روايات وقصص

روحت أخطب لإبنى 2 زهرة الربيع

 

ـ الموضوع يخصني.

 

بابا بص لي طويلًا.

 

ـ إنتِ مش عارفة إنتِ داخلة على إيه.

 

ـ ولا إنت عارف.

 

سكت.

 

عمي محمود قال:

 

ـ سالم، خليها تيجي.

 

بابا بص له.

 

ـ إنت كمان؟

 

ـ أيوه.

 

ـ ليه؟

 

ـ لأن كفاية أسرار.

 

بابا قعد.

 

ـ خلاص.

 

بص لي.

 

ـ بس تسمعي وبس.

 

ـ موافقة.

 

في اليوم التالي، اتفقنا نقابله في مكان عام.

 

مطعم هادي.

 

مش عشان فيه حاجة خطيرة.

 

لكن لأن بابا كان عايز الكلام يبقى قدامنا كلنا.

 

وصلنا قبل الموعد.

 

قعدنا.

 

بعد عشر دقائق، دخل رجل في أواخر الثلاثينات.

 

بص حوالين المكان.

 

ولما شافنا، وقف لحظة.

 

أنا عرفته فورًا.

 

كان هو نفس الشخص اللي قابلته قبل الخطوبة.

 

مشى ناحية الترابيزة.

 

بص لي مباشرة.

 

وقال:

 

ـ إنتِ علياء؟

 

ـ أيوه.

 

سكت ثواني.

 

وبعدين قال:

 

ـ كنت عارف إن اليوم ده هييجي.

 

بابا قال:

 

ـ اقعد يا ياسين.

 

قعد.

 

أنا قلت:

 

ـ إنت ليه بعت لي؟

 

بص لي.

 

ـ لأن أبوكي خبّى عنك حاجة سنين.

 

بابا قال:

 

ـ إنت مش من حقك تدخل في حياتها.

 

ياسين رد بهدوء:

 

ـ أنا مش داخل في حياتها.

 

وبعدين حط ظرف على الترابيزة.

 

ـ أنا جاي أديها ده.

 

أنا بصيت للظرف.

 

ـ إيه ده؟

 

ـ جواب من أمي.

 

بابا اتوتر.

 

ـ قلت لك مفيش داعي.

 

ياسين قال:

 

ـ المرة دي مش هسمع كلامك.

 

أنا مسكت الظرف.

 

ـ مكتوب فيه إيه؟

 

ـ مش عارف.

 

ـ إنت ما قريتهوش؟

 

ـ لأ.

 

ـ ليه؟

 

ـ لأنها قالت لي ما أفتحهش.

 

بصيت لأبويا.

 

ـ هي أمه؟

 

ياسين هز رأسه.

 

ـ أمي كانت تعرف أختك.

 

أنا تجمدت.

 

ـ تعرف أختي؟

 

ـ أيوه.

 

ـ كانت تعرفها إزاي؟

 

ياسين قال:

 

ـ لأن أمي كانت موجودة يوم حصلت الحكاية.

 

بابا قام فجأة.

 

ـ كفاية.

 

أنا بصيت له.

 

ـ لأ.

 

ياسين قال:

 

ـ خليها تعرف.

 

بابا وقف.

 

أنا فتحت الظرف.

 

طلعت ورقة واحدة.

 

بدأت أقرأ.

 

أول سطر خلاني أوقف.

 

كان مكتوب:

 

“يا علياء، لو وصل لك الجواب ده، يبقى أبوكي أخيرًا اضطر يقول لك إن أختك ما ماتتش بالطريقة اللي قالها لك…”

 

إيدي بدأت تترعش.

 

رفعت عيني لأبويا.

 

ـ يعني إيه؟

 

بابا ما ردش.

 

بصيت لياسين.

 

هو نفسه كان باصص للورقة بذهول.

 

قلت:

 

ـ إنت كنت تعرف؟

 

هز رأسه بسرعة.

 

ـ لأ.

 

رجعت أقرأ.

 

لكن قبل ما أكمل، بابا مد إيده وخطف الورقة مني.

 

صرخت:

 

ـ بابا!

 

قال بصوت متوتر:

 

ـ مش دلوقتي.

 

ـ لأ، دلوقتي!

 

ـ علياء، اسمعيني.

 

ـ أختي عايشة؟

 

سكت.

 

ـ بابا!

 

عينيه امتلأت بالدموع.

 

وقال بصوت منخفض:

 

ـ أنا مش عارف.

 

ـ مش عارف؟

 

ـ آخر مرة شفتها…

 

وسكت.

 

ـ كانت عايشة.

 

المكان كله سكت.

 

أنا حسيت إن نفسي اتقطع.

 

ـ آخر مرة شفتها إمتى؟

 

بابا بص للأرض.

 

ـ من أكتر من عشرين سنة.

 

ـ وكانت فين؟

 

ما ردش.

 

ـ كانت فين يا بابا؟

 

رفع عينه لي.

