكفي، لكن الكذب هو اللي بيعمل مشاكل.”
أنا بصيت لحماتي وابتسمت.
لكن قبل ما نخلص كلامنا، حماتي قالت:
“استني.”
وبصت لانتصار.
“إنتي قولتي إن أخوكي لوحده.”
انتصار هزت راسها.
“أيوه.”
حماتي سألت:
“طيب مين الست اللي شفتها واقفة معاه قدام البيت يوم الجمعة؟”
انتصار وشها اتغير فجأة.
أنا بصيتلها.
“ست؟”
حماتي قالت:
“أيوه. واحدة كانت واقفة معاه ومعاها بنت صغيرة.”
انتصار بدأت تتوتر.
قلت:
“بنت صغيرة؟”
حماتي هزت راسها.
“أيوه. وكنت مستغربة جدًا، عشان البنت كانت شبه أخوكي بشكل واضح.”
انتصار سكتت.
حماتي قربت منها.
“انتصار… إنتي مخبية عني إيه تاني؟”
انتصار قعدت على الكرسي.
وحطت إيديها على وشها.
وقالت:
“البنت دي بنته.”
حماتي قالت:
“يعني مراته رجعت؟”
انتصار هزت راسها.
“لأ.”
سألتها:
“أمال مين أمها؟”
انتصار رفعت وشها، وقالت جملة خلتني أنا وحماتي نبص لبعض:
“أمها ماتت من تلات سنين.”
سكتنا.
قالت:
“البنت كانت عايشة مع جدتها من ناحية أمها. ولما جدتها دخلت المستشفى، أخويا اضطر ياخدها عنده.”
حماتي قالت:
“طب وإنتي ليه مخبية البنت؟”
انتصار قالت:
“عشان أخويا كان خايف حد يعرف إن البنت معاه. هو مش قادر يصرف عليها، وخايف أهل مراته ياخدوها منه.”
أنا حسيت إن الصورة بدأت تكمل.
قلت:
“يعني إنتي مش كنتي بتاخدي الأكل لأخوكي بس.”
انتصار بصتلي.
قلت:
“كنتِ بتاخديه للبنت كمان.”
هزت راسها.
“أيوه.”
حماتي تنهدت.
وبعدين قالت:
“طب ليه الكذب؟”
انتصار قالت:
“الخوف.”
حماتي ردت:
“الخوف ما يبررش ظلم حد.”
انتصار بصتلي.
“أنا آسفة يا خديجة.”
أنا سكت شوية.
وبعدين قلت:
“أنا زعلانة منك. مش عشان اللحمة. عشان إنك رميتي عليا تهمة كان ممكن تخلي حماتي تكرهني.”
قالت:
“عارفة.”
قلت:
“بس أنا مسامحاكي.”
دموعها نزلت.
“بجد؟”
قلت:
“أيوه. بس بشرط.”
قالت:
“إيه؟”
قلت:
“من النهارده مفيش كذب.”
حماتي قالت:
“ومفيش أكل يتاخد من غير ما نتفق.”
هزت راسها.
لكن في اللحظة دي، سمعنا صوت باب الشقة الخارجية بيتفتح.
وبعده صوت راجل بيقول:
“انتصار؟”
انتصار اتجمدت.
حماتي قالت:
“مين ده؟”
انتصار قامت بسرعة.
“ده أخويا.”
أنا بصيت لحماتي.
أخو انتصار دخل الصالة، وكان باين عليه التعب جدًا، ومعاه طفلة صغيرة ماسكة في إيده.
الطفلة كانت نحيفة، ووشها شاحب.
وأول ما شافت الأكل على السفرة، بصت بعيد كأنها متعودة ما تطلبش.
قلبي وجعني.
حماتي قامت وقالت:
“إنت أخو انتصار؟”
قال:
“أيوه يا طنط.”
قالت:
“ليه ما طلبتش مساعدة بدل ما أختك تاخد الأكل من غير ما تقول؟”
الراجل نزل عينيه.
“أنا كنت مكسوف.”
حماتي قالت:
“الكسوف في طلب الحلال مش عيب.”
وبعدين بصت للبنت.
“دي بنتك؟”
قال:
“أيوه.”
حماتي قربت منها وقالت:
“اسمك إيه يا حبيبتي؟”
قالت بصوت ضعيف:
“مريم.”
حماتي ابتسمت.
“تعالي يا مريم.”
البنت قربت منها بحذر.
حماتي حطت إيدها على راسها وقالت:
“من النهارده لو جعانة، تقولي. ما تخافيش.”
أنا بصيت لانتصار، ولأول مرة شفتها بتعيط من غير ما تحاول تخبي دموعها.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
لأن أخو انتصار قال فجأة:
“أنا جاي عشان أقول حاجة لخديجة.”
بصيتله باستغراب.
“ليا أنا؟”
قال:
“أيوه.”
حماتي قالت:
“خير؟”
قال:
“أنا سمعت أختي وهي بتتكلم عنك كتير.”
انتصار قالت بسرعة:
“خلاص يا محمود!”
لكنه كمل:
“وقالتلي إن خديجة كانت الوحيدة اللي عمرها ما فضحتها ولا قالت لحد إنها بتاخد الأكل.”
انتصار نزلت عينيها.
محمود قال:
“وعشان كده أنا لازم أقولك حاجة.”
سكت لحظة.
وبعدين مد إيده بظرف صغير ناحيتي.
“الظرف ده لقيته أختي عندي من يومين، وأنا ما فتحتوش. مكتوب عليه اسمك.”
مسكت الظرف وأنا مستغربة.
كان مكتوب عليه بخط إيد:
“إلى خديجة.”
بصيت لانتصار.
وشها كان مليان خوف.
قلت:
“إنتي عارفة الظرف ده؟”
ما ردتش.
فتحت الظرف.
طلعت ورقة مطوية.
وأول سطر فيها كان كفيل يغير كل حاجة:
“يا خديجة… لو الورقة دي وصلتلك، يبقى لازم تعرفي الحقيقة اللي حماتك مخبياها عنك من سنين.”
