منوعات

زهرة الربيع 2

كان أول مرة أشوفه بيعمل حاجة من غير ما يستنى مقابل.

بعد سنة، البيت اتغير تمامًا.

وفاء بدأت مشروع صغير من البيت.

عصام ساعدها من غير ما يتحكم فيها.

وأنا بقيت أتعلم كل يوم إزاي أكون أم للاتنين من غير تفضيل.

وفي يوم، وفاء دخلت عليا وقالت:

ـ ماما.

ـ نعم؟

ـ أنا اتقدمتلي عريس.

قلبي اتقبض.

ـ مين؟

ضحكت.

ـ ليه خايفة؟

قلت:

ـ علشان المرة دي القرار قرارك.

قالت:

ـ عارفة.

ـ وهو كويس؟

ـ كويس.

ـ وإنتي عايزاه؟

هزت راسها.

ـ أيوه.

قلت:

ـ يبقى ربنا يكتبلك الخير.

وفجأة عصام دخل.

ـ مين العريس؟

وفاء بصتله.

ـ إيه دخلك؟

ضحك.

ـ ولا حاجة.

ـ متدخلش.

ـ حاضر.

قعد.

ـ بس لو عايز رأيي…

وفاء قاطعته:

ـ مش عايزة.

ضحك.

ـ خلاص.

أنا ضحكت.

ولأول مرة، البيت اللي كان زمان مليان خوف، بقى مليان هزار.

لكن قبل ما اليوم يخلص، وفاء دخلت أوضتها وطلعت صورة قديمة لأبوها.

حطتها على السفرة.

وقعدت قدامها.

أنا قعدت جنبها.

قالت:

ـ كان نفسه يشوف اليوم ده.

قلت:

ـ أكيد شايفنا.

ابتسمت.

ـ فاكرة أول مرة شعري ابيض؟

قلبي اتقبض.

ـ متفكرينيش.

قالت:

ـ أنا مش زعلانة من شعري.

بصيتلها.

ـ مش زعلانة؟

ـ لأ.

ـ ليه؟

قالت:

ـ لأنه بيفكرني بحاجة.

ـ بإيه؟

ـ إن الإنسان ممكن يتكسر جدًا…

وسكتت.

ـ لكن لو لحق نفسه، ممكن يبدأ يعيش من جديد.

حطيت إيدي على إيدها.

ـ وأنا؟

بصتلي.

ـ إنتي لسه قدامك وقت تصلحي اللي تقدري عليه.

ـ هتفضلي بنتي؟

ضحكت.

ـ هو أنا كنت بطلت؟

حضنتها.

وفجأة سمعت عصام من المطبخ بيزعق:

ـ يا جماعة! مين حط السكر في علبة الملح؟

ضحكنا كلنا.

ولأول مرة من سنين، ضحكت وأنا مش خايفة من بكرة.

لأن البيت اللي كان شاهد على ظلمنا…

بقى شاهد على إن الإنسان ممكن يعترف بغلطه، ويغير نفسه، ويطلب السماح، ويبدأ من جديد.

أما وفاء…

ففضل شعرها أبيض.

لكنها عمرها ما غطته تاني.

كانت بتقول:

“ده مش شعر الست اللي اتظلمت زمان… ده شعر الست اللي نجت وقررت تكمل حياتها.”

مرت السنين، وكل واحد فينا بدأ يعيش حياته من جديد.

وفاء اتجوزت الراجل اللي اختارته بنفسها، وعاشت في بيت قريب مننا. كانت كل ما تيجي تزورني، تدخل من الباب من غير ما تخبط، زي زمان، لكن الفرق إن البيت المرة دي كان بيتها فعلًا، ومفيش حد يقدر يقول لها كلمة واحدة تخوفها أو تقلل منها.

أما عصام، فكان أكتر واحد اتغير.

مكنش التغيير حصل في يوم وليلة، لكنه كل يوم كان بيحاول يثبت إنه مش نفس الشخص اللي قفل على أخته باب المخزن.

مرة قال لي:

ـ عارفة يا أمي؟ أنا كل ما أفتكر اليوم ده بحس إني مش عارف كنت بفكر إزاي.

