
الراجل اللي واقف على الباب ابتسم وقال أحمد… إحنا كده جينا في وقت مش مناسب ولا إيه؟ أحمد اتحرك بسرعة وفتح الباب على الآخر. لا يا فندم، اتفضلوا… البيت بيتكم. دخل الراجلين. واحد فيهم كان الأستاذ فؤاد، مدير أحمد المباشر، والتاني كان الحاج كمال، صاحب الشركة بنفسه.
أول ما داليا شافت الحاج كمال، وشها اتغير أكتر.
قربت من أحمد وهمست
صاحب الشركة بنفسه جه؟ إنت ما قلتليش!
أحمد رد بصوت واطي
أنا نفسي ما كنتش أعرف إنه جاي.
أنا كنت واقفة عند باب المطبخ ومش فاهمة ليه كل التوتر ده.
يعني ضيوف جم فجأة.
نطلب أكل من أي مطعم وخلاص.
داليا دخلت المطبخ بسرعة، وأنا دخلت وراها.
قلت لها
ما تكبريش الموضوع. اطلبوا أكل جاهز.
لفت لي، وكانت هتتكلم، لكن أحمد دخل وقال
داليا، اعملي أي حاجة موجودة.
فتحت التلاجة.
كان فيها شوية خضار، وبيضتين، ونص طبق رز من امبارح.
داليا بصت له بصدمة.
أعمل إيه بده؟
أحمد قال
أي حاجة.
وبعدين خرج.
قلت لها
شوفتِ؟ أحمد نفسه مش عامل مشكلة.
بصت لي نظرة غريبة جدًا.
وقالت
حضرتك فعلًا مش فاهمة اللي حصل، صح؟
قلت بعصبية
هو إيه اللي حصل يعني؟ تلات صناديق لحمة ادوهم لأخوه المحتاج بدل ما ناس شبعانة تاكلهم في قعدة!
داليا قفلت التلاجة بهدوء.
اللحمة دي ما كانتش هدية لأحمد.
سكت.
قلت
يعني إيه؟
لكن قبل ما تجاوب، أحمد ناداها
من الصالة.
خرجت وسابتني.
فضلت واقفة مكاني.
مش هدية لأحمد؟
أمال إيه؟
بعد حوالي نص ساعة، السفرة اتحط عليها الموجود.
طبق خضار متشوح.
بيض.
ونص طبق رز سخنته داليا.
الأستاذ فؤاد حاول يتعامل عادي.
لكن الحاج كمال كان ساكت.
بص للسفرة.
وبعدين بص لأحمد.
فين الحاجة اللي بعتها لك الصبح؟
أحمد وشه احمر.
حصل ظرف يا حاج كمال.
ظرف إيه؟
أحمد سكت.
أنا حسيت إن ابني بيتحرج بسببي، فدخلت في الكلام.
أنا اللي أخدت اللحمة ووديتها لأخوه.
الصالة سكتت.
داليا غمضت عينيها.
أحمد بص لي بسرعة.
لكن أنا كملت
أخوه لسه بادئ مشروع ومراته لسه والدة، وبيتهم مفيهوش أكل. قلت بدل ما ناكل الكمية دي كلها في ليلة، ياخدها هو.
الحاج كمال فضل باصص لي كام ثانية.
وبعدين سأل أحمد
إنت قلت لوالدتك اللحمة دي كانت ليه؟
أحمد قال
قلت لها إن العشا ده مهم للمشروع.
الحاج كمال هز راسه.
قام من مكانه.
خلاص.
الأستاذ فؤاد قام وراه.
أحمد جري عليهم.
يا حاج كمال، والله الموضوع…
لكن الراجل رفع إيده.
نتكلم بكرة في الشركة.
وشال شنطته وخرج.
الأستاذ فؤاد قبل ما يمشي، قرب من أحمد وهمس له بحاجة.
أنا ما سمعتهاش.
لكن شفت وش ابني.
لأول مرة في حياتي أشوف أحمد بالشكل ده.
مش غضبان.
مش بيزعق.
كان مكسور.
بعد ما الباب اتقفل، داليا دخلت أوضة النوم.