وقتها بصيت لحماتي.
ولقيت وشها اتغير تمامًا.
لأنها كانت عارفة بالضبط الورقة دي بتتكلم عن إيه.
فضلت ماسكة الورقة في إيدي ومش قادرة أفتح بقي.
بصيت لحماتي، وبعدين بصيت لانتصار، وبعدين رجعت بصيت للورقة.
قلت:
“إنتي عارفة اللي مكتوب هنا يا حماتي؟”
حماتي ما ردتش.
قربت منها خطوة.
“حماتي؟”
رفعت عينيها ليا، وكان باين عليها إنها بتحاول تتمالك نفسها.
قالت:
“افتحيها.”
استغربت.
“يعني إنتي عارفة؟”
قالت:
“أيوه.”
الجملة وقعت عليا زي الصاعقة.
فتحت الورقة ببطء.
كان الخط قديم شوية، وفي أولها مكتوب:
“يا خديجة، يمكن تستغربي إن الورقة دي وصلتلك بعد السنين دي كلها، بس أنا ما كانش عندي فرصة أقولك الحقيقة وقتها.”
وقفت عند الجملة دي.
مين اللي كاتبها؟
كملت القراءة:
“إنتي دخلتي بيتنا من كام سنة، وكل اللي شفتيه من حماتك كان الشدة والعصبية والحساب على كل لقمة. يمكن افتكرتي إنها مش بتحبك، ويمكن في أوقات كتير زعلتي منها. بس الحقيقة إن الست دي كانت بتحاول تحمي حقك وحق ولادها بطريقة ما عرفتش تشرحها.”
رفعت عيني لحماتي.
قالت:
“كملي.”
كملت.
“قبل ما تتجوزي ابنها، حصلت مشكلة كبيرة في البيت. أبوهم كان عليه دين كبير، وكان فيه شخص بيحاول ياخد البيت بحجة إن ليه فلوس عنده. حماتك باعت دهبها وكل اللي معاها عشان تسدد جزء من الدين وتحافظ على البيت.”
أنا شهقت.
حماتي بصت بعيد.
كملت القراءة:
“لكن اللي ما تعرفيهوش إن حماتك فضلت بعدها سنين بتوفر في الأكل وتقلل المصاريف، مش لأنها بخيلة زي ما ممكن الناس تفتكر، لكن لأنها كانت بتحوش مبلغ بسيط كل شهر.”
قلت:
“بتحوش ليه؟”
حماتي قالت:
“عشانكم.”
كملت القراءة.
“كانت بتحوش عشان يوم من الأيام كل واحد من ولادها يبقى له حاجة مضمونة. وكانت بتقول دايمًا إن البيت لو اتكسر، ولادها هما اللي هيتبهدلوا.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
أنا طول السنين دي كنت شايفاها ست بتشد علينا في الأكل.
ما كنتش أعرف إنها كانت بتحاول تحمي البيت.
كملت:
“وفي حاجة أهم. حماتك كانت عارفة إن في حد من العيلة بيحاول يضغط على جوزك في شغله، وكانت خايفة لو حصلت له مشكلة يضيع مستقبله. عشان كده كانت بتطلب منكم توفروا، وتقول إن القرش الأبيض…”
وقفت.
الكلمة كانت مكتوبة كاملة:
“لليوم الأسود.”
بصيت لحماتي.
“إنتي كنتي بتحوشي؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
قلت:
“طب ليه ما قولتيليش؟”
قالت:
“لأن الفلوس دي مش بتاعتي لوحدي.”
سألتها:
“بتاعة مين؟”
قالت:
“بتاعت البيت.”
سكتنا.
محمود أخو انتصار كان واقف بعيد، ومريم ماسكة إيده.
أما انتصار فكانت بتبص للأرض.
قلت:
“طيب مين كتب الورقة دي؟”
حماتي قالت:
“أم محمود.”
بصيت لمحمود.
“مراتك؟”
قال:
“كانت أختي.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“قبل ما تموت.”
حسيت إن نفسي اتخنق.
قلت:
“هي كانت تعرف حماتي؟”
قال:
“كانت تعرفها كويس. وكانت عارفة حاجات كتير عن البيت.”
حماتي قالت:
“هي كانت أقرب واحدة ليا.”
وبدأت تحكي.
“قبل ما تموت بفترة قصيرة، جاتلي وقالتلي إنها خايفة على بنتها وعلى أخوها. وقالتلي لو حصلها حاجة، خدي بالك من مريم.”
بصيت للبنت الصغيرة.
كانت واقفة ساكتة.
حماتي كملت:
“وأنا وعدتها.”
محمود قال:
“عشان كده أختي كانت بتاخد الأكل من البيت.”
حماتي بصت لانتصار.
“بس كان لازم تقوليلي.”
انتصار عيطت.
“كنت خايفة.”
حماتي قالت:
“الخوف خلاكي تظلمي خديجة.”
انتصار قربت مني وقالت:
“أنا آسفة.”
قلت:
“أنا قبلت اعتذارك.”
لكن كان عندي سؤال واحد.
“طب الورقة وصلتلي ليه دلوقتي؟”
محمود رد:
“لأن أختي كانت مخبياها في صندوق قديم. وأنا لقيتها من يومين.”
قلت:
“وكانت عايزة تقول إيه في آخرها؟”
فتحت الورقة وكملت القراءة.
“وفي النهاية، يا خديجة، عايزاكي تعرفي إن في حاجة تخصك شخصيًا.”
قلبي دق بسرعة.
“إنتي مش مجرد مرات ابني.”
رفعت عيني.
“في يوم حصل موقف، واتسببت فيه ظروف صعبة، وخليت حماتك تاخد قرار من غير ما تقولك.”
بصيت لحماتي.
“قرار إيه؟”
حماتي قالت:
“خديجة…”
قلت:
“لأ. دلوقتي لازم أعرف.”
