روايات وقصص

جوزها قبل الفجر حكايات انجى الخطيب

أحمد رد وهو عينه لسه على المركب.

«أيوه؟»

صوت شريف كان متوتر:

«أحمد… إنت صاحي؟»

«أيوه.»

«افتح النت دلوقتي.»

«ليه؟»

«دور على اسم شركة… مجموعة الشاذلي للنقل البحري.»

أحمد سكت.

«ليه؟»

شريف خد نفس طويل.

«عشان من ساعة ما شفت صور مجلس إدارة الشركة الجديدة، وأنا مش عارف أقولك الخبر ده إزاي.»

أحمد حس بقلبه بيخبط.

«قول.»

شريف قال:

«رئيسة مجلس الإدارة والمالكة الرئيسية للشركة…»

وسكت.

أحمد صرخ:

«قول يا شريف!»

جاله الرد:

«مراتك.»

أحمد حس إن الدنيا وقفت.

بص للمركب.

مريم كانت واقفة على سطحه.

لكن قبل ما المركب يتحرك، لفت وشها ناحية الفيلا.

ولأول مرة…

أحمد شاف ابتسامتها الحقيقية.

ابتسامة واحدة بس.

ابتسامة واحدة كانت كفاية تخليه يفهم…

إن الست اللي عاش معاها تمن سنين…

يمكن ماكانش يعرف عنها أي حاجة أصلًا.
#انجي_الخطيب
صوت الموتور كان بيشق هدوء الليل، والميه السودة اتبددت تحت جؤجؤ المركب وهو بيبعد عن المرسى بهدوء وثبات.
أحمد فضل واقف في البلكونة، إيديه ماسكة السور الحديد البردان لدرجة إن صوابعه ابيضت. المطر كان بينزل على وشه، بس ماكانش حاسس بيه. كان حاسس برعشة غريبة طالعة من وسط صدره، رعشة عمره ما جربها في حياته كلها.
«شريف… إنت بتقول إيه؟» صوت أحمد طالع مكتوم ومجلجل بالصدمة، وهو بيبص لنقطة النور البيضا اللي بدأت تختفي في عمق البحر.
شريف على الناحية التانية من التليفون كان نهتته مسموعة، صوت خبط أوراق وزراير كيبورد بتتداس بسرعة: «أنا مش بقنعك يا أحمد… أنا بقولك المصيبة اللي قدامي على الشاشة! السجل التجاري لشركة الشاذلي للنقل اتعدل من ساعتين… مريم مسيطرة على 65% من أسطول النقل الساحلي بين إسكندرية ودمياط. العقد اللي بقالنا ست شهور بنجري وراه مع هيئة الموانئ؟ أخدته هي بالكامل الصبح!»
أحمد ماستناش يسمع باقي الكلام. رمى التليفون على الكنبة ونزل على السلم بتسرع مجنون، صوابع جزمته الجلد كانت بتبل البلاط الرخام وهو بيجري ناحية الجنينة ووراها المرسى.

أول ما فتح الباب الزجاجي العريض، حراسه الاثنين الجرامين جرا عليه  متأمنة في جراباتهم.
«أحمد باشا! في حاجة حصلت؟!»
أحمد مسك واحد منهم من ياقة جاكيتته بغل وصصر على سنانه: «المركب دي دخلت هنا إزاي؟! إزاي تسيبوا مركب غريبة ترسى على المرسى الخاص بتاعي وتأخد مريم وتطلع من غير ما حد فيكم يتحرك؟!»
الحارس اتلخبط ووشه اصفر تحت المطر: «يا باشا… المركب عليها الشعار بتاع التفتيش البحري واللوجستيات، والريس بتاعها نزل شهادة تحرك رسمية باسم المرسى ده… المساعد بتاع حضرتك، الأستاذ شريف، هو اللي ضايف رقم تسجيل المركب دي في القائمة البيضا للمرسى من شهرين!»
أحمد ساب ياقة الحارس وزقه لورا بذهول.