وأحمد فضل واقف قدام الباب.
قلت
ما تزعلش نفسك. بكرة تشرح له.
ما ردش.
قلت
وبعدين مدير إيه اللي يزعل عشان لحمة؟ لو مشروعك واقف على عزومة يبقى…
لف ناحيتي.
نظرته خلتني أسكت.
لكنه برضه ما زعقش.
راح ناحية الكنبة وقعد.
حط وشه بين إيديه.
بعد دقيقة، داليا خرجت من الأوضة.
كانت عينيها مليانة دموع.
وفي إيدها ورقة.
حطتها قدامي.
اقري.
قلت
إيه دي؟
قالت
اقري يا ماما.
مسكت الورقة.
كانت فاتورة.
بصيت للسعر…
وحسيت إن الرقم مش داخل دماغي.
قلت
إيه ده؟
داليا قالت
تمن اللحمة.
اتخضيت.
كل ده؟!
لكنها هزت راسها.
والمشكلة مش في تمنها.
أحمد رفع راسه أخيرًا.
وقال
اللحمة كانت عينات.
عينات إيه؟
الشركة داخلة مناقصة توريد لسلسلة فنادق كبيرة. والحاج كمال كان جاي الليلة مع مدير المشتريات يتذوقوا العينات قبل الاجتماع النهائي.
بصيت له.
مدير المشتريات؟ الراجل التاني مش كان مديرك؟
قال
لا.
وسكت لحظة.
ده الشخص اللي توقيعه لوحده ممكن يدخل للشركة عقد بالملايين.
حسيت معدتي اتقبضت.
لكن قلت
طب ما تجيبوا غيرها.
ضحك أحمد.
ضحكة صغيرة مريرة.
نجيبها منين الساعة سبعة بالليل؟ دي شحنة مستوردة مخصوص، والكمية اللي وصلت كانت محدودة.
بدأت أحس إن الموضوع أكبر مما توقعت.
لكن كبريائي منعني أقول إني غلطت.
قلت
برضه أخوك كان محتاج.
داليا انفجرت
وإحنا مش محتاجين؟!
أحمد قال بسرعة
داليا.
لكنها ما سكتتش.
لأ يا أحمد! كفاية!
وبصت لي.
حضرتك عارفة إن أحمد بقاله 8 شهور بيشتغل على المشروع ده؟ عارفة إنه كان بيرجع الساعة اتنين بالليل؟ عارفة إنه رفض عرض شغل تاني عشان المشروع ده لو نجح كان هياخد ترقية؟
قلت
وأنا أعرف منين؟ محدش بيقولي حاجة.
ردت
لأن كل مرة بنتكلم فيها عن أحمد، حضرتك بتقلبِي الكلام على محمود!
الجملة خبطتني.
قلت
محمود أخوه.
أيوه أخوه، مش ابنه!
أحمد وقف.
داليا، كفاية.
لكنها دخلت الأوضة ورجعت وهي بتجر شنطة سفر.
شنطتي أنا.
حطتها قدامي.
أنا اتصدمت.
إيه ده؟
أحمد فتح محفظته.
طلع كارت بنك.
حطه على الترابيزة.
فيه عشرين ألف يوان.
بصيت له.
يعني إيه؟
قال بمنتهى الهدوء
يا أمي، روحي عيشي عند محمود.
حسيت إن الأرض اتحركت تحتي.
إنت بتطرد أمك؟
لا.
أمال ده اسمه إيه؟!
أحمد بص لي طويلًا.
وقال
حضرتك شايفة إن محمود هو اللي محتاجك، وإنه هو اللي بيحبك وبيقدرك أكتر. وأنا واضح إني مقصر معاكي.
قمت وأنا بترعش.
عشان شوية لحمة تعمل في أمك كده؟
أحمد سكت ثواني.
وبعدين قال
المشكلة عمرها ما كانت اللحمة.
أمال إيه؟
بص ناحية داليا.
وبعدين رجع بص لي.
3 سنين يا أمي.
بدأ يعد على صوابعه.
فلوس المدرسة اللي كنت محوشها للولاد وخدتي منها وسلفتي محمود من غير ما تقولي.