سكتت.
كملت الورقة:
“من سنين، قبل ما تتجوزي، حصلت أزمة كبيرة في العيلة. أبو جوزك كان وقتها مدي مبلغ لشخص عشان يساعده يبدأ مشروع. الشخص ده اختفى، ومعاه الفلوس.”
محمود قال:
“ده كان عمي.”
حماتي هزت راسها.
“أيوه.”
قلت:
“طيب وإيه علاقة ده بيا؟”
حماتي قالت:
“لأن الفلوس دي كانت سبب إن جوزك يتجوزك.”
اتصدمت.
“إيه؟!”
قالت:
“مش معنى كده إن جوزك ما كانش بيحبك. لأ. هو اختارك بنفسه.”
ارتحت للحظة.
لكنها كملت:
“بس كان فيه شرط.”
قلت:
“شرط إيه؟”
حماتي بصت لمحمود.
محمود قال:
“الراجل اللي أخد الفلوس كان سايب ورقة.”
سألت:
“ورقة إيه؟”
قال:
“إن لو الفلوس ما رجعتش، البيت يدخل في نزاع قانوني.”
حماتي قالت:
“وأبوك وقتها كان تعبان.”
سكتت لحظة.
“فاضطريت أبيع قطعة الأرض اللي كانت باسم أبو جوزك.”
قلت:
“طب ليه الورقة مكتوب فيها إن الموضوع يخصني أنا؟”
حماتي قربت مني.
وقالت:
“لأن قطعة الأرض دي…”
سكتت.
“كانت باسمك.”
اتجمدت.
“باسمي أنا؟”
قالت:
“أيوه.”
ضحكت من شدة الصدمة.
“إزاي؟”
قالت:
“أبوك وأمك كانوا باعوا الأرض دي من سنين، لكن كان فيه جزء صغير منها متسجل باسم بنتهم الوحيدة.”
قلت:
“أنا؟”
قالت:
“أيوه.”
سكتنا.
أنا عمري ما كنت أعرف إن ليا أي أرض.
حماتي قالت:
“لما اتجوزتي، أبوكي كان محتاج يسدد دين. وأنا تدخلت وساعدته، واحتفظت بالورق عندي.”
قلت:
“يعني إيه احتفظتي؟”
قالت:
“يعني الأرض ما راحتش.”
فتحت عيني.
“إيه؟”
قالت:
“أنا سددت الدين من فلوس تانية. والأرض فضلت باسمك.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“طب ليه ما قولتيليش؟”
قالت:
“لأن جوزك وقتها كان داخل على شغل جديد، وأنا كنت خايفة لو عرف إن ليكي أرض أو فلوس يحصل خلافات في العيلة.”
قلت:
“بس أنا كنت مرات ابنك!”
قالت:
“وعشان كده حافظت عليها.”
محمود قال:
“أختي كانت عارفة.”
بصيت لانتصار.
“إنتي كنتي عارفة؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
قلت:
“وعشان كده كنتي بتتهميني؟”
قالت:
“لا.”
سكتت.
وبعدين قالت:
“أنا كنت خايفة.”
قلت:
“من إيه؟”
قالت:
“من حاجة أسوأ.”
حماتي اتوترت.
“انتصار، كفاية.”
لكن انتصار قالت:
“لا يا حماتي. خلاص. لازم تعرف.”
وبصتلي وقالت:
“أنا ما كنتش بخاف منك.”
سألتها:
“أمال من مين؟”
قالت:
“من عم جوزك.”
أنا اتجمدت.
حماتي قالت بسرعة:
“اسكتي!”
لكن انتصار كملت:
“هو رجع.”
سكتنا كلنا.
محمود قال:
“رجع؟”
انتصار هزت راسها.
“أيوه. من حوالي شهر.”
حماتي قعدت على الكرسي.
“أنا كنت عارفة إنه رجع.”
بصيتلها.
“وما قولتيليش؟”
قالت:
“كنت بحاول أحميكم.”
قلت:
“من إيه؟”
حماتي بصت في عيني وقالت:
“من الراجل اللي أخد فلوس أبو جوزك زمان.”
حسيت إن كل حاجة حواليا بتدور.
لأن الراجل ده، اللي افتكرنا إنه اختفى من سنين…
كان رجع.
وكان بيدور على الأرض اللي مكتوب إنها باسمي.
وفجأة سمعنا خبط شديد على باب البيت.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
محمود قرب من الباب.
حماتي صرخت:
“ما تفتحش!”
الخبط زاد.
وصوت راجل من ورا الباب قال:
“يا أم جوز خديجة… افتحي. أنا عارف إن الورق عندك.”
بصيت لحماتي.
وشها اتغير تمامًا.
لأن الصوت ده…
كان صوت عم جوزي.
والأخطر إنه كان عارف إن الورقة وصلتني.
فضلنا واقفين مكاننا كأن حد ثبتنا في الأرض.
الخبط على الباب كان بيزيد.
“افتحي يا أم حسن… أنا عارف إنكم جوه.”
حماتي قربت مني وهمست:
“ما تتكلميش.”
محمود حط إيده على مقبض الباب وقال:
“مينفعش نفضل ساكتين.”
حماتي مسكت إيده بسرعة.
“إنت مش فاهم. الراجل ده ما بيرجعش بعد السنين دي كلها عشان يسأل على حق قديم.”
بصيتلها وقلت:
“أمال عايز إيه؟”
ردت بصوت منخفض:
“عايز الأرض.”
الخبط وقف فجأة.
ثواني من الصمت.
وبعدين سمعنا صوته:
“أنا مش جاي أعمل مشكلة. أنا بس عايز حقي.”
محمود رد من جوه:
“حق إيه يا عمي؟”
ضحك الراجل من ورا الباب.
“أبوك كان عارف حقي.”
حماتي قالت:
“أبوك مات والموضوع انتهى.”
رد:
“الموضوع ما انتهيش. والورق لسه موجود.”
بصيت للورقة اللي في إيدي.