«شريف؟»
رجع يفتكر… يفتكر المكالمة اللي مريم عملتها قدامه من ست شهور لما قالتله إن في جمعية خيرية محتاجة تصريح مرور مركب صغيرة لنقل مساعدات لمدن القناة، وأحمد وقتها اتصل بشريف وقالوله: «عديها يا شريف، خليها تنبسط بالجمعيات بتاعتها.»
ماكانتش جمعيات… كانت حركة شطرنج أخيرًا قفلت بيها اللعبة.
أحمد ساب الرجالة واقتحم مكتبه جوه الفيلا. الشاشات كانت منورة، والملفات متدبسة. فتح لابتوبه بأصابع بردانة وكتب اسم «مجموعة الشاذلي».
الصفحة الرسمية للشركة كانت بتعرض خبر عاجل نزل من نص ساعة بس:
[استحواذ مجموعة الشاذلي للنقل البحري على كامل حصص التخزين في المنطقة الحرة بدمياط، وتعيين الأستاذة مريم الشاذلي رئيسًا للائتلاف التجاري الجديد].
صورة مريم كانت مالية الصفحة.
مش مريم اللي كانت بتقعد قدامه متأسفة لما تقتطع من وقته.
ولا مريم اللي كانت بتبص للأرض وهو بيدلعها بأنه بيصرف عليها.
دي كانت صورة ست لابسة بليزر أسود كلاسيك، نظرتها حادة زي الموس، وابتسامتها فيها ثقة تخوف أي منافس في السوق.
جرس الباب الخارجي ضرب بقوة. وبعد دقيقتين، اقتحم شريف المكتب وشه مبلول ومخطوف، ودخل وقفل الباب وراه بسرعة.
«أحمد… إحنا روحنا في داهية!» شريف قالها وهو بيحط ملفات على الترابيزة. «أغلب الموردين الكبار اللي بنتعامل معاهم في بورسعيد ألغوا عقودهم معانا المسا. بيقولوا إن شركة الشاذلي قدمت أسعار شحن وتأمين أقل بـ 20%، وبضمانات حكومية إحنا نفسنا مش عارفين هي جابتها منين!»
أحمد فضل قاعد على كرسيه الجلد العالي، باصص للفراغ.
«تمن سنين يا شريف…»

«أحمد ركز معايا! لازم نتحرك، لازم نرفع قضايا أو نوقف شغلها!»
أحمد رفع راسه وبص لشريف بعيون دبلانة بس فيها شرار: «نوقف شغل مين؟ إنت فاهم هي عملت إيه؟ هي ما سرقتش حاجة مني… هي بنت إمبراطورية جنب إمبراطوريتي بالظبط، بس بأدوات أذكى، وبأقل دوشة. كانت بتسيبني أصرخ وأتحكم وأقولها متدخليش في الأرقام، وهي بالليل كانت بتاخد الأسواق من تحت رجلي من غير ما أحس!»
فجأة، موبايل أحمد على الترابيزة نور.
إشعار رسالة نصية قصيرة.

من رقم غير مسجل، بس أحمد كان عارفه كويس.
فتح الرسالة:
«أحمد… الشقة اللي في سيدي بشر، والفلوس اللي حطيتها في التسوية، والدهب اللي في الخزنة… سبتهالك مع المحامي بتاعك في مظروف مقفول. النفقات دي تديها لست محتاجة حمايتك أو محتاجة تحسسها بإنك بتمتلكها. أنا أخدت حقوقي من السوق بالكامل… وحق سنين عمري اللي ضاعت وأنا بحاول أثبتلك إني شريكة مش مجرد قطعة ديكور في فيلتك. اللعبة بيننا في البحر يادوبك ابتدت.»
أحمد رمى التليفون على الترابيزة ببطء.
شريف بصله بقلق: «كتبت إيه؟»
أحمد ما ردش. قام مشي ببطء ناحية الشباك الكبير اللي بيبص على البحر. المطر كان بدأ يقل، بس البحر كان لسه ثاير، والموج بيخبط في السور الصخري للفيلا بقوة تهز الأرض تحت رجليه.
الراجل اللي كان فاكر إنه مالك كل حاجة… اكتشف في ليلة واحدة إن البيت اللي كان عايش فيه كان مبني على رمل، وإن الست اللي طردها قبل الفجر… هي الوحيدة اللي تقدر تغرّق مراكبه كلها.
طلعت الشمس على إسكندرية، بس الدفا ما عرفش يوصل لفيلا المنشاوي. الجو كان براد وهوا البحر المالح شايل ريحة الشتا والمطر اللي بلل كل شبر في المدينة.
أحمد ما غمضلوش جفن طول الليل. كان قاعد في مكتبه، قدامه فنجان القهوة السادة اللي برد من ساعات، وسيجارة ورا سيجارة بتتحرق في أطراف صوابعه. الشاشات قدامه كانت بتعرض خريطة حركة المراكب في ميناء إسكندرية ودمياط، وكل ما نقطة خضرا تظهر، شريف كان يخش بتقرير يهد الحيل أكتر من اللي قبله.
شريف دخل المكتب وهو بيمسح عرقه، رغم البرد: «أحمد… الحكدارية بتوع جمرك دمياط بلغونا إن الشحنة الخشب اللي كانت مستنية إذن الإفراج بتاعنا… طلعت خلاص.»
أحمد بصله من غير ما يتحرك: «طلعت إزاي؟ ومين اللي ماضى الإفراج لة! الحاج توفيق، والريس جابر، وكل أصحاب المخازن اللي بياكلوا من خيرنا. الساعة اتناشر أكون شايفهم في المقر الرئيسي في المنشية!»
شريف سكت لحظة، وبعدين بص لأحمد بعيون فيها خوف حقيقي: «الحاج توفيق اعتذر يا أحمد… وقال إنه عنده اجتماع مهم الصبح.»
«اجتماع مع مين؟!»

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button