
«آدم؟» سلمى قالتها وهي مش مصدقة. «إنت بتعمل إيه في المكان ده؟»
آدم قلع المريلة بهدوء، ومشي ناحية جدته ورما الملف على الترابيزة قدامهم.
«ده ملف التزوير والنصب اللي كان بيتم على مطبخ أمينة برعاية حسام الدمنهوري وبأوامر من سلمى،» آدم قالها بصوت قاطع هز القاعة. «كل الفواتير المزورة والأرباح غير المشروعة اللي أخدوها لحسابهم مثبتة بالدفاتر هنا.»
سلمى اتلجلجت: «ده.. ده كلام فارغ! دي ادعاءات باشا..»
نوال المنشاوي ضربت عصايتها على الأرض بقوة، وصوتها طلع زي الرعد:
«اسكتي يا سلمى!»
نوال بصت لحسام وقالت للحراس: «الراجل ده يتسلم للبوليس فوراً بالدفاتر دي. وسلمى.. من بكرة الصبح، مالكيش أي صفة تنفيذية في المجموعة، وترجعي تدربي من أول وجديد في أصغر فرع للمؤسسة عشان تتعلمي يعني إيه أدب ويعني إيه شغل.»
سلمى كانت هتتكلم بس الحراس أخدوا حسام وطلعت وراهم وهي بتعيط من الغضب والصدمة.
القاعة فضيت مفيش فيها غير نوال، وآدم، وأنا.
نوال بصتلي وابتسمت ابتسامة دافية لأول مرة.
«المليون وسبعمية ألف متجمعين يا مريم؟»
طلعت الشيكات وإيصالات السداد وحطيتها قدامها:
«كل الديون اتسددت يا مدام نوال.. بعرقنا وبشغلنا، ومن غير شيك بـ ٢ مليون جنيه.»
نوال رفعت عينها لآدم، وبعدين بصتلي:
«والاختيار؟ دلوقتي الشهر خلص.. وآدم أثبت إنه راجل يقدر يشيل المسئولية، وإنتِ أثبتِ إنك ست بمليون راجل.»
بصيت لآدم.
النظرة اللي كانت بيننا ما بقتش نظرة اثنين أعداء في اختار سخيف. الشهر اللي فات علمنا عن بعض أكتر من اللي أي جواز تقليدي ممكن يعلمه. أنا شفت فيه الراجل الجدع اللي بيقف في الضيقة وما بيهربش، وهو شاف فيا الست اللي بتصون كرامتها وما بتركعش لأي حد.
ابتسمت وقالت:
«المرة دي يا مدام نوال.. مفيش شروط، ومفيش سيناريو مكتوب. لو آدم عايز يطلب إيدي، ييجي يطلبها هنا في مطبخ أمينة، قدام الترابيزة رقم ستة.. زي أي راجل مصري أصيل بيجي لبيت الأصول.»
آدم ضحك من قلبه، وبص لجدته وقال:
«وأنا بطلب إيد مريم يا جدتي.. بس بشرط واحد.»
بصيتله باستغراب: «شرط إيه؟»
آدم غمزلي وقال:
«إن صينية البطاطس بالفراخ بتاعة يوم الخميس تفضل تنزل في المنيو كل أسبوع.. عشان دي اللي خلتني أعرف طعم الحياة الحقيقي.»
ضحكت نوال المنشاوي من قلبها، وصوت ضحكتها ملأ أركان المطعم، وقالت وهي بتبص لآدم وليّا برضا حقيقي:
«صينية البطاطس بالدجاج مضمونة يا آدم… بس كرامة مريم وأصولها هي اللي ملهاش تمن، ودي أهم حاجة طلعت بيها من الدوشة دي كلها.»
مشت الأيام بعد اليوم ده بسرعة. سلمى اتجردت من كل صلاحياتها التنفيذية في الفندق وشركات المقاولات، وحسام الدمنهوري اتحول للنيابة بتهمة النصب والتزوير والإضرار العمدي بمصالح المحل.
أما “مطبخ أمينة”.. فبقى حديث المعادي كلها. الخبر انتشر عن المطعم الصغير اللي وقف في وش ديونه وطور نفسه بشقاه بعيدًا عن أي قروض أو استثمار مشبوه، وبقت ترابيزة رقم ستة — اللي كانت بتنقط مية في يوم من الأيام — أكتر ترابيزة في القاعة بيتحجز عليها أوردرات بالأسابيع.
بعد شهرين، جه آدم المطعم في يوم هادي بعد ما قفلنا الشيفت. ما جابش معاه حراس ولا عربيات سوداء فخمة، ولا حتى جاب جدته.
دخل وهو لابس قميص بسيط، وفي إيده علبة صغيرة قطيفة كحلي.
قعد على ترابيزة رقم ستة، وبصلي بابتسامة دافية وقدم العلبة:
«المرة دي يا مريم… مفيش سيناريوهات، ومفيش امتحانات، ومفيش نوال المنشاوي بتقيم حد. المرة دي آدم عبدالسلام المنشاوي جاي لـ مريم عبدالسلام، بيطلب إيدها قدام روح أمها اللي بنت المكان ده، وعايز يبدأ معاها حياة مبنية على الأصول والجدعنة.»