حماتي فهمت نظرتي وقالت:
“الورقة اللي معاكي دي مش الورقة اللي بيدور عليها.”
اتصدمت.
“أمال إيه؟”
قالت:
“دي رسالة.”
قلت:
“ورسالة بتتكلم عن الأرض.”
هزت راسها.
“أيوه. لكن أصل الملكية موجود في مكان تاني.”
الخبط رجع.
محمود قال:
“إحنا لازم نكلم جوزك.”
حماتي ردت:
“لسه في الشغل.”
قلت:
“كلميه.”
محمود طلع موبايله واتصل.
في نفس اللحظة، صوت المفتاح اتحرك في باب البيت.
حماتي شهقت:
“هو معاه مفتاح؟!”
محمود قرب من الباب.
“مين؟”
جاء صوت من الخارج:
“أنا حسن.”
كان جوزي.
فتحت حماتي بسرعة، ودخل جوزي وهو مستغرب.
“في إيه؟ مين اللي واقف بره؟”
بصيتله وقلت:
“عمك.”
اتغير وشه.
“عمي؟!”
هزيت راسي.
“أيوه.”
قال:
“إنتي عرفتي؟”
سألته:
“عرفت إيه؟”
سكت.
حماتي قالت:
“خلاص يا حسن. ما ينفعش نخبي أكتر من كده.”
بصيت لجوزي.
“إنت كنت عارف؟”
قال:
“كنت عارف إنه رجع.”
“وعارف موضوع الأرض؟”
سكت.
“حسن!”
قال:
“أيوه.”
حسيت إني اتخدعت.
مش عشان الأرض.
لكن عشان كل الناس كانت عارفة حاجة تخصني وأنا آخر واحدة تعرف.
قلت:
“إنت عارف إن الأرض باسمي من إمتى؟”
قال:
“من يوم ما اتجوزنا تقريبًا.”
“وسكت؟”
“أمي قالتلي إن ده الأفضل.”
بصيت لحماتي.
قالت:
“أنا كنت خايفة عليكي.”
قلت:
“من مين؟ من جوزي؟”
قالت بسرعة:
“لأ.”
قلت:
“أمال من مين؟”
جوزي رد:
“من عمي.”
في اللحظة دي سمعنا صوته من بره:
“حسن! افتح الباب.”
جوزي بص لأمه.
وبعدين قال:
“افتحي.”
حماتي قالت:
“إنت مجنون؟”
قال:
“لازم نتكلم.”
فتح الباب.
دخل راجل في أواخر الستينات، لابس جلابية نظيفة وملامحه هادية بشكل غريب.
بص لكل الموجودين.
وبعدين عينه وقعت عليا.
قال:
“دي خديجة؟”
قلت:
“أيوه.”
ابتسم.
“كبرتي.”
استغربت.
“إنت شوفتني قبل كده؟”
قال:
“مرة.”
حماتي قاطعته:
“خلاص يا عبدالسلام. قول جاي ليه.”
قال:
“جاي آخد حقي.”
جوزي قال:
“حقك اتسدد.”
ضحك عبدالسلام.
“مين قال؟”
حماتي قالت:
“أنا.”
قال:
“إنتي سددتي جزء.”
وبعدين بصلي.
“لكن باقي المبلغ مربوط بالأرض.”
أنا طلعت الورقة.
“الأرض دي باسمي.”
قال:
“بالضبط.”
قلت:
“يعني إنت عايز أرض مش بتاعتك؟”
رد بهدوء:
“أنا عايز حقي القانوني.”
جوزي قال:
“لو ليك حق هاته بالمستندات.”
ابتسم.
“مستنداتي موجودة.”
ثم أخرج ملفًا بنيًا من شنطته.
وحطه على الترابيزة.
حماتي اتوترت.
أنا قربت.
قال:
“بس قبل ما نفتحه، في حاجة لازم تعرفيها يا خديجة.”
سألته:
“إيه؟”
قال:
“أبوك ما باعش الأرض.”
اتجمدت.
“إيه؟”
حماتي بصت في الأرض.
جوزي قال:
“عمي…”
لكنه كمل:
“أبوك اتعرض عليه يبيعها، لكنه رفض.”
قلت:
“أمال الورق اللي عندكم بيقول إيه؟”
قال:
“إن الأرض اتنقلت.”
قلت:
“لمين؟”
سكت.
ثم قال:
“لاتنين.”
اتسعت عيني.
“لمين؟”
فتح الملف.
طلع عقد قديم.
وحطه قدامي.
شفت اسمي.
وشفت اسم تاني.
اسم ست.
قلت:
“مين دي؟”
عبدالسلام قال:
“أمك.”
قلبي وقف لحظة.
“أمي؟”
قال:
“أيوه.”
حماتي قربت من الورقة.
“مستحيل.”
عبدالسلام قال:
“مش مستحيل.”
أنا كنت مش فاهمة.
“يعني الأرض باسمي وباسم أمي؟”
هز راسه.
“كان المفروض تكون.”
قلت:
“كان المفروض؟”
قال:
“لكن في حاجة حصلت بعدها.”
سكت.
جوزي قال:
“عمي، قول الحقيقة كلها.”
عبدالسلام بصله وقال:
“أبوك كان عليه دين. ولما رفض يبيع الأرض، حد تاني تدخل.”
حماتي قالت:
“مين؟”
عبدالسلام رد:
“أخوه.”
سكتت.
“أبو حسن.”
جوزي بصله بصدمة.
“أبويا؟”
عبدالسلام هز راسه.
“أيوه.”
أنا حسيت إن الأرض بتتحرك من تحت رجلي.
“يعني أبو جوزي هو اللي نقل الملكية؟”
قال:
“حاول.”
حماتي قالت:
“حاول بس؟”
رد:
“أيوه. لأن والدك رفض.”
قلت:
“طب إزاي الورق ده موجود؟”
عبدالسلام قال:
“لأن والدك وقع على ورقة، لكن الورقة ما كانتش بيع نهائي.”
