روايات وقصص

جوزها قبل الفجر حكايات انجى الخطيب

«مع مجلس إدارة مجموعة الشاذلي… في الفندق الكبير اللي على الكورنيش.»
الصدمة كانت زي القلم على وش أحمد. الحاج توفيق، الراجل اللي أحمد كبره وشغله معاه بقاله أربع سنين، الراجل اللي كان بيحلف بحياته، سابه في أول ليلة!
بعد ساعتين، كانت عربية أحمد المرسيدس السودا بتشق شوارع إسكندرية، وراها عربيتين من رجالته. أحمد كان نزل بنفسه، المرة دي مش كرجل أعمال بربطة عنق، لكن كالرجل اللي إسكندرية كلها بتعمله ألف حساب لما يغضب.
وصل للفندق الكبير. الرسبشن كان مليان صحفيين وتجار ورجال أعمال من الموانئ. الشاشات الإعلانية جوه الفندق كانت شايلة لوجو “مجموعة الشاذلي للنقل اللوجستي”.
أحمد مشي بثبات، رجالته وراه، والناس كانت بتبتعد عن طريقه أول ما يشوفوا وشه المشدود. دخل القاعة الرئيسية اللي كان معمول فيها المؤتمر الصحفي.
وفوق المنصة… كانت واقفة.
مريم الشاذلي.
كانت لابسة بدلة رسمية باللون الكحلي الغامق، شعرها مرفوع ببساطة ووقار، وفي إيدها القلم اللي كانت بتوقع بيه عقود الشراكة مع كبار تجار الموانئ. كانت بتتكلم بأسلوب هادي ومتمكن، لغة أرقام صريحة، وحضور يفرض نفسه على القاعة كلها.
أول ما أحمد دخل، الصوت هدي في القاعة لشوية ثواني. عينين التجار اتنقلت بين أحمد اللي واقف عند الباب وعينيه بتطلع شرار، وبين مريم اللي كانت واقفة بثقة.
أحمد افتكر إنها هتتوتر. افتكر إنها لما تشوفه بجموده ورجالته، هترجع الست اللي كانت بتسكت في البيت لمجرد إنه رفع صوته.
بس مريم ما اتهزتش.
قطعت كلامها، وبصت ناحية الباب، وابتسمت ابتسامة رسمية راقية، وقالت في الميكروفون بصوت واضح وصل لكل ركن في القاعة:
«أهلاً بيك يا أحمد باشا المنشاوي… تشرفنا في المؤتمر الافتتاحي لتوسع مجموعة الشاذلي. كنا لسه بنشرح للسادة التجار إزاي إدارة المخاطر الصح والشفافية في العقود بتنقذ الشغل من السيطرة الفردية والقرارات العشوائية.»
القاعة كلها سكتت. التلميح كان واضح وصريح وزي السكين.
أحمد قرب خطوتين، صوته كان هادي بس يخوف: «مريم… افتكرت إنك أعقل من إنك تلعبي في المنطقة دي.»
مريم نزلت من على المنصة بهدوء، ومشت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت قدامه، على بعد متر واحد بس. الرجالة اللي مع أحمد حاولوا يتقدموا، بس رجالة الأمن بتوع الفندق والشركة وقفوا في وشهم بثبات.
مريم بصت في عينيه بثبات، ومن غير ما صوتها يترعش:
«أنا ملعبتش يا أحمد… أنا اشتغلت. ثمان سنين وأنت فاكر إن قوتك في إنك تحبسني جوه سور الفيلا، وتديني المصروف والتسويات، ونسيت إن اللي علمتك إزاي تقرأ العقود الصح في أول حياتك… هي نفس الست اللي واقفة قدامك دلوقتي.»
قربت منه خطوة واحدة، وقالت بصوت واطي ما يسمعوش غيره هو وشريف اللي واقف وراه:
«أنت طردتني قبل الفجر فاكر إنك بتنهي حياتي… بس الحقيقة إنك فتحتلي الباب اللي كنت مستنياه بقالي سنين. المراكب اللي في البحر دي مش بتاعتي لوحدي يا أحمد… دي بتاعت كل راجل أنت ظلمته في شغلك، وكل تاجر عصبت عليه، وكل شركة حطيت إيدك عليها بالافتراء. أنا مجرد اللي جمعتهم.»
