روايات وقصص

الغنية والفقيرة حكايات انجى الخطيب

قلت:

«هلاقي غيره.»

بصتلي فترة طويلة.

وبعدين سألتني:

«إنتِ حتى متعرفينيش… عملتي كده ليه؟»

بصيت للمطر اللي كان بينزل قدامنا.

وقلت:

«عشان أنا مش شايفة إن الإنسان لازم يثبت الأول إنه يستاهل المساعدة.»

سكتت.

فضلت بتبصلي بطريقة غريبة.

وبعدين وأنا بحاول أعدل طرف بالطوها، لمحت حاجة بتلمع جوه البطانة المقطوعة.

مديت إيدي بحذر وسحبتها.

كان بروش قديم مرصع بالألماس والياقوت الأزرق.

بصيتلها.

«يا نوال…»

بصت للحاجة اللي في إيدي.

وشها ما اتحركش.

قلت:

«البروش ده كان متعلق جوه بالطوها.»

ومديتهولها.

قفلت إيدها عليه بسرعة.

وبعدين قالت:

«تفتكري قيمته كام؟»

قلت:

«معرفش.»

ابتسمت.

«طب لو قلتلك إنه ممكن يجيب حوالي خمسين مليون جنيه؟»

ضحكت.

«يبقى إنتِ آخر واحدة المفروض تمشي بيه في بالطو مقطوع.»

لأول مرة…

ضحكت نوال من قلبها.

وبعدين قالت:

«كان ممكن تسرقيه.»

هزيت راسي.

«لأ.»

«تبيعيه.»

«برضه لأ.»

«وتسددي بيه ديون المطعم.»

بصيتلها باستغراب.

«لو الحاجة دي ملكك… مش هتبقى ملكي لمجرد إني محتاجة فلوس.»

فضلت ساكتة.

وكانت بتبصلي بطريقة حسيت إنها بتقيس كل كلمة بقولها.

وفجأة، عربية سوداء فخمة وقفت قدام الفندق.

السواق نزل بسرعة وفتح الباب الخلفي.

بصيت للعربية.

وبعدين بصيت للبروش.

وبعدين رجعت بصيتلها.

قلت:

«العربية دي بتاعتك؟»

اتغيرت ملامحها لأول مرة.

وقالت:

«مريم…»

قربت منها.

«إنتِ مين؟»

بصتلي بابتسامة غريبة، فيها حاجة بين الحزن والرضا.

وقالت:

«أنا واحدة عرفت عنك النهارده أكتر مما كنت متوقعة.»

وقبل ما ألحق أوقفها…

قامت نوال، ومشت ناحية العربية.

وأول ما دخلت…

السواق قفل الباب وركب.

العربية اتحركت ببطء.

وأنا واقفة مكاني مش فاهمة حاجة.

لحد ما بصيت على اسم الفندق المكتوب فوق المدخل…

فندق المنشاوي رويال.

وساعتها افتكرت حاجة كانت سمعتها أمي من سنين.

إن الفندق ده مش مجرد فندق.

ده ملك عيلة نوال المنشاوي…

واحدة من أغنى وأشهر العائلات في مصر.

لكن اللي أنا ماكنتش أعرفه وقتها…

إن الست اللي كنت فاكرة إنها ست غلبانة ومش لاقية تاكل…

كانت نوال المنشاوي نفسها.

صاحبة مليارات.

والأخطر من كده…

إنها ما كانتش خرجت من بيتها متنكرة عشان تجمع تبرعات.

كانت نازلة الشارع وهي لابسة هدوم واحدة غلبانة لسبب أخطر بكتير…

كانت بتدور على بنت مناسبة تتجوز حفيدها الوحيد.

وهي كانت فاكرة إن بنت زيي ممكن تكون مجرد واحدة من المرشحات…

لكن اللي حصل بعدها خلّاها تفهم إن مريم مش هتقبل تكون اختبار في حياة أي حد.

الليل في القاهرة مش بيغطي البيوت بس، ده بيغطي أسرار أصحابها كمان.

لما العربية السوداء اختفت في زحمة المطر الشديد، وقفت مكاني قصاد يافطة الفندق اللامعة. الريح كانت بتضرب في وشي، المية بتغرق جزمتي، ومع ذلك كنت واقفة مش قادرة أتحرك. تفكيري كان مشتت بين صورة الست اللي كانت بتاكل الرغيف بنهم من دقائق، وبين اسمها اللي طلع بيملك نصف عقارات وسط البلد: نوال المنشاوي.