جوزي قال:
“يعني إيه؟”
قال:
“كانت تفويض.”
حماتي شهقت.
“تفويض لإيه؟”
عبدالسلام رد:
“لإدارة الأرض فقط.”
بصيت لجوزي.
“يعني الأرض لسه ملكي؟”
قال:
“لو الورقة صحيحة، أيوه.”
عبدالسلام ابتسم.
“لكن في نسخة تانية.”
حماتي قالت:
“نسخة إيه؟”
أخرج ورقة أخرى.
وحطها قدامي.
“دي الورقة اللي بتثبت إن أمك تنازلت.”
أنا بصيت للورقة.
الاسم موجود.
والتوقيع موجود.
لكن أول ما شفته…
حسيت بحاجة غلط.
قلت:
“ده مش توقيع أمي.”
الكل سكت.
عبدالسلام بصلي.
“متأكدة؟”
قلت:
“أمي كانت بتمضي اسمها كامل. هنا مكتوب حرفين بس.”
جوزي قرب من الورقة.
“فعلاً.”
حماتي قالت:
“يعني الورقة مزورة؟”
عبدالسلام قال:
“أنا ما قلتش كده.”
قلت:
“بس أنت عارف إنها مزورة.”
سكت.
وفي اللحظة دي، موبايل جوزي رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قال:
“أبويا.”
قلت:
“أبوك متوفي.”
رفع عينه ليا.
“عارف.”
وبعدين رد على المكالمة.
ما قالش حاجة.
بس سمعنا صوت راجل من الطرف التاني.
صوت ضعيف ومتقطع.
“حسن… ما تثقش في عبدالسلام.”
جوزي تجمد.
قلت:
“مين؟”
ما ردش.
الصوت كمل:
“الورق اللي معاه مش الأصل.”
حماتي قامت.
“يا ساتر.”
جوزي قال:
“مين معاك؟”
جاء الرد:
“أنا في المستشفى.”
ثم انقطع الخط.
جوزي فضل ماسك الموبايل ومش بيتكلم.
قلت:
“مين كان بيتكلم؟”
رفع عينه ليا.
“أبويا.”
حماتي حطت إيدها على صدرها.
“إنت بتقول إيه؟”
قال:
“أنا مش فاهم.”
عبدالسلام وقف فجأة.
“أنا همشي.”
جوزي مسكه من دراعه.
“استنى.”
عبدالسلام قال:
“سيبني يا حسن.”
جوزي شد إيده.
“لأ. مش بعد اللي سمعناه.”
أنا بصيت لعبدالسلام.
“إنت كنت عارف إن أبو جوزي عايش؟”
سكت.
حماتي صرخت:
“إنت عارف؟!”
عبدالسلام ما ردش.
فهمنا من سكوته.
حماتي قربت منه.
“إنت كنت عارف إن جوزي عايش؟”
قال أخيرًا:
“أيوه.”
جوزي وشه احمر.
“بقالك قد إيه عارف؟”
عبدالسلام قال:
“من تلات شهور.”
سكتنا.
جوزي قال:
“وليه مخبي؟”
عبدالسلام رد:
“لأنه هو اللي طلب مني.”
“طلب منك إيه؟”
“طلب مني أرجع آخد الأرض.”
سكت جوزي.
أنا بصيت لحماتي.
لكنها كانت بتبصلي بنظرة غريبة.
قلت:
“حماتي؟”
قالت:
“أنا لازم أقولك حاجة.”
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“أبو جوزك ما ماتش.”
حسيت إن الدنيا وقفت.
“إيه؟”
قالت:
“الراجل اللي دفناه من سنين…”
سكتت.
“مش هو.”
بصيت لجوزي.
وبعدين لعبدالسلام.
وبعدين للورقة اللي قدامي.
وفهمت إن قصة اللحمة اللي بدأت بخناقة بسيطة في المطبخ…
كانت مجرد أول باب في حكاية أكبر بكتير.
حكاية فيها أرض باسمي.
وورق مش مفهوم.
ورجل كلنا افتكرناه مات.
وسر اتدفن سنين…
وفجأة رجع يطالب بحقه.
فضلنا واقفين مكاننا كأن حد ثبتنا في الأرض.
الخبط على الباب كان بيزيد.
“افتحي يا أم حسن… أنا عارف إنكم جوه.”
حماتي قربت مني وهمست:
“ما تتكلميش.”
محمود حط إيده على مقبض الباب وقال:
“مينفعش نفضل ساكتين.”
حماتي مسكت إيده بسرعة.
“إنت مش فاهم. الراجل ده ما بيرجعش بعد السنين دي كلها عشان يسأل على حق قديم.”
بصيتلها وقلت:
“أمال عايز إيه؟”
ردت بصوت منخفض:
“عايز الأرض.”
الخبط وقف فجأة.
ثواني من الصمت.
وبعدين سمعنا صوته:
“أنا مش جاي أعمل مشكلة. أنا بس عايز حقي.”
محمود رد من جوه:
“حق إيه يا عمي؟”
ضحك الراجل من ورا الباب.
“أبوك كان عارف حقي.”
حماتي قالت:
“أبوك مات والموضوع انتهى.”
رد:
“الموضوع ما انتهيش. والورق لسه موجود.”
بصيت للورقة اللي في إيدي.
حماتي فهمت نظرتي وقالت:
“الورقة اللي معاكي دي مش الورقة اللي بيدور عليها.”
اتصدمت.
“أمال إيه؟”
قالت:
“دي رسالة.”
قلت:
“ورسالة بتتكلم عن الأرض.”
هزت راسها.
“أيوه. لكن أصل الملكية موجود في مكان تاني.”
الخبط رجع.
محمود قال:
“إحنا لازم نكلم جوزك.”
حماتي ردت:
“لسه في الشغل.”
قلت:
“كلميه.”
محمود طلع موبايله واتصل.
في نفس اللحظة، صوت المفتاح اتحرك في باب البيت.