اتخضيت.
رجعهم!
بعد 7 شهور.
وكمل
دهب داليا القديم اللي ادتيه لمراته وقت ولادتها وقلتي هي مش بتلبسه.
بصيت لداليا.
قال
العربية اللي خليتيني أضمن قرضها لمحمود، ولما وقف سداد 4 شهور أنا اللي دفعت.
قلت
ده أخوك!
صوته علي لأول مرة
وأنا ابنك برضه!
سكت البيت كله.
أحمد نفسه كأنه اتفاجئ
إنه زعق.
وبعدين قال بصوت أوطى
ليه كل مرة لازم حقي أنا ومراتي وعيالي يبقى أقل… عشان محمود زعلان؟
ما عرفتش أرد.
أشار للكارت.
روحي عنده فترة.
أنا كنت غضبانة جدًا.
شلت شنطتي.
وخدت الكارت.
وقبل ما أخرج قلت
هتشوف يا أحمد. محمود عمره ما هيعاملني بالطريقة دي.
ما ردش.
داليا بدأت تعيط.
وأنا خرجت.
كنت متأكدة إنهم هيندموا.
بل كنت متأكدة إن محمود أول ما يعرف…
هيفرش لي الأرض ورد.
وصلت عنده الساعة عشرة تقريبًا.
خبطت.
فتح محمود الباب.
أول ما شاف الشنطة، ابتسامته اختفت.
يا أمي… إيه الشنطة دي؟
قلت بفخر
سيبت بيت أخوك.
سكت.
قلت
مش إنت قلت أول ما ربنا يفتحها عليك هاخدك تعيشي معايا؟
فضل باصص لي.
ومن وراه ظهرت هبة.
بصت للشنطة.
وبعدين بصت لمحمود.
وفي اللحظة دي…
سمعتها بتقول بصوت واطي جدًا
محمود… إحنا أصلًا مش عارفين هندفع إيجار الشهر الجاي.
ولأول مرة…
محمود ما عرفش يقول لي الكلمتين الحلوين اللي متعودة أسمعهم منه.
دخلت بيت محمود وأنا شايلة شنطتي.
في أول أسبوع، كنت بقول لنفسي
أهو ده البيت اللي فيه الحب الحقيقي.
محمود كل صباح يقول لي
صباح الخير يا ست الكل.
هبة تعمل لي الشاي.
وأنا كنت مبسوطة.
لكن بعد أسبوعين، الكلام الحلو بدأ يقل.
الشقة أصلًا صغيرة.
أوضتين وصالة.
أنا بنام في الصالة.
البيبي بيعيط طول الليل.
والبرد شديد.
أما اللحمة اللي جبتها؟
اختفت أسرع مما توقعت.
وفي يوم فتحت الفريزر أدور على كيس أطبخه، ملقتش غير كيس واحد.
سألت هبة
اللحمة فين؟
اتلخبطت.
محمود… محمود خد جزء.
خدها فين؟
سكتت.
استنيت لما رجع.
سألته.
قال بمنتهى البساطة
بعتها.
افتكرت إني سمعت غلط.
بعت إيه؟
اللحمة.
ليه؟!
المحل كان عليه قسط لازم يتدفع.
وقفت مصدومة.
أنا جبتها عشان إنتوا تاكلوا!
قال
ما هي نفعتنا يا أمي.
وأنا سرقتها من بيت أخوك عشان مراتك تاكل كويس بعد الولادة!
وشه اتغير.
سرقتيها؟
اتوترت.
قصدي… خدتها.
سكت لحظة.
ثم قال
المهم الفلوس حلت أزمة.
لأول مرة حسيت بطعم غريب في بقي.
لكن قلت لنفسي
معلش… مضطر.
بعد شهر، محمود دخل عليا الصالة.
يا ست الكل، الكارت اللي أحمد ادهولك لسه معاكي؟
مسكت شنطتي تلقائيًا.
ليه؟
ضحك.
يا أمي إنتِ فهمتيني غلط. أنا بس عندي بضاعة واقفة في الجمارك، ولو دفعت دلوقتي هبيعها وأرجعلك الفلوس خلال أسبوعين.


