روايات وقصص

الرقم الغلط حكايات انجى الخطيب

فجأة، سمعت صوت عربيات كتير وقفت مرة واحدة في الشارع الضيق تحت الشباك.. صوت موتورات ضخمة مش متعودين عليها في منطقتنا، وبعدها صوت خطوات جزمة تقيلة بتطلع على السلم الخشب اللي بيزيق.
قلبي كان حاسس أنه هيقف. رفعت ياسين في حضني وقفت ورا الباب.
خبطتين هاديين جداً على الباب الحديد.. وبعدها صوت نفس الرجل
مريم.. افتحي، أنا حازم.
فتحت الباب بالراحة خالص، الملاصلة كانت بتزيق. كان واقف قدامي راجل طويل، لابس بدلة كحلي متفصلة على المقاس، وملامحه حدة وصارمة بس عينيه كانت باصة عليا وعلى ياسين بنظرة مش مفهومة.. مكسور فيها الكبرياء. وراه كان فيه اتنين رجالة ضخام شايلين أكياس وكراتين كرتون كبيرة جداً.
حازم بص للبيت الداخلي، للحيطان الشاربة رطوبة، وللتلاجة الفاضية اللي كانت باينة من باب المطبخ المفتوح. أخد نفس طويل ووطى شوية لمستوايا، وقال وهو بيشاور للرجالة يدخلوا الحسابات والأكياس جوة
اللبن أهو يا مريم.. ومقاسات علب كتير عشان يكفيه، وفيه أكل جاهز دافي جوة الأكياس دي.
أنا فضلت متنحة، مش قادرة أستوعب. الأكياس كانت مليانة علب لبن أطفال من الغالية اللي بشوفها في الصيدلية الكبيرة، وأكل كتير ولعب صغيرة لسه بقرطاسها.
حازم بصلهم وقال للرجالة بصوت واطي
انزلوا استنوني تحت في العربية.
سابوه وخرجوا، وهو قفل الباب وراه بهدوء. بصل دموعي اللي كانت نازلة من غير صوت ومسحها بطرف صباعه، وقال بصوت خفيض
الرسالة دي مكنتش غلطة يا مريم.. ربنا هو اللي بعتك ليا عشان أفتكر إن فيه ناس عايشة كدة وأنا مش حاسس. من النهاردة، مفيش حاجة اسمها إيجار متأخر، ولا بيت بيدخله هواء الشتا، ولا ياسين ينام جعان تاني.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خطوات أمي وهي طالعة السلم بتنهد من التعب، بتفتح الباب الموارب وإيديها خشنة ومحمرة من الشغل.. اتفاجئت بالراجل الغريب اللي واقف في وسط صالتنا الصغيرة، وبصت للأكياس ولشاشة الموبايل اللي في إيدي.
وقفت أمي مكانها عند الباب، المفاتيح وقعت من إيدها المرتعشة على الأرض، وعينيها بتتنقل بيني وبين الرجالة والكراتين اللي مالية الصالة الصغيرة، وبعدين استقرت على حازم المرشدي. كانت حالة من الذهول التام خلتها مش قادرة تنطق، مفزوعة وشايفة راجل بالهيبة والبدلة دي جوة بيت أصغر وأفقر من إنه يستقبل حد زيه.
قرّبت أمي مني بسرعة وجذبتني ورا ضهرها وهي بتحضن ياسين بصوابع بترتجف، وحطت إيدها التانية على كتفي كأنها بتحميني، وبصت لحازم بصوت مقطوع من الخوف والتعب
أنت مين يا بيه؟ وفين إحنا؟ وعايز إيه من العيال؟
حازم ما تحركش من مكانه، ولا وري أي حركات توتر. رجّع إيده في جيب بنطلونه وهز راسه بهدوء يطمن، وتكلم بنبرة رزينة ومحترمة جدًا
اهدي يا أم مريم.. أنا مش غريب ولا جاي أضركم. ابنك ياسين كان محتاج لبن، ومريم شاطرة وذكية، وعرفت تتصرف.
أمي بصتلي بذهول وعينيها مليانة تساؤلات
تتصرف؟ عملتِ إيه يا مريم؟
طلعت من ورا ضهر أمي وأنا باصة للأرض وبقول بصوت واطي ومخنوع
كنت عايزة أبعت لخالتي سعاد عشان 20 جنيه نجيب لبن لياسين.. الموبايل علق والرقم اتكتب غلط، فالرسالة راحت لحازم بيه.
أمي حطت إيدها على بوقها وشكّها وبكائها اختلطوا ببعض، وبصت لحازم بكسرة ونفس عزيزة
يا بيه إحنا ناس على باب الله، وعايشين بالحلال.. لو البنت ضايقتك أنا آسفة، وحقك عليا، والكراتين والحاجات دي إحنا مش قدها، خدها معاك الله يخليك إحنا بنستورها والحمد لله.
حازم ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها كمية وجع واحترام مش طبيعيين، وقرّب خطوتين من أمي ووقف على مسافة جارة، وقال بكل هيبة
