روايات وقصص

السجينة والمرأة العجوز

هزت مريم رأسها.
كنت أتمنى.
خفضت برثا عينيها.
إنتِ ليه فضلتي ساكتة؟
قالت مريم
لأنك كنتِ بتتعبي الناس بس أنا كنت عارفة إن جواكي لسه البنت الصغيرة دي.
صرخت برثا
متقوليش كده!
ليه؟
لأني مش هي.
كلنا بنتغير يا برثا.
ثم نظرت إليها مريم طويلًا.
بس التغيير مش معناه إننا ننسى اللي عملناه.
سكتت برثا.
ثم سألت فجأة
وإنتِ هنا ليه؟
كانت هذه أول مرة تسألها فيها عن سبب سجنها.
مريم لم تجب فورًا.
نظرت إلى العجين على الطاولة.
ثم قالت
أنا كمان غلطت.
عملتي إيه؟
ابني.
سكتت.
ابني سرق فلوس مع أصحابه.
رفعت عينيها إلى برثا.
وعندما طلب مني أخبي جزء منها خبّيتها.
كنتِ عارفة إنها مسروقة؟
أيوه.
وليه عملتي كده؟
تنفست مريم ببطء.
لأني كنت أمه.
سكتت برثا.
كنت فاكرة إني بحميه.
ثم ابتسمت مريم بحزن.
طلعت بحمي غلطه.
حُكم على مريم بالسجن بسبب مساعدتها في إخفاء الأموال.
لكن ابنها
لم يزرها ولو مرة واحدة.
لم يسأل عنها.
لم يبعث لها حتى رسالة.
قالت برثا
يعني ضحيتي بنفسك عشانه؟
أنا اللي اخترت.
وهو سابك.
أيوه.
ثم أضافت
يمكن دي كانت أكبر غلطة في حياتي.

في تلك اللحظة دخلت رئيسة الحراسة إلى المطبخ.
كانت قد شاهدت ما حدث من خلف الزجاج.
صرخت
برثا! إيديكي ورا ضهرك حالًا!
لم تجادل برثا.
لم تصرخ.
لم تقاوم.
وضعت يديها خلف ظهرها.
ثم مشت مع الحارسة.
لكن قبل أن تخرج
توقفت.
التفتت إلى مريم.
قالت
فاكرة يوم الأحد؟
نظرت مريم إليها.
إيه يوم الأحد؟
لما كنتي بتجيبيلي العيش.
ابتسمت مريم.
فاكرة.
كنتِ بتسيبيلي أكبر واحدة.
ضحكت مريم بخفة.
كنتِ بتاكلي كتير.
ابتسمت برثا لأول مرة منذ سنوات.
لكن عينيها امتلأتا بالدموع.
ثم قالت
أنا كنت بستناكي.
تجمدت مريم.
كنتِ الوحيدة اللي بستناها.
ثم أدارت برثا وجهها بسرعة حتى لا تراها السجينات وهي تبكي.
وخرجت.

مرت الأيام.
عادت مريم إلى المطبخ.
لكن هذه المرة
كان المكان مختلفًا.
لم تعد السجينات ينظرن إليها باعتبارها العجوز الضعيفة.
أصبحن يعرفن أن وراء صمتها قصة.
وفي صباح أحد الأيام
وجدت مريم شيئًا فوق طاولتها.
كيسًا صغيرًا.
فتحته.
وجدت داخله قطعة خبز ساخنة.
وتحتها ورقة مطوية.
فتحتها.
وكان مكتوبًا
سامحيني.
توقفت مريم عن التنفس للحظة.
ثم أكملت القراءة
أنا عرفتك من أول يوم.
عرفت صوتك.
عرفت طريقتك وإنتِ بتتكلمي.
وعرفت إنك نفس الست اللي كانت بتخبّيلي أكبر قطعة عيش كل يوم أحد.
كانت الدموع تنزل من عيني مريم.
وأكملت
أنا كنت بكرهك مش عشان عملتيلي حاجة.
كنت بكرهك عشان كنتِ الشخص الوحيد اللي عاملني كويس.
وأنا كنت عارفة إني بقيت وحشة.
ومكنتش عايزة أشوف ده في عينيكي.
عشان كده كنت بعذبك.
كنت بحاول أخليكي تكرهيني قبل ما تكتشفي إني بقيت إنسانة مختلفة عن البنت اللي عرفتيها.
توقفت مريم عند آخر سطر.
أنا آسفة.
ظلت تحدق في الورقة طويلًا.
ثم طوتها بعناية.
وضعتها في جيب مريولها.
وفي ذلك اليوم
فعلت شيئًا لم تفعله طوال ثلاثة أشهر.
ذهبت إلى الحارسة وقالت
ممكن أزور سجينة؟
رفعت الحارسة حاجبها.
مين؟
قالت مريم
برثا.

