
جوزي بص لأختي ونظرته انكسرت.. هو عارف إن أختي لو سابها في اللحظة دي مع الراجل ده وأهله، حالتها الصحية هتتدهور، وفي نفس الوقت، أختي الكبيرة وحياتها على المحك، وكرامته كراجل انداست.
جوزي مسك إيدي بقوة، وكانت إيده بتترعش من كتر الغضب، وبصلي وقال بصوت قاطع لا يقبل النقاش
امشي معايا يا سعاد.. البسي خمارك وهاتي حاجتك ويلا بينا.
أنا وقفت محتارة في نص الصالة، الموقف كان كابوس.. لو مشيت مع جوزي، أختي هيجرالها حاجة ورأسها مفتوحة، وساعتها مش هسامح نفسي طول عمري. ولو رفضت أمشي مع جوزي وقعدت عشان أختي، أنا كده بكسر كلمة جوزي وببيع كرامته قدام راجل مش محترم.
أختي وقعت على الأرض من كتر التعب والخوف، وقعدت تبكي بحرقة وتصرخ بصوت مكتوم وهي ماسكة رأسها
دماغي هتنفجر.. يا رب خذني واستريح!
أول ما أختي شالت إيدها من على رأسها ورجلها خانتها، جوز أختي نفسه اتخض ولونه اتغير، بس تكبره أعمى قلبه. جوزي بصلي وبص لأختي وهي مرمية على الأرض، ولحظة الشهامة اللي جواه غلبت كل حاجة.. قرب من أختي وشالها مع جوزها وحطوها على السرير، وجوزي بص لأحمد وقال له بصوت حاسم
أنا مش هسيب أخت مراتي تموت عشان أنت بني آدم معندكش نخوة! مراتي هتقعد هنا لحد ما تطمن عليها، وأنا مش هعتب البيت ده تاني.. بس اعلم يا أحمد، الحساب بيني وبينك مش هينتهي، واليوم اللي أخت مراتي تقف فيه على حيلها، هتعرف يعني إيه رجولة وأصول!
جوزي بصلي بصة عمري ما هنسى شكلها، وقال لي
أنا هروح يا سعاد.. خليكي مع أختك، ولما تخلصي قوليلي أبعتلك أخوكي يأخدك، رجلي مش هتطأ المكان ده تاني.
مشي جوزي وراحت قعدت جنب سرير أختي أعيط. الموقف كسر حاجة بيني وبين جوزي، وحط بيني وبين بيتي شرخ كبير، وفي نفس الوقت سابني تحت رحمة راجل معندوش ضمير.
مرت الأيام اللي بعد كده، كنت بروح لأختي وأنا قلبي مقسوم نصين. نص مع أختي اللي كانت حالتها النفسية تدهورت جداً من اللي حصل، ونصف مع جوزي اللي بقى يرجع البيت ساكت، مبيكلمنيش غير على قد السؤال والجواب. مكانش بيزعقلي، بس السكوت بتاعه كان أصعب عليا من ملايين الكلمات. كان حاسس إن كرامته اتهانت عشان خاطري، وأنا معرفتش أرد له حقه.
حماتها وأخت جوزها لما عرفوا باللي حصل، بقوا يطلعوا ويعدوا من قدام الشقة ويقولوا كلام ضايقنا كتير.
كنت بحط قطن في ودني وأدخل المطبخ أعيط في السر عشان أختي متشوفنيش. كنت بعمل الأكل وأراعي العيال وأدي لأختي علاجها في مواعيده، وأول ما يجي الليل ألم حاجتي وأمشي.
أحمد جوز أختي بقى يتجاهلني تماماً، يدخل ويخرج ولا كأني موجودة، وأوقات يتعمد يجيب أصحابه ويقعدوا في الصالة عشان يضايقني ويضايق أختي اللي محتاجة هدوء تام.
بعد أسبوعين كاملين من التعب ده، جه اليوم اللي الدكتور هيشوف فيه العملية ويشيل الغرز.
