روايات وقصص

دخل المطعم بملابس قديمة

دخل المطعم بهدوم قديمة ريحتها تراب، وجزمته كانت مقطعة من الجنب… فمدير المطعم بصله باحتقار وقرر يذله قدام كل الزباين.

حطّه في أسوأ ترابيزة جنب باب المطبخ، ورمى قدامه المنيو وقال له بسخرية:

— «أجيب لك شوربة سادة ولا دي غالية عليك؟»

الراجل ما اتعصبش.

فتح المنيو بهدوء، وقلب الصفحات واحدة واحدة، لحد ما وصل لآخر صفحة.

وبص على أغلى طبق في المطعم وقال:

— «عاوز الـRib Eye… أغلى حتة لحمة عندكم، وتسوية وسط.»

المدير ضحك بصوت عالي.

— «إنت عارف الطبق ده بكام يا حاج؟»

— «كام؟»

— «عشرة آلاف جنيه!»

رفع الراجل عينه من المنيو وقال بهدوء:

— «بعرف أقرأ كويس.»

المدير ضحك أكتر، والويتر اللي واقف جنبه ابتسم، وبعض الزباين بدأوا يبصوا على الراجل ويتهامسوا.

لكن محدش في المطعم كان يعرف إن الراجل اللي واقف قدامهم بالجاكيت المهري…

هو الشخص اللي هيقلب حياتهم  كلهم

ومحدش كان يعرف إن دخوله للمطعم بالشكل ده ماكانش صدفة.

كان مخطط.

 

وكان المدير على وشك يسقط فيه قدام كل الناس

 

الجاكيت البني اللي كان لابسه سامح الشهاوي الليلة دي كان عمره أكتر من تلاتين سنة.

جاكيت قديم، مهري من عند الكوع، ولونه بهت من الزمن.

البنطلون الرمادي كان عليه بقع صغيرة حفرتها السنين في القماش.

أما الجزمة، فكانت قديمة ومقشرة، وكعبها متآكل من كتر المشي.

الهدوم دي ماكانش بيلبسها من سنين.

كانت مرمية في قاع دولاب قديم، ورا بدل إيطالي غالية وساعات تمنها يعدي مئات الآلاف.

لكن الليلة دي…

سامح فتح الدولاب، ومد إيده للجاكيت.

طلعه.

فضل ماسكه شوية وهو بيبص له.

ابتسم ابتسامة حزينة.

الجاكيت ده كان بيفكره بأيام زمان.

أيام ماكانش فيها سامح رجل أعمال.

ولا عنده مطاعم.

ولا عربية فارهة.

ولا مكتب في الدور الأخير من برج فاخر.

كان مجرد شاب فقير بيحاول يشتغل ويثبت نفسه.

وفي يوم من الأيام، دخل مطعم فخم وهو لابس هدوم بسيطة.

فاكر لحد دلوقتي نظرات الناس.

فاكر الجرسون اللي رفض يقعده.

وفاكر مدير المطعم لما بص له وقال:

— «المكان ده مش مناسب ليك يا ابني.»

سامح يومها خرج من غير ما يرد.

لكن قبل ما يخرج، قال لنفسه:

«يوم ما أقدر… هعمل مكان محدش فيه يتعامل مع إنسان على حسب هدومه.»

مرت السنين.

وسامح قدر.

بدأ بمطعم صغير.

وبعدين مطعم تاني.

وبعدين سلسلة مطاعم كبيرة.

لحد ما بقى اسمه معروف في عالم المطاعم.

وكان عنده مبدأ واحد عمره ما تنازل عنه:

الفلوس تشتري أكل كويس… لكن ما تشتريش حقك في إهانة إنسان تاني.

عشان كده لما وصله الظرف الغريب…

ما قدرش يتجاهله.

 

الظرف وصله على مكتبه من غير اسم مرسل.

فتحه سامح.

لقى فلاشة صغيرة.

ركبها في الكمبيوتر.

فتح الملف.

فيديو متصور بالموبايل.

المكان كان مطعم «البرنس 58»، واحد من أفخم المطاعم اللي يملكها سامح في المهندسين.

الفيديو بدأ عادي.

راجل كبير في السن، هدومه بسيطة، داخل المطعم.

حاول يقعد.

موظفة الاستقبال وقفته.

بعدها جه المدير.

أكرم.

الراجل طلب ياكل.

لكن أكرم بدأ يضحك.