حماتي شهقت:
“هو معاه مفتاح؟!”
محمود قرب من الباب.
“مين؟”
جاء صوت من الخارج:
“أنا حسن.”
كان جوزي.
فتحت حماتي بسرعة، ودخل جوزي وهو مستغرب.
“في إيه؟ مين اللي واقف بره؟”
بصيتله وقلت:
“عمك.”
اتغير وشه.
“عمي؟!”
هزيت راسي.
“أيوه.”
قال:
“إنتي عرفتي؟”
سألته:
“عرفت إيه؟”
سكت.
حماتي قالت:
“خلاص يا حسن. ما ينفعش نخبي أكتر من كده.”
بصيت لجوزي.
“إنت كنت عارف؟”
قال:
“كنت عارف إنه رجع.”
“وعارف موضوع الأرض؟”
سكت.
“حسن!”
قال:
“أيوه.”
حسيت إني اتخدعت.
مش عشان الأرض.
لكن عشان كل الناس كانت عارفة حاجة تخصني وأنا آخر واحدة تعرف.
قلت:
“إنت عارف إن الأرض باسمي من إمتى؟”
قال:
“من يوم ما اتجوزنا تقريبًا.”
“وسكت؟”
“أمي قالتلي إن ده الأفضل.”
بصيت لحماتي.
قالت:
“أنا كنت خايفة عليكي.”
قلت:
“من مين؟ من جوزي؟”
قالت بسرعة:
“لأ.”
قلت:
“أمال من مين؟”
جوزي رد:
“من عمي.”
في اللحظة دي سمعنا صوته من بره:
“حسن! افتح الباب.”
جوزي بص لأمه.
وبعدين قال:
“افتحي.”
حماتي قالت:
“إنت مجنون؟”
قال:
“لازم نتكلم.”
فتح الباب.
دخل راجل في أواخر الستينات، لابس جلابية نظيفة وملامحه هادية بشكل غريب.
بص لكل الموجودين.
وبعدين عينه وقعت عليا.
قال:
“دي خديجة؟”
قلت:
“أيوه.”
ابتسم.
“كبرتي.”
استغربت.
“إنت شوفتني قبل كده؟”
قال:
“مرة.”
حماتي قاطعته:
“خلاص يا عبدالسلام. قول جاي ليه.”
قال:
“جاي آخد حقي.”
جوزي قال:
“حقك اتسدد.”
ضحك عبدالسلام.
“مين قال؟”
حماتي قالت:
“أنا.”
قال:
“إنتي سددتي جزء.”
وبعدين بصلي.
“لكن باقي المبلغ مربوط بالأرض.”
أنا طلعت الورقة.
“الأرض دي باسمي.”
قال:
“بالضبط.”
قلت:
“يعني إنت عايز أرض مش بتاعتك؟”
رد بهدوء:
“أنا عايز حقي القانوني.”
جوزي قال:
“لو ليك حق هاته بالمستندات.”
ابتسم.
“مستنداتي موجودة.”
ثم أخرج ملفًا بنيًا من شنطته.
وحطه على الترابيزة.
حماتي اتوترت.
أنا قربت.
قال:
“بس قبل ما نفتحه، في حاجة لازم تعرفيها يا خديجة.”
سألته:
“إيه؟”
قال:
“أبوك ما باعش الأرض.”
اتجمدت.
“إيه؟”
حماتي بصت في الأرض.
جوزي قال:
“عمي…”
لكنه كمل:
“أبوك اتعرض عليه يبيعها، لكنه رفض.”
قلت:
“أمال الورق اللي عندكم بيقول إيه؟”
قال:
“إن الأرض اتنقلت.”
قلت:
“لمين؟”
سكت.
ثم قال:
“لاتنين.”
اتسعت عيني.
“لمين؟”
فتح الملف.
طلع عقد قديم.
وحطه قدامي.
شفت اسمي.
وشفت اسم تاني.
اسم ست.
قلت:
“مين دي؟”
عبدالسلام قال:
“أمك.”
قلبي وقف لحظة.
“أمي؟”
قال:
“أيوه.”
حماتي قربت من الورقة.
“مستحيل.”
عبدالسلام قال:
“مش مستحيل.”
أنا كنت مش فاهمة.
“يعني الأرض باسمي وباسم أمي؟”
هز راسه.
“كان المفروض تكون.”
قلت:
“كان المفروض؟”
قال:
“لكن في حاجة حصلت بعدها.”
سكت.
جوزي قال:
“عمي، قول الحقيقة كلها.”
عبدالسلام بصله وقال:
“أبوك كان عليه دين. ولما رفض يبيع الأرض، حد تاني تدخل.”
حماتي قالت:
“مين؟”
عبدالسلام رد:
“أخوه.”
سكتت.
“أبو حسن.”
جوزي بصله بصدمة.
“أبويا؟”
عبدالسلام هز راسه.
“أيوه.”
أنا حسيت إن الأرض بتتحرك من تحت رجلي.
“يعني أبو جوزي هو اللي نقل الملكية؟”
قال:
“حاول.”
حماتي قالت:
“حاول بس؟”
رد:
“أيوه. لأن والدك رفض.”
قلت:
“طب إزاي الورق ده موجود؟”
عبدالسلام قال:
“لأن والدك وقع على ورقة، لكن الورقة ما كانتش بيع نهائي.”
جوزي قال:
“يعني إيه؟”
قال:
“كانت تفويض.”
حماتي شهقت.
“تفويض لإيه؟”
عبدالسلام رد:
“لإدارة الأرض فقط.”
بصيت لجوزي.
“يعني الأرض لسه ملكي؟”
قال:
“لو الورقة صحيحة، أيوه.”
عبدالسلام ابتسم.
“لكن في نسخة تانية.”
حماتي قالت:
“نسخة إيه؟”
أخرج ورقة أخرى.
وحطها قدامي.
“دي الورقة اللي بتثبت إن أمك تنازلت.”
أنا بصيت للورقة.
الاسم موجود.