أحمد شد فكه، وعينيه أظلمت: «فكراني هسيبك تاخدي شغلي بالساهل؟ إسكندرية دي بتاعتي يا مريم.»
مريم ابتسمت ابتسامة هادية، ولفت ضهرها راجعة للمنصة، وقبل ما تطلع السلم بصتله وقالت:
«إسكندرية بتاعت اللي يعرف يديرها يا أحمد… مش اللي فاكر إنه بيملكها. وعن إذنك، عندي اجتماع مع هيئة ميناء بورسعيد… عشان بناخد العقد التاني بتاعك.»
حكايات انجى الخطيب

كلمات مريم كانت زي المية المغلية اللي اتقلب على وش أحمد المنشاوي قدام كل كبار السوق. الكاميرات كانت بتفلّش، والميكروفونات متوجهة ناحيتهم، ولأول مرة في حياته يحس بقلة الحيلة؛ مش قادر يمد إيده ولا يرفع صوته لأن القاعة مليانة رئيس هيئة الميناء ومستشارين الجمارك وصحفيين من كل جريدة.
لف أحمد ضهره وهو حاسس الدم بيغلي في عروقه، وخرج من الفندق بخطوات واسعة وشديدة، وشريف العشماوي كان بيجري وراه ومستقتل عشان يلاحقه.
أول ما طلع للهوا المالح الشديد بره الفندق، فتح أول زارار في قميصه وهو بياخد نفسه بصعوبة، وزعق في شريف: «اتصل بـ ’الريس جابر‘ فورًا! قلهم يتجمعوا عند مخازن الدخيلة، المراكب اللي طالعة لقصاد بورسعيد الليلة مش هتحرك خطوة واحدة من على الرصيف!»
شريف مسك ذراعه بتردد، ورجالته واقفين حواليهم مستنيين الأمر: «أحمد… اهدى، اللي بتفكر فيه ده هيودينا في داهية. مريم مش بتلعب في السلخانات، مريم جايبة حراسة من شركة أمن خاصة بيمتلكها لواء متقاعد في المباحث البحرية، والورق كله طالع بأختام رسمية ومحمي بتأمين حكومي. لو رجالتك اعترضوا طريق شاحناتها، هيتمسح بيك وبينا الأرض بالقانون!»
أحمد زق إيد شريف بغضب وركب العربية المرسيدس ورزع الباب وراه بكل قوته: «على الدخيلة يا ابني! أوريكم مين اللي بيمشي الكلام في الميناء دي!»
العربيات طارت على طريق المكس والسيوف والدخيلة، المطر كان بينزل بغزارة وصوت أجهزة الشحن والإنذار في الميناء كان جايب من بعيد. أحمد كان فاكر إن كلمته في الأرصفة هي السيف اللي محدش يقدر يكسر سنّه، إن الشيالين والسواقين ورؤساء العمال هيفضلوا يترعبوا من اسمه ويسمعوا كلامه هو وبس.
وصل أحمد أمام البوابة الرئيسية لمخازن الشحن بتاعته في الدخيلة. كانت الساعة دخلت في أربعة العصر، الجو كئيب والسما رمادي غميق. أول ما نزل من العربية، لاحظ حاجة غريبة جدًا… الحركة بره المخازن كانت هادية بزيادة.
مفيش طوابير تريلات واقفة ومستنية الدور. mفيش صوت زعاق العمال وهم بيحملوا الخشب والحديد.
دخل أحمد صالة التخزين الرئيسية، ولقى عشرات من العمال والسواقين قاعدين على الصناديق الخشب وبيدخنوا سجاير وبيشربوا شاي في صمت.