قلت له:

ـ المهم إنك عرفت.

قال:

ـ لأ، المهم إني ما أنساش.

وفعلًا ما نسيش.

كان كل ما يشوف واحدة بتتعرض للظلم في شغله أو وسط معارفه، يتدخل بكلمة حق، من غير ضرب ولا صوت عالي ولا استقواء.

أما أنا، فكنت كل ما أشوف وفاء بشعرها الأبيض، أحس إن اللون ده بقى جزء من حكايتي أنا كمان.

مرة سألتني:

ـ ماما، لسه بتزعلي لما تبصي لشعري؟

قلت:

ـ كل يوم.

ضحكت.

ـ ليه؟

قلت:

ـ علشان كل شعرة بيضا فيه بتفكرني بحاجة كان لازم أحميكي منها.

مسكت إيدي وقالت:

ـ بس إنتي اتغيرتي.

قلت:

ـ بعد فوات الأوان.

ردت:

ـ المهم إنك ما فضلتيش زي ما إنتي.

الكلمة دي كانت كفاية بالنسبة لي.

وفي يوم، كنت قاعدة معاها في البلكونة، وعصام كان بيهزر معانا من جوه، فبصيت لها وقلت:

ـ فاكرة أول يوم خرجتي فيه من المخزن؟

سكتت شوية.

ـ أيوه.

ـ وأنا عمري ما هنساه.

قالت:

ـ وأنا كمان.

ـ كنتي بتكرهينا؟

بصتلي.

ـ وقتها؟

هزت راسها.

ـ أيوه.

نزلت عيني.

لكنها كملت:

ـ بس دلوقتي لأ.

بصيت لها.

ـ ليه؟

ابتسمت.

ـ علشان الإنسان مش لازم يفضل طول عمره أسير أسوأ يوم في حياته.

وسكتت لحظة.

ـ لو فضلت أكرهكم، كنت هفضل محبوسة في المخزن حتى وأنا بره.

الكلمة دي فضلت جوايا.

وفهمت وقتها إن وفاء مكنتش خرجت من المخزن يوم عصام فتح الباب.

هي خرجت منه يوم قررت إنها متخليش اللي حصل لها يحدد بقية عمرها.

أما أنا…

ففضلت طول عمري فاكرة إن أكبر غلطة عملتها كانت إني فضلت عصام على وفاء.

لكن الحقيقة كانت أكبر من كده.

أنا غلطت يوم صدقت إن حب الولد معناه أدلعه على حساب أخته.

وغلطت يوم خليت كلمة “ده أخوكي” تتحول في بيتي من معنى السند إلى معنى الخوف.

وغلطت أكتر يوم شفت بنتي بتتوجع وفضلت ساكتة.

بس ربنا اداني فرصة أصلح جزء من اللي عملته.

مش كل حاجة بتتصلح.

ومش كل جرح بيرجع زي الأول.

لكن أوقات الاعتراف بالغلط، والوقوف جنب اللي ظلمته، وعدم تكرار الظلم، بيكونوا بداية حقيقية للتوبة والإصلاح.

وفاء عمرها ما نسيت اللي حصل.

وعصام عمره ما طلب منها تنسى.

وأنا عمري ما طلبت منها تسامحني بسرعة.

سيبت الأيام تعمل اللي أنا مقدرتش أعمله.

وفي آخر مرة كنا قاعدين فيها كلنا على السفرة، بصيت لوفاء وهي بتضحك، وبصيت لعصام وهو بيحاول يضحكها، وحمدت ربنا.

مش علشان نسينا.

لكن علشان اتعلمنا.

وقبل ما نقوم من على السفرة، وفاء قامت وجابت صورة أبوها وحطتها قدامنا.

وقالت:

ـ لو كان بابا موجود، كان هيبقى مبسوط.

عصام قال:

ـ كان هيزعقلي الأول.

ضحكت وقالت:

ـ أكيد.

ضحكنا كلنا.

وأنا بصيت للصورة وقلت في سري:

“سامحني… أنا فهمت كلامك متأخر.”

وفاء سمعتني، ومدت إيدها ومسكِت إيدي.

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also
Close
Back to top button