روايات وقصص

اخدت مراتى تكشف زهرة الربيع

الست دي كانت أميرة.

اتسمرت في مكاني. المرة دي مكانش في بالطو أبيض ولا سماعة دكتورة، كانت لابسة هدوم كاجوال بسيطة، وبشرتها رايقة، وعلى وشها ابتسامة دافية وصافية عمري ما شفتها على وشها أيام ما كنا مع بعض. وفي اللحظة دي، قرب منها راجل هادي، ملامحه طيبة، وجميل التعامل، شال الطفل على كتفه وحط إيده التانية على ضهر أميرة بكل حنية وحماية، وهي بصتله بنظرة أمان ورضا.. نظرة كنت زمان فاكر إن شغلي وياها هو اللي كان مانعها، بس اكتشفت إنها كانت محتاجة بس الراجل اللي يحتل نجاحها ويدعمها من غير ما يحس بالتهديد.

أميرة رفعت عينها بالصدفة ولمحتني واقف على بعد خطوات.

اللحظة اتجمدت.. بس المرة دي ما كانش فيه لا صدمة ولا وجع ولا شماتة. أميرة هزت رأسها لي بهدوء شديد، ابتسامة خفيفة جداً ورصينة على وشها.. ابتسامة واحد بيسلّم على ماضي انتهى تماماً وأصبح مالوش أي وجود أو تأثير. وأنا هزيت رأسي ليها بنفس الهدوء، ورجعت بظهري خطوة لورا عشان أسيبها في عالمها الجديد.

ابني الصغير شد إيدي وقاللي: “بابا.. يلا عشان ماما مستنيانا في العربية.”

بصيت لولدي، ومسكت إيده بقوة، وابتسمت له بجد من قلبي. خرجت من السوبر ماركت وأنا حاسس لأول مرة من سنين إن الصدر اللي كان مقفول بالغل والندم اتفتح أخيرًا للتنفس. أميرة عاشت حياتها ونجحت ولقيت الأمان اللي تستاهله، وأنا اتعلمت الدرس وعشت الحاضر اللي ربنا كتبهولي.

وصلت العربية، فتحت الباب وقعدت جنب مراتي اللي بصتلي وابتسمت بسعادة، حطيت إيدي في إيدها وأنا عارف إن الرحلة الصعبة دي، رغم كل الوجع اللي فيها، كانت هي السبب الوحيد اللي خلاني أعرف أكون راجل حقيقي للست اللي بتشاركني حياتي النهاردة.

دورنا العربية ومشينا في وسط زحمة الشوارع. صوت الولاد في الكنبة اللي ورا وهما بيتخانقوا على اللعب ومرحهم كان مالي العربية دفء وحياة. بصيت لمراتي وهي بتلتفت بضحكة دافية تراضيهم وتقسم اللعب بينهم بالعدل، وبشرتها اللي كانت يوم من الأيام صفراء وبتموت من الوجع، النهاردة نضرة ومالية وشها الصحة والرضا.

في اللحظة دي بالذات، حسيت إن الديرة اكتملت، وإن كل واحد فينا أخيرًا بقى في مكانه الصح.

أميرة لقيت الراجل اللي يفهم إن نجاح الست مش خصم من رجولته، بل إضافة لبيته، ولقيت الأمومة والأمان اللي كانت تستاهلهم. وأنا.. أنا أخدت أصعب درس في حياتي، بس كان الدرس اللي أنقذني من نفسي. لولا القلم اللي أخدته في عيادتها والكسرة اللي حسيت بيها اليوم ده، كنت فضلت عايش في وهم الكبرياء والغرور، وكنت دمرت بيتي الجديد وخسرت الست الطيبّة اللي جنب دي.

سندت كوعي على الشباك وأنا سايق بكل هدوء، ودعيت لأميرة في سري دعوة صادقة من قلب اتعافى خلاص من كل غل: ربنا يسعدك يا دكتورة، زي ما كنت سبب في إن ربنا ينقذ مراتي، وزي ما كنت السبب إن عيني تتفتح على الحقيقة.

التفت لمراتي، مسكت إيدها وبوستها بامتنان حقيقي، وقولتلها:

“تنسي نجيب إيه للعشا النهاردة يا حبيبتي؟”

بصتلي بابتسامة راضية وقالتلي: “أي حاجة من إيدك حلوة يا أحمد.”

ابتسمت من قلبي، وكملت طريقي وأنا سايب الماضي كله ورايا في المراية.. خرجت من المعركة مكسور الكبرياء والغرور، بس طالع منها ببيت دافي، وروح متصالحة مع نفسها، ورجولة حقيقية عرفت قيمتها صح قبل فوات الأوان.

تمت

4 من 4التالي
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button