أحمد وقف في نص الصالة بصوته الجاهوري اللي يهد الحيطة: «إيه المخروبة دي؟! شغلكم واقف ليه يا معلمين؟! التريلات دي ما طلعتش لغاية دلوقتي ليه؟!»
قام راجل كبير في السن، شعره أبيض وجلابيته مبلولة من المطر، وهو «الريس جابر» اللي شغال مع أحمد من خمستعشر سنة. بص لأحمد بعينين مفيهاش الخوف القديم، وقال بهدوء:
«الأسعار اتغيرت يا أحمد باشا… ونظام الشغل كمان اتغير.»
أحمد قرب منه وعينيه بتطلع شرار: «اتغير إزاي يا جابر؟ هو أنا مش باكلكم عيش هنا؟ مش أنا اللي فاتح بيوتكم دي كلها؟»
جابر هز راسه بأسف وقال: «أنت كنت بتدینا اللي يخلينا نعيش بالعافية عشان نفضل محتاجينلك يا باشا… لكن الأستاذة مريم، من سنتين فاتوا، دخلت صندوق التكافل بتاع عمال الميناء بفلوسها الخاصة، تكفلت بعلاج ولادنا لما أنت رفضت تدفع قرش زيادة، وعملت للشيالين تأمين صحي باسم شركة الشاذلي. والنهارده الصبح… نزلت بيان إن أي سواق أو شيال هيشتغل مع شركتها هياخد ضعف النولون المعتاد ثلاث مرات، وبصرف أسبوعي منتظم.»
أحمد اتخشب مكانه. الكلام نزل عليه زي الصاعقة.
«من سنتين؟» قالها وهو مش مصدق اللي بيسمعه.
«أيوه يا باشا…» جابر كمل وهو بيبص للأرض. «الست دي كانت بتنزل بنفسها الميناء بالليل مع المحامي بتاعها وهي منقبة ومغطية وشها عشان محدش يعرفها، تقعد مع العمال وتسمع مشاكلهم وتدفع ديونهم. أنت كنت فاكر إنها في بيتك بتطرز ولا بتستناك ترجع من سهراتك… بس هي كانت بتشتري القلوب اللي أنت كنت بتدوس عليها برجليك.»
أحمد لفت بيه الدنيا. الست اللي كان فاكرها ضعيفة ومستسلمة، الست اللي كان بيمنّ عليها بالشقة والتسوية والمصروف الشهري، كانت بتزرع جذورها في طين الميناء من ورا ضهره، جذر جذر، لحد ما شجرتها طرحت وقفت قصاده وطيرت إمبراطوريته في ليلة واحدة.
تليفون أحمد رن في جيبه.
مسكه بأيد بترعش من الغل. كان شريف.
أحمد رد بصوت مكتوم: «إيه تاني يا شريف؟»
صوت شريف كان جاي وهو بيصرخ وبيلهث: «أحمد… البنك المركزي بعت إخطار للشركة! مريم قدمت مستندات بتثبت إن 40% من الأصول العقارية اللي أنت كاتبها باسم شركاتك اللوجستية، كانت ممولة من حساباتها الخاصة اللي وثقتها قبل الجواز بعقود شراكة مستترة! البنك جمد كل الحسابات الجارية بتاعتك لغاية ما يتفصل في النزاع!»
أحمد رمى التليفون على الرض الرخام المبلولة وفضلت الشاشة تتكسر ميت حتة.
العمال كلهم كانوا باصين له في صمت تام… صمت مالوش غير معنى واحد: النفوذ انتهى، والسطوة راحت.
طلع أحمد يجر رجليه بره المخزن تحت المطر الغزير. صعد عربيته من غير ما ينطق حرف واحد ولا يدي أمر لرجاله. فتح الشباك وبص للبحر المتوسط الممتد قدامه، الشديد والأود، وفي أقصى الأفق، شاف مراكب شركة «الشاذلي» شايلة البضائع وماشية بثبات في قلب النوة والموج العالي، من غير ما تهتز ولا تفرق معاها الريح.
