
جوزي الطيار اختار حبيبته القديمة تركب معاه آخر كرسي في الهليكوبتر، وساب ابني يترجاه ما يسيبناش وسط الحريق أكتر حاجة عمرها ما خرجت من دماغي، مش كانت النار وهي بتاكل كل حاجة حوالينا… ولا الدخان اللي كان مالي السما. ولا الرماد اللي كان لازق في وشي من العرق والخوف. ولا حتى صوت مروحية جوزي وهي بتلف فوق راسنا وسط السما اللي لونها بقى برتقالي من كتر النار.
الحاجة اللي فضلت فاكرها لحد النهارده…
كانت سكوت ابني.
ابني اللي عنده تسع سنين.
من ثواني بس، كان بيصرخ بكل قوته:
“بابا! بابا استنى! والنبي ما تسيبناش!”
وبعدين…
سكت.
سكت خالص.
وقف مكانه، وشه كله تراب ورماد، وعينيه مليانة دموع، وبص على أبوه وهو بيطلع بالهليكوبتر لفوق…
ومعه ست تانية.
آخر كرسي فاضي في الهليكوبتر كان ليها.
حبيبته القديمة.
وبعد ما الهليكوبتر اختفت شوية وسط الدخان، ابني بصلي.
صوته كان واطي أوي.
“ماما… بابا هيرجع؟”
بصيت له.
وماعرفتش أرد.
لأني كنت عارفة إن النار حوالينا بتقرب بسرعة، وإن الوقت اللي قدامنا قليل جدًا.
وكنت عارفة حاجة تانية أخطر…
إن جوزي ماكانش غلطان.
هو ماكنش اتلخبط.
هو اختار.
اختار يطلع بيها…
ويسيبنا.
اسمي سارة عبد الرحمن.
كنت وقتها عندي سبعة وتلاتين سنة، وبشتغل أخصائية علاج طبيعي وتأهيل في مركز كبير في القاهرة.
كنت متجوزة من طيار مروحية اسمه ياسر عبد الرحمن.
ياسر كان من النوع اللي كل ما المصيبة تكبر، تلاقيه أهدى.
وده كان أكتر شيء شدني ليه في الأول.
كان دايمًا واثق في نفسه.
اشتغل سنين في الطيران، وكان بيشارك في عمليات إنقاذ ونقل مصابين، وبيطلع بطائرات الهليكوبتر في المناطق الصحراوية والطرق الجبلية، وشارك قبل كده في إنقاذ ناس اتعرضت لحوادث خطيرة في البحر الأحمر وسيناء.
كنت دايمًا بقول لنفسي:
“جوزي راجل يعتمد عليه.”
وكان فعلًا شاطر جدًا في شغله.
يمكن شاطر زيادة عن اللزوم.
لأن مع الوقت، ياسر بدأ يصدق إن خبرته في الطيران بتخليه دايمًا هو الصح.
في أي خناقة بينا، كان عنده جملة محفوظة بيكررها بمنتهى الهدوء:
“يا سارة، الطيارة ملهاش دعوة بالمشاعر.”
وأنا كنت بتجنن من الجملة دي.
كان يكمل:
“الوزن وزن، والبنزين بنزين، والجو جو. ساعات القرار الصح بيبقى قاسي، بس ده مش معناه إنه غلط.”
سنين وأنا مصدقاه.
لأني كنت بثق فيه.
لحد ما ظهرت منى الشافعي.
منى كانت مرتبطة بياسر قبل ما يعرفني.