وبعدين أمر الأمن يخرجوه.

الراجل حاول يتكلم.

لكن الأمن مسكه من دراعه.

وفي الخلفية…

كان فيه زباين بيضحكوا.

سامح وقف الفيديو.

وشه اتغير.

رجع شغله تاني.

شاف كل التفاصيل.

وبعدين ظهر آخر الفيديو.

وتحته جملة واحدة:

«اسمك محفور على واجهة المطعم… واللي بيحصل جواه بيتحسب عليك.»

سامح قفل اللابتوب.

فضل ساكت شوية.

وبعدين ضغط زر الاتصال.

أحد الموظفين رد:

— «أيوه يا أستاذ سامح؟»

سامح قال:

— «مفيش تفتيش.»

— «حضرتك؟»

— «ولا حد يعرف إني نازل المطعم.»

— «بس يا فندم…»

— «قلت محدش يعرف.»

قفل.

وفي الليلة نفسها…

لبس الجاكت القديم.

ونزل من غير سواق.

من غير حراسة.

ومن غير ما يقول لأي حد هو رايح فين.

 

الساعة كانت تمانية بالليل لما وقف سامح قدام مطعم البرنس 58.

المكان كان من بره يلمع.

واجهة زجاجية ضخمة.

نجف.

عربيات فارهة.

ناس نازلة من عربياتها ببدل وفساتين غالية.

سامح بص للمكان شوية.

وبعدين بص للجاكت القديم اللي لابسه.

وابتسم.

وقال لنفسه:

— «نشوف بقى… المكان اتغير ولا أنا اللي اتغيرت؟»

دخل.

أول ما دخل…

الرؤوس كلها اتلفتت ناحيته.

موظفة الاستقبال بصت له من فوق لتحت.

بصت للجاكت.

للبنطلون.

للجزمة.

وبعدين قالت بابتسامة مصطنعة:

— «مساء الخير يا حاج.»

— «مساء النور.»

— «حضرتك جاي لمين؟»

— «جاي أتعشى.»

سكتت ثانيتين.

وبعدين قالت:

— «أعتقد حضرتك غلطت في العنوان… ده مطعم مش تكية.»

سامح بص لها بهدوء.

— «لا، أنا متأكد من العنوان.»

— «حضرتك معاك حجز؟»

— «لا.»

— «للأسف مفيش أماكن.»

سامح بص حواليه.

كان فيه أكتر من ترابيزة فاضية.

وأشار لواحدة جنب الشباك.

— «الحظ باين عليه معايا النهارده… الترابيزة دي فاضية أهو.»

الموظفة اتوترت.

ونادت:

— «أستاذ أكرم!»

 

خرج أكرم من ناحية الصالة.

بدلة كحلي.

ساعة ذهبية كبيرة.

شعر متسرح بعناية.

مشية فيها غرور.

بص لسامح من فوق لتحت.

وقال:

— «أهلاً يا حاج.»

— «أهلاً.»

— «المطعم هنا بالحجز المسبق.»

سامح أشار للترابيزة.

— «فيه مكان فاضي.»

أكرم ابتسم ابتسامة باردة.

— «طبعًا… دايمًا بنلاقي مكان للكل.»

وبص لموظف قريب منه وقال:

— «خده على الترابيزة اللي جنب المطبخ.»

سامح فهم الرسالة.

الترابيزة كانت في أسوأ مكان في المطعم.

جنب باب المطبخ.

جنب سلة الزبالة.

كل شوية الباب يفتح، تطلع حرارة المطبخ وريحتها تختلط بريحة القمامة.

دي ما كانتش ترابيزة زباين.

دي كانت ترابيزة العقاب.

سامح قعد.

ولا كلمة.

أكرم رمى المنيو قدامه.

— «اتفضل يا حاج.»

سامح فتح المنيو.

أكرم فضل واقف.

— «لو عايز حاجة بسيطة، عندنا شوربة عدس كويسة جدًا.»

سامح بص له.

— «لا، شكرًا.»

— «عندنا طبق رز وخضار… سعره مناسب.»

سامح قلب صفحة.

أكرم بدأ يضحك.

— «ولا إنت جاي تتفرج على المنيو؟»

سامح رفع عينه وقال:

— «هاتلي الـRib Eye.»

أكرم سكت.

— «إيه؟»

— «الـRib Eye… أغلى واحدة.»

السابق1 من 2
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button