العربية المكسورة على بلاط الدخيلة كانت راكنة والسواق باصص لأحمد في المراية برعب، مش عارف يسأله يروحوا فين. صوت المطر وهو بيضرب في صاج العربية كان عامل زي ضرب الرصاص.
السواق اتكلم بصوت مرعوب: «على فين يا أحمد باشا؟ نرجع الشركة ولا على الفيلا؟»
أحمد ما ردش. كان باصص لشاشة تليفون السواق اللي نور بفلاش عالي برقم شريف. أحمد مد إيده ببطء وسحب التليفون من السواق، وفتح الخط وحطه على ودنه من غير ما ينطق.
صوت شريف كان جاي من الناحية التانية طالع بالطلوع، بيلهث زي اللي بيجري في سباق الموت: «أحمد… إنت معايا؟ أحمد المباحث البحرية والنيابة العامة على أبواب المخازن الرئيسية في كرموز! في بلاغ متقدم من المحامي بتاع شركة الشاذلي ببلاغات رسمية عن بضايع مجهولة المصدر متخزنة باسمك من ست شهور… الورق كله بختم نسور ومتقفل بالضبضة والمفتاح!»
أحمدغمض عينيه وخد نفس طويل، أعمق نفس خده في حياته. صوت النهتة اللي كانت في صدره راحت، وحل مكانها برود يرعب.
«مريم حطت البلاغ ده إمتى يا شريف؟»
«من أسبوعين يا أحمد!» صرخ شريف من التليفون، وصوت سارينات الإسعاف والشرطة كانت مسموعة وراه في الخلفية: «الست دي كانت حاطة رجليها جوه الشغل ومجهزه كل ملف وقضية وبلاغ، ومتوقعة كل حركة هتعملها بعد الطلاق! إحنا بنغرق يا أحمد… الرجالة اللي في الجمرك سابوا المكاتب وجريوا، وشراكتنا في بورسعيد اتفسخت رسمي من ساعة!»
أحمد قفل السكة في وش شريف. رمى التليفون على الكنبة الجنبية وبص للسواق: «على الفيلا يا ابني.»
العربية مشيت في شوارع إسكندرية المبلولة. الشوارع كانت فاضية، والأشجار على الكورنيش بتتكسر من قوة النوة. أحمد كان باصص من الشباك للبيوت والأكشاك والناس اللي ماشية تحت شمسية استرخصوها من البرد. افتكر مريم وهي داخله عليه من ثمان سنين بالدفتر الأصفر الصغير، فاكر ضحكتها لما قالتله «عشان لو قلتلك من الأول، كنت هتفتكر إني بحاول أظهر إني أذكى منكم».
هو ما سابهاش تظهر إنها أذكى منه… هو أكل ذكائها، واستغل عقليتها، وبنى بيه إمبراطورية، ولما حست بالخطر أو حست إنه بيكبر وشغله بيخش في السكة العوجة، حاول يحبسها جوه السور ويديها مصروف ويسكتها برشة دهب.
وصلت العربية عند بوابات الفيلا في منطقة مارينا. الحراس على البوابة كانوا واقفين تحت المطر، ووجوههم أصفر من الخوف. محدش فيهم جرى يفتح باب العربية زي العادة. أحمد نزل بنفسه، المية غرقت جزمته الجلد وهدومه، بس مشي بثبات ناحية الفيلا.
دخل الصالة الواسعة. المكان كان ساكت هس… صوت المطر على الإزاز هو الصوت الوحيد اللي مالي الفيلا الفخمة اللي أصبحت عاملة زي المقبرة الرخام.
مشي بخطوات تقيلة على السلم. مرش على أوضة نومهم، ولا على مكاتبه الفخمة اللي مليانة تحف وساعات غالية. كمل طريقه لآخر الطرقة… للأوضة الصغيرة اللي مريم كانت بتقفل على نفسها الباب فيها بالساعات وتقول «شغل جمعيات».
فتح الباب ببطء.
الأوضة كانت هادية، ريحتها لافندر هادي… ريحة مريم. المكان كان متصمم ببساطة غريبة عكس بقية الفيلا الفخمة: مكتب خشب صغير، كرسي بسيط، وشباك بيبص على البحر مباشرة.