والتوقيع موجود.
لكن أول ما شفته…
حسيت بحاجة غلط.
قلت:
“ده مش توقيع أمي.”
الكل سكت.
عبدالسلام بصلي.
“متأكدة؟”
قلت:
“أمي كانت بتمضي اسمها كامل. هنا مكتوب حرفين بس.”
جوزي قرب من الورقة.
“فعلاً.”
حماتي قالت:
“يعني الورقة مزورة؟”
عبدالسلام قال:
“أنا ما قلتش كده.”
قلت:
“بس أنت عارف إنها مزورة.”
سكت.
وفي اللحظة دي، موبايل جوزي رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
قال:
“أبويا.”
قلت:
“أبوك متوفي.”
رفع عينه ليا.
“عارف.”
وبعدين رد على المكالمة.
ما قالش حاجة.
بس سمعنا صوت راجل من الطرف التاني.
صوت ضعيف ومتقطع.
“حسن… ما تثقش في عبدالسلام.”
جوزي تجمد.
قلت:
“مين؟”
ما ردش.
الصوت كمل:
“الورق اللي معاه مش الأصل.”
حماتي قامت.
“يا ساتر.”
جوزي قال:
“مين معاك؟”
جاء الرد:
“أنا في المستشفى.”
ثم انقطع الخط.
جوزي فضل ماسك الموبايل ومش بيتكلم.
قلت:
“مين كان بيتكلم؟”
رفع عينه ليا.
“أبويا.”
حماتي حطت إيدها على صدرها.
“إنت بتقول إيه؟”
قال:
“أنا مش فاهم.”
عبدالسلام وقف فجأة.
“أنا همشي.”
جوزي مسكه من دراعه.
“استنى.”
عبدالسلام قال:
“سيبني يا حسن.”
جوزي شد إيده.
“لأ. مش بعد اللي سمعناه.”
أنا بصيت لعبدالسلام.
“إنت كنت عارف إن أبو جوزي عايش؟”
سكت.
حماتي صرخت:
“إنت عارف؟!”
عبدالسلام ما ردش.
فهمنا من سكوته.
حماتي قربت منه.
“إنت كنت عارف إن جوزي عايش؟”
قال أخيرًا:
“أيوه.”
جوزي وشه احمر.
“بقالك قد إيه عارف؟”
عبدالسلام قال:
“من تلات شهور.”
سكتنا.
جوزي قال:
“وليه مخبي؟”
عبدالسلام رد:
“لأنه هو اللي طلب مني.”
“طلب منك إيه؟”
“طلب مني أرجع آخد الأرض.”
سكت جوزي.
أنا بصيت لحماتي.
لكنها كانت بتبصلي بنظرة غريبة.
قلت:
“حماتي؟”
قالت:
“أنا لازم أقولك حاجة.”
قلت:
“إيه؟”
قالت:
“أبو جوزك ما ماتش.”
حسيت إن الدنيا وقفت.
“إيه؟”
قالت:
“الراجل اللي دفناه من سنين…”
سكتت.
“مش هو.”
بصيت لجوزي.
وبعدين لعبدالسلام.
وبعدين للورقة اللي قدامي.
وفهمت إن قصة اللحمة اللي بدأت بخناقة بسيطة في المطبخ…
كانت مجرد أول باب في حكاية أكبر بكتير.
حكاية فيها أرض باسمي.
وورق مش مفهوم.
ورجل كلنا افتكرناه مات.
وسر اتدفن سنين…
وفجأة رجع يطالب بحقه.
وقفنا كلنا في الصالة، ولا حد فينا قادر ينطق.
الصوت اللي بره رجع تاني:
“يا حسن… أنا أبوك.”
حسن قرب من الباب، لكن عبدالسلام وقف قدامه.
قال حسن بعصبية:
“ابعد يا عمي.”
عبدالسلام هز راسه وقال:
“افتح يا حسن.”
حماتي صرخت:
“إنت اتجننت؟!”
قال عبدالسلام:
“لا. المرة دي لازم الحقيقة تطلع.”
فتح حسن الباب.
وكان واقف قدامنا راجل كبير، وشعره أبيض، ووشه عليه آثار تعب السنين.
حسن بص له.
الراجل بص له.
ثواني طويلة عدت كأنها عمر كامل.
وبعدين قال:
“كبرت يا ابني.”
حسن ما قدرش يتمالك نفسه.
جري عليه وحضنه.
وأول كلمة خرجت منه كانت:
“ليه؟”
والده عيط.
“غصب عني.”
حسن رد:
“غصب عنك تسيبني عشرين سنة؟”
قال:
“كنت فاكر إني لو اختفيت أحميكم.”
حسن أبعد عنه.
“حميت مين؟ أنا عشت عمري فاكر إن أبويا مات.”
حماتي كانت بتعيط.
وأنا واقفة ساكتة.
أما عبدالسلام فكان واقف بعيد.
والد حسن بص له وقال:
“وأنت لسه بتدور على الأرض؟”
عبدالسلام رد:
“أنا عايز حقي.”
والده قال:
“حقك خلص من زمان.”
عبدالسلام أخرج ورقة.
“الأرض اتسجلت باسمي.”
والد حسن ابتسم بحزن.
“بالورقة المزورة دي؟”
عبدالسلام اتوتر.
“إنت بتتهمني؟”
قال:
“مش باتهمك. أنا عارف.”
ثم التفت لي.
“يا خديجة، الأرض اللي باسمك كانت أمانة عند أبوكي.”
قلت:
“ليه عندي أنا؟”
قال:
“لأن أبوكي وأبوك كانوا متفقين إن الأرض تفضل بعيدة عن الخلافات.”
ثم أخرج ظرفًا قديمًا.
“وده الأصل.”
حسن أخد الورق.
قلبه.
ثم قال:
“الختم رسمي.”
عبدالسلام قرب.
“هات الورق.”
حسن رجع خطوة.
“لأ.”
في اللحظة دي، دخل محمود وهو ماسك موبايله.
