
مسكت المريلة وقذفتها ناحيته، خبطت في صدره.
«هنا مفيش ألقاب ولا مدراء تنفيذيين يا أستاذ. هنا في سقف ينقط، وفيه ١٢ بيت مفتوحين من المحل ده، وفيه أوردرات غداء لازم تطلع الساعة واحدة الضهر. لو عايز تثبت لجدتك إنك مش مجرد اسم على يافطة، اتفضل ورّينا شطارتك.»
نوال المنشاوي ابتسمت ابتسامة كبرياء هادية، ولفت ظهرها ومشت ناحية العربية السوداء وهي بتقول للسائق: «أشوفكم كمان شهر.. أو لما السقف يقع على دماغكم.»
الأيام الأولى كانت عبارة عن حرب شوارع جوة المطبخ.
آدم كان فاكر إن إدارة المطعم زي إدارة شركة المقاولات: بضعة أوامر، دراسة جدوى، وجداول إكسيل. بس اكتشف إن الواقع غير كده تماماً؛ الموردين بيحاولوا يغلو الأسعار، أنبوبة البوتاجاز بتخلص في نص الضغط، والعملاء محتاجين أكل بياكلوا منه صوابعهم وبسعر يناسب جيبهم.
في اليوم التالت، جه المحل راجل من طرف “سلمى المنشاوي”.
كان حسام الدمنهوري، مدير الحفلات اللي كان واقف في الفندق. دخل المحل بصسّة تكبّر، وبص لآدم وهو شايفه شائل صندوق طماطم تقيل وعرقان.
«أستاذ آدم؟» حسام قالها بصدمة ومش مصدق عينيه. «حضرتك بتعمل إيه هنا؟ الأستاذة سلمى قلقت لما عرفت إن حضرتك مابتجيش الشريكة من بعد الظهر..»
آدم حط صندوق الطماطم على الأرض بصوت عالي، ومسح عرقه بظهر إيده، وبص لحسام بنظرة مرعبة خلت حسام يرجع خطوة لوراء.
«رجع لسلمى وقولها إن آدم المنشاوي بيتعلم إزاي الشغل الحقيقي بيتعمل. وقولها كمان.. إن حسابها على اللي عملته في الفندق لسه مفتوح.»
حسام مشي وهو بيترعش، والعمال في المطعم بدأوا يغيروا نظرتهم لآدم. ما بقاش بالنسبة ليهم “ابن الذوات” اللي نازل يتسلى، بقى واحد بيقف معهم في الحر، وبيساعد عم حسين الشيف الكبير في تقشير البصل وتجهيز الصواني.
بعد أسبوعين، آدم اكتشف حاجة مهمة جدًا في أوراق المطعم.
كان قاعد معايا في المكتب الصغير بعد ما قفلنا المحل الساعة ١٢ بالليل. كان لابس قميص بسيط، وشعره متنعكش، وقاعد قدام لابتوب بيراجع الديون.
«مريم..» آدم قالها وهو بيشاور على الشاشة. «الديون دي مش طبيعية.»
بصيتله باستغراب: «يعني إيه؟ دي فواتير الموردين وإيجار المحل المتراكم من وقت مرض أمي.»
«لأ، بصي هنا،» آدم شاور بصباعه على اسم الشركة الموردة للحوم والمواد الغذائية. «الشركة دي بتوردلكم بأسعار أعلى بـ ٤٠٪ من سعر السوق، والعقد ده متوقع من سنة.. مين اللي جاب المورد ده لأمك؟»
فكرت شوية وقدمت حواحبي: «المحاسب القديم.. كان قرايب حسام الدمنهوري، مدير حفلات الفندق!»
آدم ابتسم ابتسامة حادة، فيها دهاء رجال الأعمال: «سلمى ما كانتش بتضايق منك في الحفلة صدفة يا مريم. سلمى كانت بتحاول تخنق “مطبخ أمينة” من سنة عشان تشتري الأرض بتاعته بمليمين وتضمها للمشروع العقاري الجديد بتاعها في المعادي.. أمك الله يرحمها كانت رافضة تبيع، عشان كده حسام والمورد كانوا بيكبّروا الديون عليكم عشان تفلسوا!»
الدم غلى في عروقي. الحقيقة كانت أشبك وأبشع من مجرد ديون متراكمة. المطعم اللي أمي ضحت بعمرها عشان تبنيه، كان بيتسرق بمنهجية.
«دلوقتي اللعبة اتغيرت،» آدم قال وهو بيقرب كرسيّه مني وبيحط إيده على الترابيزة. «إحنا مش بس هنسدد الدين.. إحنا هنكشفهم قدام نوال المنشاوي والبورصة كلها.»
الأسابيع عدت بسرعة.
آدم استغل خبرته في التفاوض، وعاد تنظيم العقود مع موردين جدد بأموال أقل. وأنا طورت المنيو ودخلنا خدمة “وجبات الموظفين” للشركات والمصانع القريبة، وبدأنا نطلع أكتر من ٣٠٠ وجبة يومياً.
العمال كانوا بيشتغلوا بقلب، وآدم كان بيقف يغلف الوجبات بإيديه مع الباقيين.
في اليوم الثامن والعشرين من الشهر..
المطعم كان مليان على آخره. السقف اتصلح بالكامل من فلوس شغلنا، والأرضية بقت بتلمع، والمبيعات غطت كل المصاريف التشغيلية، وقدرنا نجمع مليون وثمانمائة ألف جنيه كافي لسداد كل الديون المتبقية وفاضل جزء للتطوير.
وفجأة.. الباب اتفتح.
دخلت نوال المنشاوي، ومعاها سلمى المنشاوي اللي كان وشها أصفر زي الليمونة، وحسام الدمنهوري اللي كان باين عليه الخوف.
نوال بصت للمكان.. الرائحة كانت أكل مصري أصيل يفتح النفس، الناس مبسوطة، والعمال شغالين بهمة، وآدم واقف جنب مريم لابس مريلة المطعم وابتسامة ثقة على وشه.