الجدة الكبيرة للشركة، الست اللي اسمها لوحده بيهز البورصة، والمالكة الفعلية لكل المؤسسات اللي سلمى المنشاوي شغالة تحت إدارتها.

رجعت المعادي وأنا حاسة بإن دماغي هتنفجر. دخلت “مطبخ أمينة”. المحل كان ضلمة، وصوت المية اللي بتنقط من السقف فوق ترابيزة رقم ستة كان عامل إيقاع رتيب ومقبض. قعدت على كرسي خشب وطلبت من نفسي أهدى. المليون وسبعمية ألف جنيه ديون مش هيختفوا عشان أنا اكتشفت إن جدة سلمى المنشاوي أكلت معايا نص رغيف عيش. الصبح طالع، وفي حسابات للموردين لازم تتسدد، وشيكات إيجار المحل هتترد للبنك لو ما توفرتش سيولة.

الساعة تسعة الصبح، الكراكيب كانت مالية المطبخ والعمال بيبدأوا تحضيرات اليوم وأنا قاعدة في المكتب الصغير ورا الشاشة بحاول أجمع المصاريف، لما صوت فرامل عربيات قوية وقفت بره المحل.

الصوت كان عالي لدرجة إن العمال سابوا شغلهم وخرجوا يبصوا.

باب المحل اتفتح، ودخلت منه نوال المنشاوي.

بس المرة دي، ما كانتش لابسة البالطو البني المبلول ولا الجزمة المهرية. كانت لابسة بدلة رسمية باللون الكحلي الداكن، شال كشمير راقي، ومسندة إيدها على عصاية أبنوس رأسها ذهب. وراها كان فيه راجلين بجثامين ضخمة ولابسين بدلات سوداء، وراجل تالت ماسك حقيبة جلدية.

العمال وقفوا مبهولين.

أنا قمت من مكاني ببطء، ومشيت ناحيتها ووقفت ورا البار.

نوال بصت حواليها، عينيها لفّت المكان كله: السقف اللي بينقط، الصور القديمة لأمي على الحيطة، والعمال اللي باين عليهم القلق.

قالت بصوت قوي، نبرته مختلفة تمامًا عن الصوت المبحوح بتاع امبارح:

«المكان محتاج صيانة سقف فوري يا مريم… ومحتاج سيولة عشان خط الإنتاج يشتغل بجد.»

بصيتلها بثبات وقلت:

«المكان ده شغال بشقانا يا مدام نوال… مش بأموال صدقة من اختبارات تمثيلية.»

نوال ابتسمت، وبصت للراجل اللي ماسك الشنطة. الراجل فتحها وطلع منها ملف ودفتر شيكات.

قعدت نوال على أقرب ترابيزة، وشاورتلي:

«اقعدي يا مريم.»

ما قعدتش. فضلت واقفة.

«حضرتك جاية هنا ليه؟ الحفلة خلصت امبارح.»

نوال اتنهدت، وقالت بمنتهى الصراحة والهدوء اللي يخوّف:

«أنا بقالي سنتين بدور في العائلات والطبقات الأرستقراطية عن بنت تنفع تتجوز حفيدي الوحيد، آدم المنشاوي. آدم هو اللي ماسك إدارة المجموعة دلوقتي، ولد ذكي، قوي، بس الدنيا فسدته… البنا والفلوس والناس اللي بيركعوا تحت رجليه خلّوه شايف إن كل حاجة تشتري وتتباع. كل البنات اللي قابلتهم كانوا نسخة من سلمى المنشاوي… صور، مظاهر، وقلوب فاضية.»

كملت وهي بتبص في عيني مباشرة:

«امبارح، نزل الشارع بنفسي، في أردأ هدوم عندي، عشان أشوف مين في القاعة الفخمة دي هيشوف “إنسان” مش “منظر”. ومين عنده أصل يدافع عنه لما الكاميرات تتقفل. إنتِ يا مريم… الوحيدة اللي رميتي شغلك، ووقفتي في وش سلمى، ورجعتيلي البروش اللي كان ممكن يحل كل مشاكلك في لحظة.»

قاطعتها ببرود:

«والنتيجة؟ أخدتي العلامة الكاملة في الامتحان بتاعي؟»

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button