روايات وقصص

الرقم الغلط حكايات انجى الخطيب

أمي بقت مديرة قسم كامل في المؤسسة، ست بكيان وكرامة، ضهرها اتفرد وشعرها اللي كان مشيب من الهم بقى فيه لمعة أمان. وياسين بقى ولد طوله شبرين وبيدخل المدرسة الابتدائي وهو مش عارف يعني إيه كلمة جوع أصلاً.
في يوم تخرجي من الجامعة، كنت واقفة بالروب الأسود والكاب، ماسكة شهادتي بامتياز مع مرتبة الشرف. الناس كلها بتصقف، وأمي واقفة بتعيط من الفرحة وتزغرد في وسط القاعة. لكن عيني كانت بتدور على شخص واحد بس… شخص مكنش بيحضر أي مناسبة تخصنا، بس كنت عارفة إنه بيتابع من بعيد لبعيد عن طريق المحامي بتاعه.
بعد الحفلة ب ساعتين، ركبت عربيتي البسيطة اللي جبتها من شغلي واستقلالي، ورحت ل أكبر برج في وسط البلد… برج شركة المرشدي.
طلعت الأسانسير السريع لحد الدور الأخير. السكرتيرة كانت عارفة اسمي أول ما قريت الكارت، ابتسمت وقالتلي
اتفضلي يا أستاذة مريم.. حازم بيه منتظرك.
دقت قلبي كانت بتدق بنفس السرعة اللي دقيت بيها وأنا عندي 12 سنة وأنا ماسكة الموبايل المكسور. فتحت باب المكتب الضخم. كان قاعد ورا مكتبه الخشبي الفخم، شعره بقى فيه شوية شيب خفيف زادوه هيبة، وبصلي ونزل نظارته.
وقفت قدامه، رفعت شهادة تخرجي وحطيتها على مكتبه بهدوء وقرّبت الكارت القديم اللي كان لسه معايا في محفظتي من 8 سنين.
بص للشهادة، وبعدها بصلي وابتسم نفس الابتسامة الهادية وقال بفضول
إيه ده يا مريم؟
قلتله بصوت ثابت ومبتسم، فيه كل مشاعر الامتنان اللي في الدنيا
ده سداد الدين يا حازم بيه.. ال 20 جنيه اللي استلفتها منك بالخطأ زمان، ردتهالك اليوم شهادة امتياز، وبنت كبرت وبقت قادرة تقف على رجلها وتغير حياة ناس تانية زي ما حضرتك غيرت حياتنا.
حازم سكت ثواني، عينيه لمعت بنبرة تأثر نادرة، مسك الشهادة وإيديه اتأملتها، وبعدين قام وقف ومد إيده يسلم عليا لأول مرة من سنين وقال
أنتِ مكنتيش مديونة ب حاجة يا مريم.. الرسالة بتاعتك هي اللي سددت ديني أنا قدام ربنا، وفكرتني بالسبب اللي خلاني أعيش. مبروك يا سيادة المباشرة.
خرجت من البرج وراسي مرفوعة للشمس. بصيت للسماء وأنا حاسة إن القصة دي مكنتش قصتي لوحدي، دي كانت رسالة لكل حد بيحس باليأس… إن أضيق الأبواب ممكن تفتح على أوسع طاقة أمل، فقط لو سلمت أمرك لله وثقت إن فيه خير مستنيك بعد كل تعب.
عدت سنين تانية، وبقت القصة دي مش مجرد ذكريات بنفتكرها ونبتسم، دي بقت منهج حياتنا.
أسست شركتي الخاصة للتطوير الإداري، والهدف الأول والأخير فيها كان فتح أبواب شغل وسبل حياة كريمة لكل ست وشاب شايفين إن الدنيا قفلت أبوابها في وشهم. كنت كل ما ألمح في عين حد فيهم الخوف والانكسار اللي كان في عين أمي زمان، أفتكر العشرين جنيه، وأفتكر إن نقطة التحول في حياة بني أدم ممكن تبدأ بلمسة رحمة واحدة.
في يوم، جالي إيميل رسمي من مؤسسة المرشدي، دعوة لحضور حفل كبير بمناسبة الإعلان عن أكبر مشروع خيري وتنموي في مصر، موجه للقرى والمناطق الأكثر احتياجاً.
رحت الحفلة، القاعة كانت مليانة رجال أعمال وإعلاميين وشخصيات مهمة. وقفت في آخر القاعة بتفرج وأبتسم، وجمبي أمي وهي ماسكة إيدي وياسين اللي بقى شاب يدخل الثانوي ومقارب لطولي.
حازم المرشدي طلع على المسرح، بوقاره المعتاد وحضوره اللي بيفرض نفسه على الكل. وقف قدام الميكروفون، وبدل ما يبدأ بالحديث عن الأرقام والأرباح والمشاريع الاستثمارية كالعادة، سكت شوية، وبص للجمهور ونظره استقر عليا في آخر القاعة.
ابتسم ابتسامة هادية وقال في الميكروفون
المشاريع الكبيرة مش بتتقاس برأس المال، المشاريع الحقيقية بتتقاس بالأمل اللي بتزرعه في القلوب. من عشر سنين، وصلتني رسالة بالخطأ من طفلة عندها 12 سنة، كانت بتطلب عشرين جنيه لبن لأخوها الصغير… الرسالة دي غيرت حياتي أنا شخصياً قبل ما تغير حياتها، وعرفتني إن العظمة الحقيقية مش في النفوذ، العظمة في إنك تكون سبب في إن طفل ينام شبعان وأم تنام مطمنة.
القاعة كلها سكتت، وحازم كمل كلامه وهو بيشاور عليا
والنهاردة، المشروع التنموي الجديد ده مش هيحمل اسمي… المشروع ده هيتم إدارته بالكامل بواسطة الأستاذة مريم عبد الرحمن، البنت اللي علمتني إن الجنيه اللي بيطلع في وقته، ممكن يبني بكرة بطلة.
الناس كلها لفت تبصلي والتصقيف هز القاعة. أمي حضنتني وهي بتعيط بحرقة من الفرحة، وياسين كان بيبصلي بفرخة وفخر مش قادر يخبيها.
طلعت على المسرح ووقفت جنب حازم المرشدي، بصيت للحضور وقلت كلمتين طالعين من جوة قلبي
ربنا لما بيحب ينقذ إنسان، مش بيبعت معجزة من السماء… بيبعت بني أدم قلبه فيه رحمة. العشرين جنيه مكنتش غلطة رقم، كانت تدبير إلهي عشان نعرف إن مهما كانت الظروف صعبة، فيه دايماً باب أمل مستنينا نكتشفه.
وفي اللحظة دي، حسيت إن الدائرة اكتملت تماماً… من مطبخ متهالك وتلاجة فاضية ورسالة يائسة، لقصة نجاح وأمل هتغير حياة آلاف غيرنا.
تمت
حكايات انجى الخطيب

4 من 4التالي
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button