روايات وقصص

اخدت مراتى تكشف زهرة الربيع

أميرة بلعت ريقها بالعافية، ونظرتها اتحولت من الجمود لزهول مخاليط برحمة غريبة.. رحمة توجع أكتر من الإهانة. مسحت الجيل من على بطن مراتي بإيد بتترعش، وقالت بنبرة هادية بس كانت أتقل من الجبل:

“أنا أسفة يا أحمد.. بس الجهاز مش قاري أي نبض للبيبي ده. والأصعب من كده، إن الرحم فيه تغيرات نسيجية وكتلة غير طبيعية.. ده مش حمل طبيعي، ده حمل عنقودي، والورم ده لازم يتشال في أسرع وقت بعملية فورية عشان ما يشكلش خطر على حياتها.”

الدنيا لفت بيا. السقف اتزن في عيني والحيطان بدأت تضيق عليا بشكل يخنق. الكلام كان بينزل على دماغي زي المطارق، ومسكت في طرف الكرسي عشان ما أقعش. بصيت لمراتي، لقيتها بتبصلي بقلة حيلة ودموعها نازلة على خدها وهي مش فاهمة قوي الأبعاد الطبية، بس حاسة بالرعب اللي اتملت بيه الأوضة. مراتي اللي كنت جايبها مجرد أداة أستغلها عشان أكسر بيها قلب أميرة، طلعت هشة، مريضة، وبتموت بالبطء وأنا مش داري، وكل همي كان نفسي وكبريائي المريض.

أميرة ما استغلتش اللحظة، ما شمتتش، وما قالتليش “أهو شغلي اللي استهترت بيه هو اللي هيكشفلك المصيبة دي”. بالعكس، اتعاملت بمهنية ووجع حقيقي على الموقف. مسكت إيد مراتي بالراحة وطمنتها:

“ما تخافيش يا حبيبتي، إحنا لحقناها في الأول، أنا هكتبلك تحويل فوراً للمستشفى وهكون معاكي في العمليات بنفسي.”

في اللحظة دي بالذات، حسيت بإهانة وصغر ما حسيتهمش في حياتي كلها. كبريائي اللي جيت أرميه تحت رجلين أميرة عشان أكسرها، اتدهس تحت جزمتي أنا. وقفت قدامها زي العيل الصغير اللي انفضحت دناءته ونواياه الخبيثة قدام نفسه قبل ما تكون قدام الناس. كنت فاكر إني جاي أثبتلها إنها خسرت، أثبتتلي الأيام إني بنيت جوازي الجديد على قش، وإني ضحيت بـ ست عاقلة ورحيمة عشان شوية نرجسية وغل مالهمش أي قيمة.

مسكت إيد مراتي وأنا إيدي بتترعش من الخوف والندم، مش قادر أرفع عيني في عين أميرة اللي كانت بتبصلي بنظرة شفقة.. شفقة على الراجل اللي عمى الغل عينيه لحد ما نسى يتأكد حتى من صحة مراتي قبل ما يتاجر بيها. طلعت من العيادة وأنا شايل مراتي وبجر رجلي بالعافية، حاسس بمرارة في حلقي وندم بياكل في قلبي، وعرفت إن أكبر هزيمة للراجل مش إنه يخسر واحدة بحجم أميرة.. الهزيمة الحقيقية لما يكتشف إنه خسَر نفسه ورجولته في معركة هو اللي اختار يخوضها من الأساس.

طول الطريق للمستشفى، العربية كانت عبارة عن سجن مقفول علينا. صوت عياط مراتي المكتوم كان بينزل على قلبي زي الزيت المغلي. كنت ماسك الدركسيون بأيد بتترعش، وكل شوية أبص لها من المراية وأحس بالقرف من نفسي. أنا عملت إيه؟ إزاي الغل والصفار اللي جوايا يعموني للدرجة دي؟ كنت مركز إزاي أغيظ أميرة، وملاحظتش إن مراتي وشها أصفر زي الليمونة بقالها أسابيع، وبتشتكي من وجع وأنا بقولها “معلش يا روحي ده أعراض الحمل العادي”!

