
نوال ضحكت ضحكة قصيرة:
«بالظبط. وعشان كده، أنا هنا بعرض عليكِ العرض ده: شيك بـ 2 مليون جنيه، يسدد كل ديون مطبخ أمينة، ويصلح السقف، ويوفر سيولة لتوسيع المحل… وفي المقابل، تفتحي صفحة جديدة وتوافقي تقابلي آدم، وتدّي فرصة للجواز ده.»
القاعة في المطعم سكتت تمامًا. العمال كانوا سامعين ومذهولين.
بصيت للشيك المكتوب المرمي على الترابيزة.
وبعدين بصيت لنوال المنشاوي.
قلت بوضوح وصوت ثابت ما فيهوش ردة فعل واحدة من الطمع أو الاندهاش:
«أنا أمي علمتني أطبخ للناس الجعانين يا مدام نوال… وما علمتنيش أكون بضاعة في سوق اختباراتك.»
نوال حواجبها اترفعوا باستغراب.
كملت كلامي:
«أنا سديت عن الست الجعانة امبارح عشان دي إنسانيتي، مش عشان أعدي اختبار اختيار عروسة لحفيدك. الفلوس دي حضرتك تقدري تاخديها وتعملي بيها حفل خيري تاني، يمكن تلاقي فيه حد يوافق يتباع. لكن مطبخ أمينة هيتسدد دينه بعرقنا… وحفيدك لو عايز يتجوز، يروح يدور على واحدة تقبل تكون جزء من سيناريو مكتوب جاهز.»
الراجلين الحراس تحركوا حركة خفيفة من الصدمة، ونوال فضلت بتبصلي فترة طويلة. المكان كله كان مشدود زي الوتر.
وفجأة…
صوت قاطَع الهدوء ده من عند باب المحل.
صوت رجالي هادي، لكن فيه نبرة سخرية حادة:
«قلتلك يا جدتي… البنت اللي ترفض تركع لسلمى، مش هتركع لفلوسك كمان.»
لتلتفت العيون كلها ناحية الباب.
كان واقف راجل في الثلاثينات من عمره، طويل، لابس بدلة رمادية متفصلة بعناية، ملامحه حادة وعينيه فيها نظرة تقييم دقيقة وصارمة.
كان آدم المنشاوي.
آدم دخل المحل ببطء، خطواته هادية فوق الأرضية الخشبية القديمة. وقف جنب ترابيزة جدته، وبص للشيك، وبعدين رفع عينيه وبصلي مباشرة.
وقال:
«مساء الخير يا مريم… أنا آدم. والظاهر إننا إحنا الاتنين كبش فداء في مخططات الجدة نوال.»
بصيتله برود:
«أهلاً بيك. ويا ريت تاخد جدتك والشيك بتاعها وتتفضلوا، لأن عندنا شغل ولازم نفتح المحل.»
نوال وقفت، وسندت على عصايتها، وابتسمت ابتسامة ما قدرتش تخفيها:
«أنا مش زعلانة من رفضك يا مريم… بالعكس. أنا دلوقتي تأكدت إن الاختيار كان صح. الفلوس دي مش رشوة، الفلوس دي كانت عرض استثمار في المطعم… بس بما إنك رفضتي، فأنتم الاتنين قدامكم شهر واحد.»
آدم بص لجدته بحدة:
«شهر لإيه يا نوال هانم؟»
نوال بصت لآدم وبعدين بصتلي:
«شهر واحد… آدم هييجي يشتغل هنا في المطعم ده، كل يوم بعد ساعات شغله في الشركة، هيساعد مريم في إدارة الأزمة الماليّة وتجهيز طلبيات الفنادق. لو قدرتوا تشتغلوا مع بعض وتنقذوا المكان بعرقكم ومن غير شيكات مني… هسيبكم تختاروا قراركم بنفسكم. ولو المطعم افلس… الشيك هينزل في الحساب بس بشرط إن مريم تشتغل مديرة لقطاع الأغذية في مجموعتنا.»
بصيت لنوال بغضب:
«مين قال إننا هنوافق على اللعبة دي؟»
آدم ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها تحدي، وقال وهو بيقلع جاكيت بدلتو الفخمة ويرميه على الترابيزة:
«أنا موافق. عشان أثبت لجدتي إن الملايين مش هي اللي بتشغل الشغل… وأثبتلك يا مريم إن مش كل عيلة المنشاوي شبه سلمى.»
بصيت لآدم، وبصيت لنوال.
المعركة ما كانتش معركة ديون بس… دي كانت معركة كرامة.
قلت وأنا بلف المريلة حوالين وسطي:
«أول شيفت ليك يبدأ دلوقتي يا أستاذ آدم… ترابيزة رقم ستة بتنقط مية، روح جيب الممسحة والصلح السقف.»
آدم بص للسقف اللي بينقط بذهول، وبعدين بص للبدلة الماركة والجزمة الجلد اللامعة اللي لابسها. كان واضح إن الرجل عمره في حياته ما مسك ممسحة ولا دخل مطبخ بيعمل أكل لربات بيوت وعمال.
سلمى المنشاوي لو كانت شافت ابن عمها وآمر المجموعة الاقتصادية بيمسك جردل بلاستيك أصفر وبيسحب الممسحة عشان ينشف أرضية مطعم في المعادي، كانت جاتلها سكتة قلبية.
«إنت بتتكلم بجد؟» آدم قالها وهو بيعدل أكمام قميصه الأبيض الأنيق.