الترابيزة كانت فاضية تمامًا… ما عدا حاجة واحدة بس كانت محطوطة في نص المكتب، تحت إضاءة الأباجورة الهادية اللي مريم سابتها شغال.
الدفتر الأصفر.
نفس الدفتر اللي دخلت بيه أول اجتماع من ثمان سنين.
أحمد قرب من المكتب بخطوات مرعوشة. حط إيده على الدفتر وفتحه.
أول صفحة كانت مكتوبة بتاريخ اليوم اللي اتجوزوا فيه، وفيها جدول بدقة مرعبة: الأرقام اللي هي دخلت بيها الشركة، الصفقة اللي أنقذتها له من الثغرة القانونية، والعمولات اللي كان المفروض تاخدها طبقًا للسوق بس هو أكلها عليها وتحجج بـ «الفلوس بين المخطوبين أو المتجوزين عيب تتعد».
قلّب الصفحة… صفحات كتير مليانة أرقام وعقود، تواريخ صفقات، وأسماء الموردين، وتفاصيل كل قرش اتصرف، وكل جنيه كسبه بسبب فكرة هي قالتها له على العشا وهو نسبها لنفسه قدام رجالته.
وفي آخر صفحة في الدفتر… كانت كاتبالة ورقة بخط إيدها المتناسق والهادي:
«أحمد…
أنا مش طالعة من بيتك كسبانة ولا طالعة شمتانة. أنا أخدت شقايا اللي أنت بنيت بيه اسمك طول السنين دي وسميته ’خير أحمد المنشاوي‘. أنت كنت فاكر إنك بتطرد ست ضعيفة قبل الفجر مالهاش حامية ولا سقف… وماعرفتش إنك كنت بتطرد الشريك اللي عملك، والست اللي كانت حمايتك الوحيدة من نفسك ومن غطرسك.
أنا سيبتلك الفيلا والساعات والعربيات… بس أخدت البحر، وأخدت العمال، وأخدت الشغل اللي مبيعرفش يشتغل غير مع اللي بيحترمه.
لو عايز تبدأ من جديد يا أحمد… بلاش تبدأ بالرجال والأسلحة والنفوذ. ابدأ من الدفتر ده… من الغلطة اللي أنت ماخدتش بالك منها في صفحة 43.»
أحمد مسك الدفتر ببطء، وصدى صوتها وهو بيقول «وقّعي» كان بيرن في الأوضة فاضية زي اللعنة.
قعد أحمد على الكرسي الخشب الصغير، حط الدفتر قدامه، وبص من الشباك على البحر الأسود الهايج. وفي عمق البحر، كان نور المراكب بتاعة شركة الشاذلي بينور ويطفي وهو بيبعد في طريق بورسعيد، ماشي في قلب العاصفة بثبات… بينما الإمبراطور الكبير قاعد في الضلمة، بيقرأ خطأه في صفحة 43.
مرت ست شهور كاملة على الليلة دي. إسكندرية اتغيرت، والنوة الشديدة اللي هدّت الدنيا وقتها سابت وراها خريطة جديدة خالص للسوق وللميناء.
الفيلا العالية ذات السور الحديد في مارينا انعرضت للبيع… أحمد المنشاوي بنفسه هو اللي طلب يبيعها عشان يسدد القروض والالتزامات اللي نزلت على دماغه زي المطر بعد ما البنك جمد حسابه وفتش في أصوله. القضايا والبلاغات صفّت نص نفوذه القديم، وشريف العشماوي اختفى من المشهد تمامًا ودور على مصلحته بعيد بعد ما حس إن الإمبراطورية القديمة خلاص بتغرق، والرجالة اللي كانوا بياكلوا على ترابيزته اتفرطوا زي حبات المسبحة في أول اختبار حقيقي.
بس أحمد ما اترمىش في الشارع… ولا اتكسر بالطريقة اللي الناس كانت متوقعة تشوفها.
