
نزلت دموعي وقعدت جنبها على الركبي، مسكت إيدها وبوستها وأنا بقولها بصوت متقطع: “سامحيني يا حبيبتي.. سامحيني، أنا أسف.”
كنت بطلب منها المسامحة على الوجع، بس جوايا كنت عارف إن الحساب الحقيقي بيني وبين نفسي لسه بدأ.. وإن الدرس اللي أخدته النهاردة، دفعنا تمنه غالي أوي.
الأيام اللي بعد العملية كانت أطول وأتقل أيام عدت عليا في حياتي. مراتي رجعت البيت، بس البيت مكانش هو البيت، وأنا ما بقتش أحمد بتاع زمان. بقيت أدخل وأخرج زي الخيال، بقوم بكل طلباتها، بأكلها بإيدي، وبسهر جنبها أعملها الكمادات وأديها العلاج في موعده، بس عيني مكانتش بتيجي في عينها. كل ما أجي أبص لها، بفتكر صورة شاشة السونار، ونظرة العطف القاتلة اللي شفتها في عين أميرة.
مراتي كانت ملاحظة التغير اللي جرى لي. فاكرة إن حزني وكسرتي دول عشان الجنين اللي راح، وكانت كل شوية تمسك إيدي وبطيبة قلب يقطع الخلف وتقولي:
“يا أحمد يا حبيبي ما تزعلش نفسك.. ربنا هيعوضنا، المهم إن ربنا نجاني عشان أفضل معاك.”
الكلمتين دول كانوا بينزلوا على قلبي زي السيخ المحمي. هي بتطمني، وهي ما تعرفش إني أنا السبب في كل اللي هي مرت بيه. كل ما أسمع كلامها اللطيف، أحس إني أصغر وأصغر. النرجسية الكدابة اللي كانت منفوخة جوايا أتاكلت تماماً، ومبقاش فاضل غير حقيقة واحدة حافية: أنا انسان أناني، كنت مستعد أضحي بصحة وإنسانية واحدة مالهاش أي ذنب، عشان بس أرضي غرور راجل مكسور من جواه.
بعد أسبوعين، جه ميعاد كشف المتابعة. طبعاً ما قدرتش أوديها عند أميرة، واخترت دكتورة تانية في أخر الدنيا. وأنا قاعد في صالة الانتظار، موبايلي رن. بصيت للرقم لقيتها الدكتورة أميرة! قلبي دق بسرعة ورجلي اتسحبت منها القوة. قمت وقفت بعيد عن الناس ورديت بصوت مرعوب ومكتوم:
“ألو.. أيوة يا دكتورة أميرة.”
صوتها جه من الناحية التانية هادي جداً، وصارم في نفس الوقت:
“أنا بتصل أطمن على نتيجة تحليل العينة اللي استأصلناها من المريض.. الحمد لله النتيجة طلعت سلبية، الورم حميد وما فيش أي حاجة تقلق، تقدر ترتاح من ناحية موضوع السرطان ده خالص.”
أنا اتنفس بالعافية، وحسيت بحمل جبل انزاح من فوق صدري، وقولتلها بنبرة متقطعة كلها رجاء:
“الحمد لله.. الحمد لله يا رب. أنا.. أنا مش عارف أقولك إيه يا أميرة.. أقصد يا دكتورة. أنا متشكر جداً.”
سكتت لحظة، وبعدين قالتلي بنفس النبرة الهادية اللي بتشرح ومابتجاملش:
“أنا ما عملتش غير واجبي يا أحمد، وأنا بتصل عشان أطمن على حالة مرتاحة عندي في المستشفى مش عشان أسمع شكر. بس حابة أقولك حاجة أخيرة قبل ما أقفل الصفحة دي تماماً.. النجاح اللي أنت كنت شايفه تهديد لرجولتك، هو نفس النجاح اللي أتحط في طريقك النهاردة عشان يلحق مرتك من مصيبة. الرجولة عمرها ما كانت إنك تقفل على ست عشان تحس بوجودك، الرجولة إنك تكون أمان للست اللي معاك.. وماتخليش عقدك النفسية تسوقك لتدمير ناس مالهاش ذنب.”
وقبل ما ألحق أرد أو أقول أي كلمة، كانت قفلت السكة
قعدت مكان الموبايل في إيدي، وصوت التوت-توت بتاعة المكالمة بيرن في ودني زي الجرس. المرة دي ما حسيتش بغل، ولا بغضب، ولا برغبة في الانتقام. حسيت بس إنها قطعت أخر خيط كان يربطني بيها، وإني أخيرًا أفقت.
رجعت قعدت جنب مراتي، بصيت في وشها الصافي اللي مليان حسن نية، ومسكت إيدها بجد المرة دي.. مش عشان أثبت حاجة لحد، ولا عشان أعمل شو. مسكت إيدها وأنا نوى بيني وبين ربنا إني أبدأ مع العزلة دي صفحة جديدة، أتعلم فيها إزاي أكون راجل حقيقي يراعي ربنا في اللي معاه، وأسيب أميرة تعيش نجاحها اللي تستحقه، وأعيش أنا مع ذنب هيفضل يذكرني طول العمر.. إني كنت على بعد خطوة واحدة من إني أخسر كل حاجة بسبب وهم اسمه الكبرياء.
مرت السنين، والحياة مشيت بييا في طريق تاني خالص. اتعلمت أخيرًا إزاي أحجم نرجسيتي وأركز في بيتي ومع مراتي اللي صانتني ووقفت جنبي وهي مش عارفة الخبايا. ربنا كرمنا ومنّ علينا بطفلين زي الورد، وحياتنا استقرت وبقت هادية ومستقرة، بس نقطة الندم دي فضلت علامة فارقة في حياتي، علمتني أكون بني آدم أنضج وأهدى.
في يوم، كنت واقف في سوبر ماركت كبير بنقي حاجات مع ولادي، وسمعت صوت حركة ودوشة ورايا، وبعدين صوت طفل صغير بيضحك بصوت عالٍ وبيجري. تلفّت بعفويّة، ولقيت طفل عنده حوالي أربع سنين بيلعب، ووراه ست نازلة على ركبها بتجري وراه وهي بتضحك ومبسوطة.