اتصلت بأخويا الصغير وجه معايا عشان يوصلنا للدكتور وما نخليها تحتاج لحد تاني.
دخلنا للدكتور، وبص على الجرح وقال الحمد لله العملية التأمت بشكل ممتاز، والجرح نضيف جداً.. أهم حاجة الفترة الجاية يبدأ العلاج الطبيعي والتغذية الكويسة، وتبعد تماماً عن أي ضغط عصبي.
أول ما سمعت الكلمة دي من الدكتور، حسيت إن جبل انشال من على صدري!
رجعت الشقة مع أختي، ولميت كل طلباتها، ونظفت البيت للمرة الأخيرة، وقعدت جنبها على السرير ومسكت إيدها.
قلت لها بصوت هادي بس مليان وجع
يا أختي يا حبيبتي.. أنتِ دلوقتي بقيتي كويسة وتقدري تحركي وتوقفي على حيلك. أنا أدّيت أمانتي قدام ربنا، ووقفت جنبك في أصعب أيام حياتك.. بس لحد هنا ودوري خلص.
أختي مسكت إيدي وبكت
يا سعاد متزعليش من اللي حصل.. أنا عارفة إنك استحملتي اللي محدش يستحمله عشاني.
قلت لها
أنا مستخسرتش فيكي صحتي ولا وقفتي، بس جوزي كرامته اتكسرت يا أختي.. وجوزك هاننا في بيته، وأنا لو فضلت عتبة البيت ده تاني هبقى برخص نفسي وبرخص جوزي اللي صانني وصانك في وقت شدتك. أنا مش هجي هنا تاني يا أختي، وحقك عليا، بس بيتي وجوزي أولى بيا دلوقتي.
حضنت أختي وبكينا إحنا الاتنين. خرجت من الشقة وأنا حاسة إن خطوتي تقيلة بس صح.
نزلت وطلعت على بيتي.. دخلت لقيت جوزي قاعد في الصالة، باصص للبيت بسكوت.
قربت منه، وقعدت تحت رجليه على الأرض، وحطيت إيدي على ركبته. بصلي باستغراب وهو ساكت.
قلت لها والدموع في عيني
أنا آسفة يا أبو عيالي.. آسفة إنك اتحطيت في موقف زي ده بسببي وبسبب أختي. أنت أثبت إنك راجل أصيل ومفيش منك. كرامتك من كرامتي يا جوزي، والبيت ده أنا حنست أختي فيه خلاص مش هدخله تاني أبداً، وحقك عليا فوق رأسي.
جوزي بصلي فترة طويلة، وبعدين رفع رأسي بإيده ومسح دموعي وقال بنبرة حنونة بس جادة
أنا مزعلتش منك يا سعاد.. أنا زعلت عليكِ وعلى أختك.. زعلت إن النخوة ضاعت عند أصحاب البيت، وإن الجدعنة بتتقابل بالجفاء. أنا سمحتلك تقعدي عشان عارف إنك لو مشيتي أختك كانت هتموت، وأنا أصلاني ميرضاش بخراب البيوت.. بس الراجل ده مالوش تعامل معايا تاني، وأنتِ أمانتك وأديتيها، ومن هنا ورايح بيتك وعيالك هما أولويتك.
مرت الأيام، وأختي بدأت تتعافى تماماً وتباشر بيتها بنفسها. جوزها لما لقى إن محدش بقى بيجي، وإن أمه وأخته مش بيساعدوها في حاجة، بدأ يفهم إنه كان غلطان، وإن الخدمة اللي كانت بتتقدم لمراته كانت شايلة عنه هم كبير.
بدأت أختي تجيلي هي وأولادها بيتي، وزارت أمي، وبقت العلاقة بيني وبين أختي أقوى من الأول بكتير.. بس بيتها؟ عمري ما حطيت رجلي فيه تاني.
وجوزي كبر في نظري مليون مرة، وعرفت إن الراجل الأصيل يبان في المواقف الصعبة، وإن صلة الرحم غالية، بس كرامة الراجل اللي صاينك هي اللي بتعيّش البيت وتثبت أركانه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



