
الست اللي كانت واقفة على المسرح لسه مخلصة كلامها وهي بتقول بصوت عالي:
«محدش في مصر المفروض ينام وهو مش عارف هيجيب أكل منين بكرة»… لحد ما فجأة، وهي نازلة من على المسرح، داست على رغيف عيش كان واقع جنب واحدة ست كبيرة قاعدة جنب بوفيه الأكل.
آه… دوست عليه فعلًا. بكعب جزمتها العالي.
كنت وقتها شايلة صينية عليها كاسات عصير ومشروبات، وعلى بُعد حوالي ست أمتار، وشوفت كل حاجة بعيني.
الست الكبيرة كانت لابسة بالطو بني قديم ومبلول من المطر، وجزمتها كانت باين عليها إنها عدت عليها سنين من غير ما حد يهتم بيها. شعرها الأبيض كان مليان نقط مية، والمطر اللي دخل من باب الفندق كان عامل آثار على أرض الرخام اللامعة.
كانت قاعدة في طرف القاعة وبتبص للأكل اللي على البوفيه بعينين مليانين جوع.
قالت بصوت مبحوح:
«لو سمحتي يا بنتي… أنا من امبارح ماكلتش.»
الست اللي على المسرح كانت اسمها سلمى المنشاوي.
سلمى كانت سيدة أعمال مشهورة جدًا، وواحدة من أكبر أصحاب شركات المقاولات والاستثمار في القاهرة، والنهارده كانت عاملة حفل خيري كبير في فندق فاخر على النيل.
أول ما الست الكبيرة اتكلمت، سلمى ابتسمت للكاميرات.
وبعدين أول ما المصورين بعدوا العدسات عنها…
وشها اتغير تمامًا.
قالت ببرود:
«ده حفل خيري خاص.»
الست ردت بسرعة:
«أنا بس طلبت رغيف عيش.»
سلمى بصت للرغيف اللي كان واقع جنب رجلها.
وبعدين قالت:
«إنتِ دخلتي هنا إزاي أصلًا؟»
قرب مدير الحفلات، حسام الدمنهوري، وهو متوتر وقال:
«أنا آسف يا فندم… معرفش إزاي دخلت.»
سلمى أشارت للست بإيدها.
«طلّعوها بره.»
الست بصت ناحية الباب الزجاج، والمطر كان بينزل بره بغزارة.
وقالت بصوت ضعيف:
«بس الدنيا برد جدًا…»
سلمى هزت كتفها وقالت بمنتهى اللامبالاة:
«كان لازم تخطط قبل ما تنزل.»
الكلمة دي استفزتني.
حطيت الصينية اللي في إيدي على أقرب ترابيزة وقلت:
«استني.»
حسام لف ناحيتي بسرعة.
«مريم.»
أنا تجاهلته.
روحت للست الكبيرة، أخدت رغيف عيش تاني من البوفيه، ولفيته في منديل نظيف، ومديتهولها.
سلمى بصتلي باستغراب.
«إنتِ بتشتغلي هنا؟»
قلت:
«النهارده بس.»
أنا كنت واخدة شيفت الحفلة دي عشان كنت محتاجة كل جنيه أقدر أجيبه.
من سبع أسابيع، أمي ماتت.
وسابتلي مطعمنا الصغير في المعادي، اسمه مطبخ أمينة، ومعاه اتناشر موظف كانوا بيعتبروا أمي زي أمهم، وسقف بينقط مية فوق ترابيزة رقم ستة، وديون متراكمة من إيجار المحل، وأقساط معدات، وحسابات موردين وصلت لحوالي مليون وسبعمية ألف جنيه.
المطعم كان كل حياتي.
بس من بعد وفاة أمي، الدنيا اتقلبت.
وعشان كده كنت باخد أي شغل إضافي ييجي قدامي.
حتى لو كان شغل حفلات لحد الصبح.