وصلنا المستشفى، وكانت أميرة هناك قبلينا. كانت لابسة البالبي والبالطو الأبيض وجاهزة، وبتتحرك في الطوارئ بمهيبة وثبات خلى كل الممرضين والمساعدين ينفذوا أوامرها في ثواني. في اللحظة دي، شفت “دكتورة أميرة” اللي كنت بغير من اسمها، بس المرة دي ما حسيتش إن رجولتي بتهان.. حسيت إنها طوق النجاة الوحيد اللي فاضل للغلبانة اللي معايا.

أميرة جرت على مراتي، مسكت إيدها وحطتها على الترولي، وبصتلي بصة سريعة جافة وقالتلي:

“التحاليل جاهزة وأنا جهزت غرفة العمليات.. الورم لازم يتشال دلوقتي قبل ما يحصل نزيف أو مضاعفات. أنزل خلص إجراءات الدخول واقعد برة استنى.”

سابتني ومشيت بمراتي ناحية العمليات، وأنا وقفت في نص الطابق زي المكسور. قعدت على كرسي الانتظار، حاطط وري بين إيديا.. الثواني كانت بتمر زي السنين. كل فكرة كانت بتنهش في دماغي: لو كان جرى لها حاجة؟ لو أميرة ما كانتش شاطرة ولحقتها؟ هقول لإهلها إيه؟ هقول لنفسي إيه؟ إني ضحيت بصحتها عشان أعمل شو وأثبت لنفسي إني “راجل”؟

بعد حوالي ساعة ونص، اتفتح باب العمليات. خرجت أميرة وهي بتخلع الماستك الطبية ومسحت العرق من على جبهتها. الملامح الإجهاد كانت باينة على وشها، بس كانت هادية. أول ما شفتها، قمت وقفت وجريت عليها زي العيل اللي خايف من العقاب، وقولتلها بصوت مخنوق ومكسور:

“أميرة.. قوليلي، هي كويسة؟”

أميرة بصتلي بجمود، بس نبرتها كانت عملية ومحترفة:

“الحمد لله، العملية تمت بنجاح واستأصلنا الورم بالكامل ومن غير ما نضطر نمس الرحم. هي كويسة وهتتنقل أوضة العادية دلوقتي.. بس محتاجة راحة تامة ومتابعة، والأهم من ده كله.. محتاجة حد يرعاها بجد، مش حد يستخدمها كارت في لعبة مراهقين.”

الكلمة كانت أتقل من الطعنة. ما قدرتش أرد، ولا أرفع عيني فيها. طأطأت رأسي في الأرض وسكت.

أميرة قربت مني خطوة، وقالت بوطي بس بنبرة حفرت جوايا:

“تعرف يا أحمد؟ أنت كنت فاكر إنك رايح تكسرني بمرتك وصحتها.. بس أنت في الحقيقة كشفتلي قد إيه أنا كنت صح لما اخترت شغلي وكياني. الشغل ده هو اللي خلاني النهاردة أنقذ حياة إنسانة أنت كنت هتدمرها بعمايلك. روح لمراتك يا أحمد.. هي محتاجاك بجد دلوقتي، وخلي عندك الشجاعة تصارحها وتعتذر لها عن اللي عملته فيها.”

سابتني ومشت، خطوات جزمتها كانت بتصدر صوت في الممر الفاضي، وكل خطوة كانت بتأكدلي إنها بتبعد عن حياتي للأبد، بس المرة دي وأنا شايل فوق كتفي كمية ندم وعار مش هعرف أخلص منهم طول عمري.

دخلت لمراتي الأوضة، لقيتها فتحت عينيها وبتبصلي بتعب، ومسكت إيدي وقالتلي بصوت ضعيف: “أحمد.. الدكتور أميرة أنقذتني.. هي ست عظيمة أوي يا أحمد.”

نزلت دموعي وقعدت جنبها على الركبي، مسكت إيدها وبوستها وأنا بقولها بصوت متقطع: “سامحيني يا حبيبتي.. سامحيني، أنا أسف.”

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also
Close
Back to top button