
أخطر سجينة في السجن أمسكت العجوز من شعرها وغرست وجهها في العجين أمام الجميع لكنها قبل أن تضربها قالت جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقها! كان صوت ضحكات برثا يملأ مطبخ السجن. ضحكات عالية، قاسية، خالية من أي رحمة. وفي وسط المطبخ، كانت امرأة عجوز في التاسعة والستين من عمرها واقفة وهي تحاول التقاط أنفاسها، ووجهها مغطى بالدقيق والعجين.
كانت برثا تمسكها من شعرها الرمادي بيد واحدة.
وفي اليد الأخرى كانت ترفعها في الهواء، مستعدة لتصفعها أمام عشرات السجينات.
لم تتحرك واحدة منهن.
لا لأنهن لم يردن إنقاذ العجوز
بل لأن الجميع كان يعرف برثا.
برثا لم تكن مجرد سجينة عادية.
كانت المرأة التي حتى بعض الحارسات كنّ يتجنبن استفزازها.
ألحقت الأذى بمن حولها من قبل.
اعتدت على نساء داخل السجن.
دخلت في مشاجرات انتهت بإصابات خطيرة.
وكانت تمتلك قوة جسدية هائلة جعلت معظم السجينات يبتعدن عن طريقها بمجرد أن تقترب.
لكن العجوز
كانت مختلفة.
منذ ثلاثة أشهر وهي تعيش في هذا السجن، لم تدخل في شجار واحد.
لم ترفع صوتها على أحد.
لم تشتكِ من أحد.
كانت تقضي معظم يومها في المطبخ، تعجن الخبز وتجهز الطعام، ثم تعود إلى زنزانتها في هدوء.
لا أحد يعرف جريمتها.
وعندما كانت إحدى السجينات تسألها
إنتِ هنا ليه يا حاجة؟
كانت تبتسم ابتسامة حزينة وتقول
غلطت غلطة كبيرة ولازم أدفع تمنها.
ثم تصمت.
لكن في صباح ذلك اليوم
لم يكن هناك مجال للصمت.
لأن برثا قررت أن تنهي صبرها.
بدأ كل شيء قبل ثلاثة أشهر.
في أول يوم دخلت فيه العجوز إلى السجن، كانت تحمل حقيبة صغيرة جدًا.
ملابس بسيطة.
كتاب قديم.
وصورة صغيرة كانت تحتفظ بها داخل جيب معطفها.
لم تكن تعرف أحدًا.
ولم تحاول التعرف إلى أحد.
جلست في طرف الزنزانة، رتبت أغراضها، ثم بدأت تقرأ.
كانت هادئة بشكل غريب.
وهذا الهدوء بالذات هو الذي أزعج برثا.
في اليوم التالي، أخذت برثا قطعة الخبز من صحنها.
العجوز لم تعترض.
بعدها بأيام، دفعتها برثا في الممر.
العجوز أمسكت بالحائط حتى لا تقع، ثم أكملت طريقها وكأن شيئًا لم يحدث.
وفي إحدى المرات، سكبت برثا الطعام على الأرض أمامها وقالت بسخرية
يلا يا ست الكبيرة نضفي ورايا.
انحنت العجوز ونظفت المكان.
ضحكت برثا.
إنتِ مبتزعليش؟
رفعت العجوز عينيها إليها وقالت
الزعل مش هيغير حاجة.
يعني إيه؟
يعني لو الإنسان قدر يختار إمتى يغضب وإمتى يسكت، حياته بتبقى أهدى.
صفقت برثا بيديها بسخرية.
يا سلام! فيلسوفة السجن!
ومنذ تلك اللحظة أصبحت العجوز هدفها المفضل.
كانت برثا تبحث عن أي سبب لإذلالها.
لكنها لم تكن تعرف شيئًا واحدًا
أن العجوز لم تكن خائفة منها.
كانت فقط
تنتظر.
وفي صباح الحادثة، دخلت السجينات إلى المطبخ لإعداد الخبز.
كان المكان مزدحمًا.
أصوات الأوعية.
صوت العجانة.
رائحة الخبز الساخن.
والحارسات يراقبن من خلف الزجاج.
كانت العجوز واقفة أمام طاولة كبيرة، تعجن كمية ضخمة من العجين.
وكانت تعمل ببطء، لكنها بدقة.
اقتربت برثا.
نظرت إلى العجين.
ثم قالت
هاتيه.
رفعت العجوز رأسها.
إيه؟
العجين.
ده أنا لسه مخلصة نصه.
وأنا قلت هاتيه.
خدي اللي جنبك، ده جاهز.
تجمدت برثا لحظة.
ثم ابتسمت ابتسامة باردة.
إنتِ بتقوليلي أعمل إيه؟
ردت العجوز بهدوء
أنا بس بقول إننا لو لخبطنا العجين كله، هنضطر نبدأ من الأول.
في ثانية واحدة
أمسكت برثا الوعاء.
