Uncategorized

روحت اتعرف على ام خطيبى

في نص الأكل، قلت:
“بعد إذنكم، الحمام فين؟”
أحمد أشارلي على مكانه.
قمت.
وأنا معدية جنب المطبخ، سمعت مدام نوال بتشد أحمد ناحية ركن قريب من البلكونة.
ووطت صوتها وقالتله:
“البنت اللي إنت مرتبط بيها دي فيها حاجة مش طبيعية وأنا بنصحك تفكر كويس.”
رجلي وقفت.
افتكرت إنها هتقول:
فقيرة.
أو:
مستواها أقل مننا.
أو أي كلام من النوع ده.
لكن اللي قالته بعدها خلاني أتجمد في مكاني.

قالت مدام نوال:
“بنت بتقول إن مرتبها 6800 جنيه، لكن قاعدة على السفرة ومفيش عليها ذرة توتر ولا إحراج!”
صوتها كان واطي.
لكن أنا كنت سامعة كل كلمة.
كملت:
“بص على إيديها وهي ماسكة المعلقة. ضوافرها مقصوصة ونضيفة، مفيش منظر ولا ألوان ولا استعراض، لكن إيديها ثابتة ومرتاحة. بتاكل من أكلي، سواء الحاجة عجبتها أو لأ، بتاكل براحة ومن غير استعجال. ومن ساعة ما قعدت، مبصتش في موبايلها مرة واحدة.”
أحمد قال بصوت واطي:
“يا ماما، وده عيب؟ ما يمكن عشان هي بنت متربية وعندها ذوق.”
مدام نوال ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:
“ذوق؟”
وبعدين كملت:
“أمك يا أحمد باعت خضار في السوق 20 سنة. شوفت أشكال وألوان من البشر أكتر ما إنت شوفت كتب في المدرسة.”
سكتت لحظة وقالت:
“البنت اللي جاية من ظروف صعبة فعلًا لأول مرة بيت خطيبها، غالبًا بيبقى عليها شوية توتر. خايفة تقول كلمة غلط. خايفة أم خطيبها متعجبهاش. مش عارفة تحط إيديها فين ولا تتصرف إزاي.”
وبعدين قالت:
“إنما دي؟ قاعدة كأنها في بيتها. لما صبتلي الشاي، إيديها متهزتش. بتبص في عيني مباشرة ومش بتهرب بنظرها.”
وقفت لحظة، ثم قالت الجملة اللي خلت قلبي يدق أسرع:
“النوع ده من الناس قدامه احتمالين: يا إما وراه سند كبير جدًا ومش محتاج يخاف من حد، يا إما نصاب محترف.”
كنت واقفة قدام باب المطبخ ومش قادرة أتحرك.
أحمد اتوتر وقال:
“يا ماما بلاش ظلم. مريم طبيعتها هادية أصلًا.”
قاطعته:
“أنا مش بظلمها. أنا مش معترضة إنها فقيرة، أنا خايفة إنها أصلًا متكونش فقيرة.”
سكت أحمد.
مدام نوال كملت:
“اللي عاش الضيق بجد بيبقى فيه حاجات صغيرة بتفضحه حتى لو حاول يخبيها. إنما لو هي عاملة نفسها فقيرة عمدًا، يبقى السؤال هنا: ليه؟ وإيه اللي عايزاه منك؟”

سكتوا كام ثانية.
وبعدين سمعت أحمد بيقول:
“هي عايزة مني إيه معرفش، بس اللي أعرفه إن معاملتها ليا حقيقية.”
أمه مسكتتش، فكمّل:
“يوم المطر الشديد، ركبت السكوتر 40 دقيقة وجتلي المدرسة مخصوص عشان تجيبلي جاكيت ومظلة.”
وبعدين قال:
“ولما سخنت في نص الليل، فضلت تلف على الصيدليات عشان تلاقي واحدة فاتحة وتجيبلي دوا. والصيدلي سألها عايزة أنهي نوع، قالتله: هات أحسن نوع عندك، من غير حتى ما تسأل عن السعر.”
صوته اتغير وهو بيقول:
“يا ماما، بنت مرتبها 6800 جنيه ومستعدة تدفع في علاجي من غير ما تبص للسعر، إنتِ شايفاها نصابة فعلًا؟”
مدام نوال مسكتت.
وأنا رجعت بهدوء ودخلت الحمام.
قفلت الباب.
وقفت قدام المراية فترة طويلة.
الست دي مش بسيطة.
أنا قابلت ناس كتير جدًا في حياتي.
أغنياء.
فقراء.
ناس أغنياء بيعملوا نفسهم فقراء.
وناس مديونة وبتعمل نفسها مليونيرات.
لكن مدام نوال كانت أول إنسانة تقعد معايا على سفرة واحدة، وفي أقل من ساعة، تعرف إن في حاجة مش راكبة في حكايتي.
غسلت وشي بالمية.
وخرجت.
رجعت كملت أكلي كأنني مسمعتش حاجة.
مدام نوال كانت زي ما هي.
لا بقت باردة معايا، ولا فجأة بقت لطيفة زيادة.

بعد ما خلصنا، أحمد دخل المطبخ يساعد في غسيل المواعين.
ومدام نوال قعدت قصادي.
صبت لنفسها كوباية شاي.
وبعدين صبتلي واحدة.
وقالت:
“مريم، إنتِ منين أصلًا؟”
قلت:
“من المنوفية يا طنط.”
قالت:
“أهلك موجودين؟”
قلت:
“أيوه. بابا بيشتغل عامل بناء، وماما عايشة في البلد وبتشتغل في الأرض.”
وده كان حقيقي.
بعد ما بقي معايا فلوس، حاولت كتير أجيب بابا وماما يعيشوا معايا في المدينة.
رفضوا.
قالولي إنهم مش مرتاحين غير في بلدهم.
مدام نوال هزت راسها.
وسألتني:
“بتشتغلي إيه دلوقتي؟”
قلت:
“مبرمجة في شركة تكنولوجيا.”
وده برضه حقيقي.
بعد ما بعت حقوق النظام اللي طورته، قعدت فترة من غير شغل.
لكن زهقت من القعدة، فروحت اشتغلت وظيفة برمجة عادية.
ومرتبي فيها فعلًا 6800 جنيه.
سألتني:
“عندك شقة ملك؟”
قلت:
“لأ.”
“عربية؟”
ابتسمت وقلت:
“عندي السكوتر اللي جيت بيه.”
“معاكي تحويشة؟”
قلت:
“مبلغ بسيط مش كتير.”

بصتلي مدام نوال في عيني حوالي 5 ثواني.
الخمس ثواني دول كانوا أصعب عليا من اجتماعات قدمت فيها مشروعي قدام مستثمرين ومديرين شركات.
وبعدين قالت:
“هسألك سؤال أخير يا مريم.”
قلت:
“اتفضلي.”
قالت:
“إنتِ شايفة ابني حلو في إيه؟”
جاوبت من غير ما أفكر:
“لما بيضحك، بحس إن ابتسامته دافية وصادقة.”
مدام نوال اتفاجئت.
واضح إنها مكنتش متوقعة الإجابة دي.
رفعت كوباية الشاي وشربت رشفة.
ومسألتنيش أي سؤال تاني.

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button