سلمى أشارت للست الكبيرة وقالت:
«هي بتضايق الضيوف.»
رديت عليها:
«هي جعانة.»
قالت بضيق:
«الحفلة دي أصلًا معمولة عشان نجمع تبرعات للأسر المحتاجة.»
بصيتلها وقلت:
«يبقى إطعام ست جعانة مش المفروض يبوظ ميزانية الحفلة.»
كام شخص بدأوا يبصوا ناحيتنا.
حسام قرب مني وهمس:
«مريم… اعتذري.»
بصيتله.
«أعتذر على إيه؟»
قال بصوت واطي:
«على تدخلك.»
هزيت راسي.
«لأ.»
وشه اتغير.
«مريم، إنتِ كده بتخلي الموضوع أصعب.»
سلمى قالت ببرود:
«هي مش فاهمة إن لكل مكان ناسه؟»
بصيتلها.
«يعني إيه؟»
قالت:
«يعني مش أي حد يقرر يتدخل في حاجة أكبر منه.»
حسام مسك دراعي وقال:
«مريم، كفاية.»
سحبت دراعي منه.
«إنت بتطردني؟»
قال وهو بيحاول يتفادى عيون الناس:
«لسه قدامك فرصة. اعتذري للأستاذة سلمى.»
سلمى ابتسمت ابتسامة باردة.
وقالت:
«ولو فعلًا ندمانة… اركعي واعتذري.»
القاعة كلها سكتت.
حتى صوت الموسيقى حسيت إنه اختفى.
الست الكبيرة بصتلي وقالت بصوت ضعيف:
«متضيعيش شغلك عشاني يا بنتي.»
بصيتلها.
وبعدين بصيت لسلمى.
وقلت:
«أمي كانت دايمًا بتقول إن الطيبة اللي بتظهر بس قدام الكاميرات… مش طيبة، دي دعاية.»
وش حسام احمر.
قال بعصبية:
«البادچ بتاعك.»
بصيتله ثواني.
وبعدين طلعت بطاقة الشغل من جيبي.
حطيتها على الترابيزة.
وأخدت الست الكبيرة من إيدها، ومديتلها الرغيف.
وقلت:
«محدش هنا هيخليكي تركعي.»
سلمى ضحكت ضحكة صغيرة وقالت:
«دي نتيجة إن الناس تنسى مقامها.»
بصيتلها وأنا بلبس الجاكيت بتاعي.
وقلت:
«لأ.»
سكت لحظة.
وبعدين بصيت في عينيها مباشرة.
«دي نتيجة إن الناس تفتكر أخيرًا مقامها الحقيقي.»
ومشيت.
خرجت من باب الفندق وأنا ماسكة إيد الست الكبيرة، قبل ما عقلي يلحق يحسب أنا خسرت كام جنيه بسبب الشغلانة دي.
تحت مظلة الفندق، قعدت الست الكبيرة على كرسي خشب قريب من المدخل.
فتحت المنديل وبدأت تاكل نص الرغيف بسرعة.
بصيتلها وقلت:
«اسمك إيه؟»
قالت:
«نوال.»
ابتسمت.
«أنا مريم.»
رفعت عينيها وقالت:
«مريم إيه؟»
«مريم عبدالسلام.»
فجأة عينيها اتغيرت.
«عبدالسلام؟»
استغربت.
«أيوه… أمي كانت صاحبة مطعم مطبخ أمينة.»
فضلت ساكتة ثواني.
وبعدين قالت:
«أنا أعرف المطعم ده.»
ضحكت بتعب.
«بجد؟»
هزت راسها.
«سمعت عنه كلام كويس.»
ابتسمت بحزن.
«يمكن سمعت عن زمان… دلوقتي الموضوع مختلف.»
فجأة مدتلي نص الرغيف اللي في إيدها.
«خدي.»
ضحكت.
«لا، إنتِ كلي.»
قالت:
«إنتِ بسببّي خسرتي شغلك.»




