
أمي حطت التليفون جنبها وقعدت تبص للشقة القديمة… للحيطان الشاربة رطوبة، للشبابيك اللي كانت بتدخل الهوا الساقع علينا في الشتا، وللتلاجة الفاضية اللي كانت سبب في الرسالة دي. بصتلي وابتسمت لأول مرة من سنين… ابتسامة حقيقية طالعة من قلبها، وقالت وهي بتمسح دموعها
قومي يا مريم… قومي نلم هدومنا. ربنا فتح لنا باب مش هيتقفل تاني.
مرت الليلة دي كأنها حلم. ما نمناش ولا دقيقة. قضينا الساعات الباقية لحد الفجر بنلم هدومنا القليلة في شنطتين خيش قدام، وأمي كل شوية تبص لياسين وهو نايم بعمق وبطنه شبعانة لأول مرة من أسبوع، وتمسح دموعها وتبتسم.
أول ما الشمس طلعت، وبقت الساعة عشرة الصبح بالدقيقة، سمعنا صوت كلكس ناعم تحت البيت. بليت ريقي وبصيت من الشباك المكسور، لقيت عربية سوداء فخمة جداً واقفة في الشارع الترابي الضيق، والسواق نازل منها بلبس أنيق وبيبدأ يبص على أرقام البيوت.
أمي مسكت إيدي جامد وقالت بصوت بيرتعش
بسم الله الرحمن الرحيم.. توكلنا على الله يا بنتي.
نزلنا السلم الخشب اللي بيزيق لأخر مرة. السواق أول ما شافنا قرب بسرعة، أخد الشنط القديمة من إيد أمي بمنتهى الاحترام والتقدير، فتح لنا باب العربية ورا وقال بابتسامة هادية
اتفضلي يا مدام.. اتفضلي يا مريم. حازم بيه منتظركم.
ركبنا العربية، وكان ريحة الجلد بتاعها والتكييف اللي طالع منها يحسسك إنك دخلت عالم تاني خالص غير العالم اللي اتولدنا فيه. مشيت العربية بينا وسبنا الحارة الضيقة والحيطان المقشرة ورا ظهرنا. كنت باصة من الشباك وأنا شايفه منطقتنا وهي بتبعد، وحاسة إن شريط حياتنا القديم كله بيتقفل وبيترمى في الأرشيف.
بعد نص ساعة، العربية دخلت حي هادي جداً في القاهرة، كله أشجار وعمارات حديثة وشكلها يفتح النفس. وقفت العربية قدام مدخل عمارة راقية جداً. نزلنا والسواق طلع معانا في الأسانسير لحد الدور الرابع، ووقف قدام باب شقة خشب أروا مذهبي، وطلع سلسلة مفاتيح جديدة سلمها لأمي وهو بيقول
دي شقتكم الجديدة.. وكل طلباتكم مجابة.
أمي مسكت المفتاح وإيدها بتترعش، وحطته في الباب وفتحت.
أول ما الباب اتفتح، اندهشنا.. الشقة كانت واسعة، إضاءتها دافية، الشباك الكبير يدخل منه شمس ونظافة مكنتش ألمحها غير في التلفزيون. فيها صالون شيك، غرفتين نوم مفروشين بفرش أبيض ونظيف، ومطبخ واسع مليان على آخره بجميع أنواع الأكل والخضار واللبن اللي كان سبب في اللحظة دي كلها.
ياسين نزل من حضن أمي وجري على السجادة الناعمة وهو بيضحك وبيحبي بسرعة، وأمي وقفت في نص الصالة، حطت إيدها على وشها وبكت بكل صوتها.. بكاء فرحة وحسرة على الأيام الصعبة اللي عدت.
وفجأة، جرس الباب رن.
جريت فتحت، كان واقف المحامي بتاع حازم المرشدي، ماسك في إيده شنطة جلدي سوداء. ابتسم وقال بوقار
أهلاً يا مريم.. حازم بيه بيسلم عليكم، ودي عقود الشقة دي المسجلة باسم والدتك كملك نهائي ليها، وده عقد عملها في قسم الشؤون الإدارية بالمؤسسة بمرتب ثابت ومحترم جداً، ودي أوراق نقل مدرستك للغات القريبة من هنا.. كله جاهز ومستني توقيع الوالدة بس.
أمي قربت وهي مش مصدقة، مسكت القلم وعينيها عميانة من الدموع ووقعت.