دخلت مريم غرفة الزيارة.
كانت برثا تجلس وحدها.
عندما رأت العجوز، لم تتكلم.
جلست مريم أمامها.
ساد الصمت.
ثوانٍ طويلة.
ثم قالت برثا
إنتِ ليه جيتي؟
ردت مريم
عشان أقولك حاجة.
إيه؟
ابتسمت مريم.
لسه عندي قطعة عيش كبيرة ليكي.
نظرت برثا إليها.
ثم انفجرت في البكاء.
ولأول مرة
لم تحاول إخفاء دموعها.
مدت مريم يدها عبر الطاولة.
وبعد تردد طويل
وضعت برثا يدها فوق يدها.
وقالت مريم
أنا سامحتك.
رفعت برثا عينيها.
بجد؟
آه.
بعد كل اللي عملته؟
المسامحة مش معناها إن اللي حصل كان عادي.
سكتت.
ثم قالت
المسامحة معناها إني مش هفضل شايلة الكراهية جوايا.
نظرت برثا إلى يدها.
وضغطت عليها.
وأنا؟
إنتِ لازم تسامحي نفسك.
ضحكت برثا وسط دموعها.
دي أصعب حاجة.
ردت مريم
عشان كده تبدأي من هنا.
وأشارت إلى قلبها.

لم تتغير حياة برثا في يوم واحد.
ولم تتحول فجأة إلى إنسانة مثالية.
لكن بعد ذلك اليوم
لم تعد تدخل في المشاجرات.
بدأت تعمل في المطبخ.
كانت تقف بعيدًا عن مريم في البداية.
ثم بدأت تساعدها.
وفي أحد الأيام، دخلت برثا المطبخ مبكرًا.
وجدت العجين أمامها.
نظرت إليه.
ثم أخذت قطعة صغيرة.
بدأت تعجنها.
دخلت مريم.
توقفت عندما رأتها.
قالت برثا
أنا عملتلك واحدة.
إيه؟
أشارت إلى قطعة خبز صغيرة.
أكبر واحدة.
ابتسمت مريم.
وقالت
لسه فاكرة.
ردت برثا
أنا عمري ما نسيت.
ثم أضافت بصوت منخفض
بس كنت محتاجة حد يفكرني إني مش لازم أفضل نفس البنت.
نظرت إليها مريم.
وقالت
ولا أنا.
وفي ذلك الصباح
خرجت أول دفعة خبز من الفرن.
كانت رائحتها تملأ المطبخ.
وللمرة الأولى منذ سنوات
لم تكن رائحة الخبز تذكر برثا بالغضب.
بل ذكرتها بامرأة عجوز
أنقذت فتاة صغيرة بكذبة.
ثم، بعد ستة عشر عامًا
أنقذت المرأة نفسها من أن تصبح أسيرة للكراهية.
لأن أحيانًا
أخطر سجن مش هو السجن اللي ورا القضبان.
أخطر سجن هو الغضب اللي الإنسان بيحبسه جواه.
وبرثا
كانت محبوسة فيه من سنين.
لكن في ذلك اليوم
لأول مرة
بدأ باب السجن الحقيقي والداخلي يُفتح.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button