وقال:
“أنا سجلت كل حاجة.”
عبدالسلام اتوتر.
محمود كمل:
“والأهم إن المحامي اللي اتصلت بيه أكد إن الورقة اللي معاك مش هتثبت ملكية.”
عبدالسلام سكت.
حماتي قالت:
“خلاص يا عبدالسلام.”
لكن عبدالسلام بصلي.
وقال:
“إنتي فاكرة إن الموضوع انتهى؟”
قلت:
“أيوه.”
قال:
“إنتي لسه ما عرفتيش كل حاجة.”
قبل ما يكمل، حسن وقف بيني وبينه.
“كفاية.”
عبدالسلام بص له، وبعدها خرج.
والباب اتقفل.
لأول مرة من سنين، حماتي قعدت على الكرسي وهي مرتاحة.
لكن أنا كان عندي سؤال واحد.
بصيت لوالد حسن وقلت:
“هو أنا ليه كنت دايمًا حاسة إن حماتي قاسية عليا؟”
ابتسم.
وقال:
“لأنها كانت خايفة عليكي.”
حماتي بصتلي.
“أنا عارفة إني غلطت. كنت بشد في الأكل، وأزعق، وأحسب كل حاجة. بس كنت شايلة هم البيت كله.”
قربت منها.
وقلت:
“وأنا كنت فاهمة غلط.”
قالت:
“وأنا كمان.”
وبعدين بصينا لبعض وضحكنا وسط الدموع.
أما انتصار فكانت واقفة جنب محمود ومريم.
قربت مني وقالت:
“خديجة… أنا عارفة إن اعتذاري مش كفاية.”
قلت:
“المهم إنك اتعلمتي.”
قالت:
“وعد.”
قلت:
“وعد إيه؟”
قالت:
“إن عمري ما هظلمك تاني.”
حماتي قالت:
“ولا هتاخدي حتة لحمة من الحلة.”
ضحكنا كلنا.
حتى محمود ضحك.
وقالت حماتي:
“وبعدين أنا قررت حاجة.”
بصينا لها.
قالت:
“من النهارده مفيش حد ياكل على النار.”
انتصار قالت:
“حاضر.”
حماتي بصتلها:
“وأي حد محتاج أكل يقول.”
وبصت لمريم.
“محدش في البيت ده هينام جعان.”
مريم ابتسمت.
وبعدها بأيام، موضوع الأرض اتقفل رسميًا، وظهر إن المستندات القديمة تثبت إن الملكية من حق خديجة ووالدتها، وإن الأوراق التي حاول عبدالسلام استخدامها لا تمنحه حقًا في الأرض.
عبدالسلام اضطر يواجه تبعات أفعاله، وانتهى النزاع.
أما والد حسن، فاختار يرجع يعيش مع أسرته.
كانت البداية صعبة.
حسن كان محتاج وقت عشان يسامحه.
لكن الأيام بدأت تصلح اللي السنين كسرته.
وأنا؟
أنا بقيت كل ما أدخل المطبخ يوم الخميس وأشوف حلة اللحمة على النار، أفتكر اليوم اللي بدأت فيه الحكاية كلها.
أفتكر انتصار وهي بتطلع الحتة الكبيرة وتقول:
“أما أدوقها.”
فأبص لها وأقول:
“دوقي براحتك… بس سيبي لنا نصيب.”
وتضحك وتقول:
“خلاص يا ست خديجة.”
وفي يوم، حماتي نفسها دخلت المطبخ.
طلعت حتة لحمة صغيرة من الحلة.
انتصار بصتلها وقالت:
“إيه يا حماتي؟!”
حماتي ضحكت وقالت:
“بدوق.”
ضحكنا كلنا.
وبعدها حطت الحتة في طبق صغير وقالت:
“بس المرة دي مش هخبي.”
وبصت لمريم.
“دي لمريم.”
مريم جريت عليها.
وأنا وقتها فهمت درس عمري.
إن البيوت مش بتبوظ بسبب قلة الأكل.
البيوت بتبوظ بسبب سوء الظن، والكذب، والكلمة اللي بتتقال في غياب صاحبها.
وإن الست اللي ممكن نفتكرها بخيلة، ممكن تكون في الحقيقة شايلة هم بيت كامل.
والست اللي ممكن نفتكرها مؤذية، ممكن تكون خايفة ومش عارفة تتصرف.
لكن ده كله ما يبررش الظلم.
لأن الحق حتى لو اتأخر…
بيرجع.
والستر لما يكون في مكانه بيحفظ البيوت، لكن السكوت عن الظلم ممكن يخليه يكبر.
وأنا أكتر حاجة اتعلمتها من اللي حصل إننا ما نحكمش على حد من موقف واحد.
اسأل.
اتكلم.
افهم.
ولو غلطت… اعتذر.
ولو حد ظلمك… دافع عن نفسك من غير ما تظلمه.
أما اللحمة؟
فبقت بتتقسم قدام الكل.
وحماتي بنفسها بقت تقول:
“خديجة، خدي لعيالك شوية زيادة.”
فأضحك وأقول:
“لا يا حماتي، كفاية نصيبي.”
فترد:
“خدي يا بنتي… الرزق لما يتحط في إيدين بتحب بعض، ربنا بيبارك فيه.”
وساعتها كنت أفتكر أول يوم دخلت فيه بيت العيلة وأنا خايفة.
وأقول لنفسي:
يمكن الإنسان أحيانًا يدخل بيتًا غريبًا، ويقضي سنين وهو فاكر إنه بيحارب أهله…
لحد ما يكتشف إن كل واحد كان بيحارب خوفه بطريقته.
والأجمل من كل الأسرار اللي اتكشفت…
إن البيت في الآخر فضل بيتًا.
والعيلة فضلت عيلة.
بس المرة دي…
من غير كذب.
ومن غير اتهامات.
ومن غير حتة لحمة تختفي من الحلة.
والحمد لله رب العالمين.