لما المحامي مشي، قعدت على الأرض جنب أمي، ومسكت الموبايل المكسور القديم، وفتحت الرسالة الأولى خالص.. الرسالة اللي كانت مكتوبة ب 20 جنيه وبغلطة في رقم واحد. كتبت له رسالة أخيرة شكراً يا حازم بيه.. حضرتك مش بس أنقذت ياسين من الجوع، حضرتك غيرت قدرنا كله.
الرد جه بعد ثواني معدودة، وكان أخير وقاطع القدر هو اللي اختارك يا مريم عشان أفتكر إني إنسان.. خلّي بالك من نفسك ومن مدرسة جديدة بتبدأ بكرة.
قفلت الموبايل وحطيته على الترابيزة الرخام اللي في الصالة، وبصيت لإيدي اللي كانت لسه بتترعش من كتر الصدمة والفرحة. كل حاجة حوالينا كانت بتلمع، الريحة هنا مش ريحة رطوبة وعفن، دي ريحة نظافة وورد وأمل جديد.
أمي قامت من على الأرض وهي بتمسح دموعها، وبصتلي ونظرتها اتغيرت تماماً… الخوف اللي كان ساكن عينيها من سنين اختفى، وحل مكانه هدوء غريب أول مرة أشوفه على وشها. قربت من المطبخ وفتحت التلاجة الشيك الفضية، وطلعت منها علبة لبن طازة، وصبت في كوباية ونزلت على ركبها جنب ياسين اللي كان بيزحف مبسوط على السجادة الناعمة.
ياسين مسك الكوباية بإيديه الصغيرين وبدأ يشرب وهو بيضحك، وصوت ضحكته المرة دي مكنش وراه عياط ولا وجع بطن… كان صوت طفل أخيراً حاسس بالأمان.
مرت الأيام بعد اليوم ده زي السحر. أمي بدأت شغلها في الشركة، وبقت تلبس هدوم نضيفة وشيك، ترجع كل يوم بدري وتستقبلنا بابتسامة حقيقية مش متصنعة. وأنا اتنقلت لمدرستي الجديدة، وبدأت أذاكر بجد وشغف كبير، عشان كنت حاسة إن عندي دين ولازم أردّه… دين للراجل اللي نجدنا، ولدنيتي اللي اتغيرت بلمسة قدر.
بعد سنتين كاملين، وفي يوم تكريم المتميزين في منطقتنا التعليمية، كنت واخدة المركز الأول على الإدارة. كان فيه احتفال كبير في قاعة فخمة، والمسؤولين واقفين يوزعوا الجوائز. طلعت على المسرح واستلمت الدرع، وقفت قدام الميكروفون والناس كلها بتصقف، أمي كانت قاعدة في أول صف وهي ماسكة إيد ياسين اللي كبر وبقى يمشي، وعينيها بتدمع من الفخر.
بصيت للجمهور، وفجأة لمحته…
كان واقف في آخر القاعة خالص، لابس نفس البدلة الكحلي الأنيقة، حاطط إيديه في جيبه وبيبصلي بابتسامة رضا وهدوء. حازم المرشدي كان حاضر الاحتفال من بعيد، من غير ما حد يعرف هو مين ولا يطلب شو ولا أضواء.
مسكت الميكروفون وقلت بصوت واضح ومسموع لكل القاعة
الجائزة دي مش ليا لوحدي… الجائزة دي لإنسان علمني إن رحمة ربنا ممكن تيجي في شكل غلطة بسيطة، وإن رقم واحد ممكن يغير حياة عيلة كاملة ويرجع لها كرامتها.
حازم هز راسه بهدوء من بعيد، ودور وشّه وخرج من القاعة بالراحة زي ما دخل، من غير ما يستنى كلمة شكر واحدة… سابني وأنا فاهمة كويس إن الرسالة دي مكنتش مجرد غلطة رقم، دي كانت رسالة من السماء عشان تفكرنا إن الخير لسه موجود في الدنيا.
كبرت ومرت السنين بسرعة، وما بقتش مريم البنت الصغيرة اللي واقفة في مطبخ متهالك بتترعش من الخوف. بقت عندي عشرين سنة، ودرست إدارة أعمال في الجامعة الأمريكية بمنحة كاملة، وكل خطوة كنت بدمها عرق ومذاكرة كانت عشان أثبت إن الاستثمار اللي عمله حازم المرشدي فينا مكنش
في الأرض.