وضربته بكل قوتها على الطاولة.
تناثر العجين في كل مكان.
سكتت السجينات.
نظرت العجوز إلى الفوضى، ثم قالت دون قصد
يا رب كل الغضب ده جواكي ليه يا بنتي؟
كلمة واحدة فقط
يا بنتي.
لكنها كانت كافية لتفجير برثا.
اقتربت منها حتى أصبحت على بعد سنتيمترات من وجهها.
إنتِ قلتيلي إيه؟
لم تجب العجوز.
صرخت برثا
قولي!
أنا ماقصدتش حاجة.
لا إنتِ قصدتي.
ثم أمسكتها من شعرها.
صرخت إحدى السجينات
برثا! سيبيها!
لكن لم تقترب واحدة.
جذبت برثا رأس العجوز بعنف إلى أسفل
ثم غرست وجهها في العجين.
تجمد المكان.
شهقت السجينات.
حاولت العجوز رفع رأسها، لكن قبضة برثا كانت أقوى.
ثم سحبتها برثا فجأة إلى أعلى.
كان وجه العجوز مغطى بالعجين والدقيق.
ضحكت برثا.
ها؟ حلو؟
لم تجب.
يمكن أحطك في الفرن كمان؟
ثم أمسكت شعرها مرة أخرى.
رفعت يدها.
كانت ستضربها.
لكن قبل أن تنزل يدها
قالت العجوز بهدوء
اضربيني يا برثا.
توقفت يد برثا.
حدقت فيها.
ثم قالت
إيه؟
رفعت العجوز وجهها ببطء.
وكانت عيناها ثابتتين بشكل مخيف.
اضربيني.
سكتت برثا.
ثم همست
إنتِ اتهبلتي؟
قالت العجوز
بس المرة دي مش هقول للناس إني وقعت لوحدي.
اختفت ابتسامة برثا.
تمامًا.
كأن أحدهم أطفأها.
قالت
إنتِ بتقولي إيه؟
ردت العجوز
إنتِ عارفة أنا بتكلم عن إيه.
لأول مرة منذ سنوات
بدت برثا خائفة.
إنتِ
توقفت.
نظرت إلى وجه العجوز.
ثم قالت
مين إنتِ؟
اقتربت العجوز منها وقالت
من ستاشر سنة أنا كنت عارفاكي.
تغير لون وجه برثا.
مستحيل.
فاكرة دار الأيتام؟
لم تتحرك برثا.
فاكرة البنت الصغيرة اللي كنتِ بتضربيها؟
بدأت أصوات الهمس تنتشر بين السجينات.
لكن العجوز أكملت
فاكرة الشباك اللي كسرته؟
برثا تراجعت خطوة.
اسكتي.
وفاكرة البنت اللي دخلت المستشفى بسببك؟
قلتلك اسكتي!
وفاكرة الست اللي قالت للشرطة إن اللي حصل كان حادث؟
صمت.
ثم قالت برثا بصوت منخفض
إنتِ
هزت العجوز رأسها.
أيوه.
كانت برثا تنظر إليها وكأنها ترى شبحًا من الماضي.
إنتِ مريم؟
ابتسمت العجوز بحزن.
لسه فاكرة اسمي.
قبل ستة عشر عامًا
كانت برثا فتاة صغيرة تعيش داخل دار للأيتام.
لم تكن محبوبة.
كانت غاضبة طوال الوقت.
تتشاجر مع الأطفال.
تكسر الأشياء.
وترفض أن يقترب منها أحد.
وكانت مريم تعمل هناك.
لم تكن أمًا لها
لكنها كانت أقرب شخص إليها.
كانت تعطيها الطعام عندما ترفض الأكل.
تجلس بجانب سريرها عندما تمرض.
وتحتفظ لها بأكبر قطعة خبز كل يوم أحد.
لكن برثا كانت تخاف من شيء واحد
أن تحب أحدًا ثم يتركها.
لذلك كانت تدفع الجميع بعيدًا.
وفي أحد الأيام
دخلت في شجار عنيف مع طفلة أخرى.
تحول الشجار إلى كارثة.
زجاج مكسور.
صرخات.
دماء.
وطفلة نُقلت إلى المستشفى.
جاءت الشرطة.
وكانت برثا تعرف أنها قد تُسجن.
لكن مريم كذبت.
قالت إن الأمر كان حادثًا.
وأن برثا لم تقصد إيذاء أحد.
مر الأمر.
لكن مريم لم تنسَ.
وبرثا
كبرت.
وتحول غضبها إلى عنف.
حتى انتهى بها الأمر داخل السجن بالفعل.
في المطبخ، كانت برثا تحدق في مريم.
قالت
إنتِ عرفتي من أول يوم؟
أيوه.
طب ليه ماقولتيش؟
كنت مستنية أشوف إذا كنتِ اتغيرتي.
ضحكت برثا بمرارة.
واتغيرت؟