يا أم مريم.. كبرياءك ونفسك العزيزة دول فوق راسي من فوق. بس أنا مش جاي أوزع صدقة ولا جاي أشتري خاطرك. أنا راجل بشتغل في السوق من سنين، وعارف الفرق كويس بين اللي بيستغل وبين اللي بيموت من الجوع وهو ساكت. بنتِ مريم استنجدت بالظروف، والقدر خلاني أنا اللي أستقبل الرسالة دي.
سكت ثواني وبص للبيت وللسقف اللي فيه شروخ، وكمل وهو بيطلع كارت من جيبه وبيحطه على الترابيزة الصغيرة
من بكرة الصبح، الشقة دي هتتقفل. فيه شقة ملكي في منطقة نضيفة وقريبة من مدرسة مريم، هتنتقلوا فيها. وفيه شغل محترم ليكي في الشركة عندي بمرتب يضمن ليكي ولعيالك حياة كريمة ومرفوعة الراس. ده مش عطف.. ده حق ياسين ومريم عليا، وحقك أنتِ كأم شايلة الحمل ده كله لوحدك.
أمي اتسمرت مكانها والدموع نزلت من عينيها زي المطر، مش مصدقة اللي بتسمعه. بصت للكارت وبصت لياسين اللي كان بدأ يهدأ وهو بيشرب من علبة اللبن الدافي، وحازم لف وشّه وفتح الباب وخرج بهدوء، وساب وراه باب مفتوح للأمل، وحياة جديدة تماماً بدأت من نقطة غلط في رقم موبايل.
صوت باب الشقة وهو بيتقفل ورا حازم المرشدي كان عامل زي جرس بيعلن نهاية كابوس طويل. الصالة الصغيرة بقت ساكتة تماماً، مافيش فيها غير صوت شهقات أمي وهي مكتومة، وصوت ياسين وهو بيشرب اللبن بجوع ولهفة، كأنه كان بيحارب عشان يعيش.
أمي وقفت مكانها مش قادرة تتحرك، عينيها مثبتة على الباب المقفول، وبعدين بصت للأكياس والكراتين اللي مالية الأرض، ومنها للكارت الأسود الذهبي اللي محطوط على الترابيزة المكسورة. نزلت على ركبها فجأة على الأرض، مسكت الكارت بإيدين بترتعش، وقرأت الاسم بصوت واطي ومتقطع
مؤسسة المرشدي للتطوير والاستثمار… حازم المرشدي.
رفعت رأسها وبصتلي، وعينيها مليانة دموع مش فاهمة هي دموع خوف ولا فرحة ولا صدمة، وقالت بصوت مخنوع
مريم… أنتِ عارفة ده مين؟ ده الراجل اللي بنشوف صوره في المجلات والتلفزيون! ده اللي أمير صاحب العمارة كان بيفضل يتكلم عنه ويهددنا إنه هيبيع له البيت! يا بنتي أنتِ بعتِ للراجل ده إزاي؟
قربت منها وقعدت جنبها على الأرض، حطيت إيدي على كتفها وقلت بصوت واطي
والله يا أمي كتبت الرقم غلط… كنت فاكرة إني ببعت لخالتي سعاد. والله ما كنت اعرف هو مين.
أمي حضنتني بقوة، حضن دافي وطويل حسيت فيه بكسرة ضهرها وهي بتتفك، وحسيت بدقات قلبها السريعة وهي بتبكي بفرقة، وتقول
يا رب… يا رب أنت عالم بحالنا. يا رب إحنا ما طلبناش غير الستر، أنت تبعتلنا الراجل ده لحد بابنا؟
فجأة، الموبايل المكسور اللي كان في إيدي رن تاني.
قلبي نط، وبصيت للشاشة… كان نفس الرقم. أمي بصت للتليفون بخوف وقالتلي
ردي يا مريم… ردي بسرعة وشوفي عايز إيه.
فتحت الخط وحطيت التليفون على ودني، وجالي صوته الهادي الحازم من الناحية التانية
مريم… أنتِ واقفة جنب أمك دلوقتي؟
قلت بتهدج
أيوا يا حازم بيه… معايا.
هاتيها أكلمها.
دديت الموبايل لأمي، مسكته بذهول وحطته على ودنها وهي بتقول بصوت خايف ومحترم
أيوة يا حازم بيه… أيوة يا باشا، أنا أم مريم.
سمعت صوت حازم جاي من السبيكر الخفيف بتاع التليفون المكسور
وهو بيقول بكل صرامة وتنظيم
أم مريم… بكره الساعة عشرة الصبح، فيه عربية بسائق هتكون تحت البيت عندك. هتلموا هدومكم وحاجاتكم الشخصية بس. مش عايزك تشيلي هم أي حاجة ثانية. الشقة الجديدة جاهزة وفيها كل حاجتكم، والأوراق الخاصة بشغلك وبمدرسة مريم هتستلميها من المحامي بتاعي بكره بليل.
أمي حاولت تتكلم، حنجرتها اتعقدت وقالت بصوت مكسور
بس يا بيه… أنا مش عارفة أرد الجميل ده إزاي، إحنا ناس فقرا وما حلتناش حاجة…
قاطعها حازم بنبرة قاطعة بس فيها دفء غريب
الجميل ده مش ليا يا أم مريم… الجميل ده لربنا اللي خلاني أفتح التليفون في اللحظة دي بالذات. وداعاً، ونلتقي بكره في المكان الجديد.
الخط اتأفل.

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button