روايات وقصص

مراتى كانت فى غيبوبة

كان أحسن من السؤال اللي بدأ يدخل دماغي.

لكن وأنا هخرج من الأوضة، عيني وقعت على سلة الغسيل.

وقفت.

وقربت منها.

البلوفر الرمادي كان جوه السلة.

لكن مش مرمي.

كان متطبق بعناية شديدة على شكل مربع كامل.

إيدي بدأت تترعش.

لأن أنا عمري ما كنت بطبق الهدوم بالطريقة دي.

أنا كنت من النوع اللي يرمي الهدوم في سلة الغسيل وخلاص.

لكن ندى…

قبل الحادث…

كانت بتطبق كل حاجة بالطريقة دي بالظبط.

كل قطعة هدوم لازم تتطبق بنفس المقاس تقريبًا.

نفس الزوايا.

نفس الترتيب.

وقفت قدام السلة وأنا ببص للبلوفر.

وقلبي بيدق بسرعة.

تاني يوم الصبح، أول ما مدام سامية وصلت، سألتها فورًا:

“إنتي غيرتي هدوم ندى امبارح؟”

بصت لي باستغراب.

“لأ.”

قلت:

“متأكدة؟”

بصت في الورق اللي في إيديها وقالت:

“طبعًا متأكدة.”

قلت:

“كانت الصبح لابسة البلوفر الرمادي، ولما دخلت لها بالليل لقيتها لابسة الكارديجان الأزرق.”

مدام سامية رفعت عينيها وبصت لي.

وبعدين قالت:

“أنا مغيرتش هدومها.”

سكت شوية.

فقالت:

“وبعدين أنا أصلًا مالمسش سلة الغسيل بتاعتها يا محمود. دي منطقتك إنت.”

حاولت أضحك.

لكن ماعرفتش.

وبعدها…

ظهر البرفان.

كان لندى زجاجة برفان مفضلة.

ريحة دافية فيها لمسة دخان خفيفة.

الزجاجة كانت موجودة على التسريحة من يوم الحادث.

ست سنين كاملة.

ولا مرة قدرت أرش منها.

كنت عارف إن مجرد إني أشم ريحتها ممكن يخليني أتخيل إن ندى لسه ماشية في البيت.

لكن في ليلة…

فتحت باب أوضة ندى.

وفي اللحظة اللي دخلت فيها…

الريحة ضربت في وشي.

برفان ندى.

برفان مرشوش من قريب.

وقفت عند الباب.

ماكنتش قادر أتحرك.

شميت تاني.

مفيش شك.

نفس البرفان.

قربت من ندى بسرعة.

شميت شعرها.

ريحة الشامبو بس.

قربت من رقبتها وإيديها.

ريحة الكريم اللي كنت بحطهولها كل صباح.

البرفان…

ماكنش عليها.

الريحة كانت في الهوا نفسه.

كأن شخص كان واقف جنب سريرها من ثواني…

ورش البرفان…

وخرج قبل ما أدخل مباشرة.

في الليلة دي، لأول مرة، دخلت دماغي فكرة غير منطقية تمامًا.

يمكن…

يمكن روح ندى بتتحرك في البيت.

يمكن لأنها محبوسة في جسدها بقالها ست سنين.

يمكن هي بتحاول تقول لي حاجة.

لكن كان فيه احتمال تاني.

احتمال أخوف بكتير.

إن فيه شخص من لحم ودم بيدخل أوضة مراتي وأنا فاكر إننا لوحدنا في البيت.

ومن اللحظة دي، قررت أعرف الحقيقة.

عملت نفسي مسافر شغل.

قلت لكل الناس إني مسافر.

حتى مدام سامية عرفت إني مسافر.

جهزت شنطتي.

حطيتها في العربية.

وخرجت من البيت في المعاد اللي قلت لهم عليه بالظبط.

سقت بالعربية بعيد.

لكن أنا ماكنتش مسافر.

استنيت لحد ما الدنيا ضلمت.

وبعدين رجعت.

ركنت العربية بعيد عن البيت علشان محدش يشوفها.

وكملت باقي الطريق على رجلي.

ماكنتش عايز أفتح الباب.

ولا أشغل نور.

ولا أعمل أي صوت يخلي الشخص اللي جوه يعرف إني رجعت.

لفيت حوالين البيت لحد ما وصلت لشباك أوضة ندى.

كانت الساعة…

11:47 بالليل.

نفس الوقت تقريبًا اللي كنت دايمًا بحس فيه إن ريحة البيت بتتغير.

قعدت تحت الشباك.

وضهري لازق في الحيطة.

وقلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني كنت خايف الشخص اللي جوه يسمعه.

فضلت ثواني أحاول آخد نفسي بهدوء.

وبعدين…

رفعت راسي ببطء.

سنتيمتر ورا سنتيمتر.

لحد ما عيني بقت في مستوى الزجاج.

بصيت جوه أوضة مراتي.

وفي اللحظة دي…

جسمي كله اتجمد.

كان فيه شخص جوه الأوضة.

واقف عند سرير ندى.

وأنا واقف بره الشباك…

بتفرج عليه.

واللي شوفته بعدها…

خلّى الدم يتجمد في عروقي.

—

لثواني، نسيت إزاي آخد نفسي.

كان فيه ست قاعدة جنب سرير ندى.

الأباجورة اللي فوق التسريحة كانت منورة نور خافت ودافي، عامل دايرة صغيرة بلون ذهبي جوه الأوضة.

ومن مكاني تحت الشباك، ماكنتش شايف غير ضهرها في الأول.

شعر غامق مربوط براحة عند رقبتها.

بلوفر لونه…

لكن قبل ما أقدر أشوف أكتر، الست قامت.

قربت من ندى.

وحركت إيدها بهدوء.

أنا اتجمدت مكاني.

ماقدرتش أتحرك.

ولا أصرخ.

ولا حتى أفكر.

فضلت مراقبها لحد ما خرجت من الأوضة.

بعدها دخلت البيت وأنا فاكر إني هلاقي شخص غريب.

لكن الحقيقة كانت أغرب.

الست دي كانت سلمى…

أخت ندى.

كانت بتيجي بالليل من غير ما أعرف.

ولما واجهتها، قالت لي إنها كانت بتدخل تطمن على أختها.

سألتها:

“إنتي اللي بتغيري هدومها؟”

هزت راسها.

“أيوه.”

“والبرفان؟”

سكتت.

وبعدين قالت:

“أحيانًا.”

فضلت باصلها.

قلت:

“ليه؟”

نزلت عينيها.

وقالت:

“علشان أحس إنها لسه موجودة.”

الكلمة دي كسرت حاجة جوايا.

لكن كان فيه سؤال أكبر.

“ليه ماقولتيليش؟”

قالت:

“كنت عارفة إنك هتمنعني.”

ماعرفتش أرد.

لكنها فجأة قالت:

“فيه حاجة تانية لازم تعرفها.”

دخلنا البيت.

وكانت والدتها فاطمة موجودة.

ماكانش فيه لوم.

ولا خناق.

ولا حتى كلام عن السنين اللي فاتت.

يمكن لأن فيه حاجات بتصغر جدًا لما الأمل يدخل الأوضة.

قعدنا في الصالة.

فاطمة اختفت دقايق.

ورجعت شايلة صندوق كرتون متوسط الحجم.

قديم.

عليه شريط لاصق أصفر من الزمن.

حطته قدامي.

وقالت:

“ده بتاعها.”

بصيت للصندوق.

ما مدتش إيدي.

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button