اللي اتكسر فيه بجد كان الغرور. الكبرياء المزيف اللي كان عامي عينيه عن الحقيقة وطول عمره يحسسه إنه فوق البشر.
في مكتب صغير في منطقة “باب شرق”، يادوب يشيل ترابيزتين وكمبيوتر، كان أحمد قاعد في عز الظهر. السقف مش عالي، والرخام الإيطالي اتستبدل ببلاط عادي نضيف، وريحة القهوة السادة مالياني المكان. قدامه كان في عقد نقل جديد لشركة شحن صغيرة للعمل في الخطوط الداخلية، وكان ماسك القلم الأحمر وبيراجع البنود بند بند… صفحة صفحة… لحد ما وصل لصفحة 43.
اتنفس بهدوء، وابتسم ابتسامة خفيفة ماليها وجع وتصالح مع النفس. علم بالقلم الأحمر على بند صغير، وكتب جنبه ملاحظة بيده.
قام وقف، أخد جاكيته البسيط ومشي ناحية الرصيف القديم في الميناء الشرقي. الشمس كانت طالعة دافية فوق مية البحر الزرقا، والهوا شايل صوت الكراكات وسواقي المراكب وضحكات العمال.
وعلى الرصيف الرئيسي للميناء الكبير، كانت واقفة عملاقة من أكبر مراكب الشحن اللوجستي اللي دخلت إسكندرية في السنة دي. مركب جديدة زيرو، مكتوب على جنبها ببنط عريض وأحرف ذهبية بتلمع تحت الشمس: «مريم الشاذلي».
أحمد وقف على بعد مية متر، حاطط إيديه في جيوبه، بيبص للمركب بذهول واحترام عمره ما حس بيه لأي منافس في حياته كلها.
وفوق سطح المركب الرئيسي، وسط مهندسين الهيئة ورؤساء الجمارك ووفود تجارية أجنبية جايين يوقعوا بروتوكول شراكة إقليمي، كانت واقفة مريم.
كانت لابسة بدلة رسمية وقار، وشال أبيض خفيف بيتطاير مع هوا البحر المالح، وبصوتها الهادي المتمكن كانت بتشاور على المخططات وبتتكلم مع رئيس الميناء اللي كان بيسمعلها بتركيز شديد وبيومئ براسه إعجابًا بدقة كلامها وأرقامها.
وهي بتسلم على المحافظ ورئيس الهيئة عشان ينهوا مراسم التدشين، عينها جت بالصدفة على الرصيف السفلي.
شافته.
أحمد المنشاوي، الراجل اللي كان فاكر إن الدنيا مبتلفش غير بأمره، واقف بين الشيالين وسواقين التريلات، يبصلها من بعيد.
مفيش في عينيه غل، ولا رغبة في انتقام، ولا الشرر القديم. كان في عينيه اعتراف صريح وواضح: إنتِ كسبتِ… وإنتِ اللي كنتِ صح من الأول.
أحمد رفع إيده ببطء، وهز راسه ليها بتحية هادية ورجولية فيها كل معاني الاحترام والتقدير.
مريم وقفت لحظة. بصتله بعيون صافية تمامًا… عيون مش شايلة كره ولا شماتة، عيون ست وصلت للمكانة اللي تستحقها بعرقها وعقلها وشقا سنينها، من غير ما تحتاج تستند على نفوذ حد.
ردت التحية بهزة راس صغيرة وفيها هيبة ووقار، وبعدين لفت وشها ورجعت تكمل كلامها مع الوفد والدكاترة والمشرفين.
أحمد لف ضهره ومشي بخطوات ثابتة بين العمال، وفي جيبه الجواني الدفتر الأصفر الصغير. لأول مرة من ثمان سنين، حس إنه بياخد نفس نقي وصافي. البحر ما بيكرهش حد، بس عمره ما بيبقي غير على اللي بيعرف يحترم موجه… ومريم الشاذلي كانت هي الموج اللي علّم أحمد المنشاوي إزاي يعيش بجد.
تمت
حكايات انجى الخطيب

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button