 

وقال جملة واحدة قلبت كل حاجة:

 

ـ في نفس البيت اللي عاشت فيه واحدة من العيلتين سنين… والبيت ده أنا عمري ما قلت لك إنه كان موجود أصلًا.ـ البيت ده موجود فين يا بابا؟

 

السؤال خرج مني وأنا مش قادرة أستوعب أي حاجة.

 

بابا فضل ساكت.

 

ياسين كان باصص له هو كمان، وعمي محمود واقف جنبي مش عارف يتدخل ولا يسأل.

 

رجعت قلت:

 

ـ أنا بسألك البيت ده فين؟

 

بابا أخد نفس طويل وقال:

 

ـ في بلدنا القديمة.

 

ـ البيت اللي كنا عايشين فيه زمان؟

 

ـ لأ.

 

ـ أمال إيه؟

 

ـ بيت جدتك.

 

سكت.

 

ـ بيت جدتي؟

 

ـ أيوه.

 

ـ بس إحنا بعنا البيت ده من سنين.

 

ـ بعناه.

 

ـ يعني أختي كانت هناك؟

 

ـ لفترة.

 

ـ وبعدها؟

 

بابا حط إيده على وشه.

 

ـ بعدها حصلت مشاكل كتير.

 

ـ مشاكل إيه؟

 

ـ أمك كانت تعبانة، وأنا كنت مسافر شغل، وجدتك كانت بتقول إن البيت مش مناسب للأطفال، وأختك كانت صغيرة جدًا.

 

ـ وبعدين؟

 

ـ حصل خلاف بيني وبين جدك.

 

ـ على إيه؟

 

ـ على إن أختك تفضل معاه فترة.

 

ـ وليه؟

 

ـ لأن ظروفنا وقتها كانت صعبة.

 

ـ وأنا؟

 

ـ كنتِ لسه مولودة.

 

ـ وأختي؟

 

ـ كانت أكبر منك بسنة.

 

بدأت الصورة تتجمع ببطء.

 

مش وفاة.

 

مش اختفاء.

 

مش قصة غريبة.

 

مجرد عيلة اتخانقت، وطفلة اتنقلت من بيت لبيت، وبعدها السنين جريت وكل واحد بدأ يحكي الحكاية بطريقة مختلفة.

 

لكن كان لسه فيه سؤال واحد.

 

ـ لو أختي كانت عايشة، راحت فين؟

 

بابا بص لي.

 

ـ اتربت بعيد عننا.

 

ـ مع مين؟

 

ـ مع ناس من قرايبنا.

 

ـ مين؟

 

ـ خالتك.

 

أنا اتصدمت.

 

ـ خالتي؟

 

ـ أيوه.

 

ـ بس خالتي عايشة في إسكندرية!

 

ـ عشان كده.

 

ـ يعني إيه؟

 

ـ لأن بعد ما انتقلنا من البلد، هي أخدتها معاها.

 

ـ وإنت وافقت؟

 

ـ كنت فاكر إنها هترجع.

 

ـ وإنت سبت بنتك عند أختك؟

 

ـ كان المفروض كام شهر.

 

ـ وبقوا سنين؟

 

بابا هز رأسه.

 

ـ أيوه.

 

عمي محمود قال:

 

ـ طب ليه قلت لها إنها ماتت؟

 

بابا سكت.

 

وبعدين قال:

 

ـ أنا ما قلتش لها.

 

بصيت له.

 

ـ مين قال لي؟

 

ـ جدتك.

 

ـ يعني جدتي كانت عارفة؟

 

ـ أيوه.

 

ـ وماما؟

 

ـ كانت عارفة.

 

ـ وكل الناس كانت عارفة وأنا لأ؟

 

بابا دمعت عينه.

 

ـ لأنهم كانوا فاكرين إنك لما تكبري هتعرفي.

 

ـ وأنا كبرت من إمتى؟

 

ما ردش.

 

ـ أنا اتخرجت، واشتغلت، وكبرت، واتقدمت لي عرسان، واترفضوا، واتعملت لي خطوبة، وكل ده وأنا ما أعرفش إن عندي أخت!

 

ياسين قال بهدوء:

 

ـ أنا كنت فاكر إنها ماتت.

 

بصيت له.

 

ـ إنت؟

 

ـ أيوه.

 

ـ أمك قالت لك إيه؟

 

ـ قالت لي إن أختك ماتت وهي صغيرة.

 

ـ طب ليه الرسالة بتقول غير كده؟

 

ياسين بص لأبوه.

 

ـ عشان أمي كانت شاكة.

 

ـ في إيه؟

 

ـ إنها ما ماتتش.

 

بابا قال:

 

ـ هي كانت تعرف إنها عايشة.

 

ياسين اتصدم.

 

ـ إنت كنت عارف؟

 

ـ عرفت بعد سنين.

 

ـ وما قلتش؟

 

ـ كنت خايف.

 

أنا بصيت له.

 

ـ من إيه؟

 

ـ من إننا نفتح الماضي كله.

 

قلت:

 

ـ الماضي اتفتح.

 

بابا هز رأسه.

 

ـ عارف.

 

وبعدين طلع من جيبه ورقة صغيرة.

 

ـ دي عنوان.

 

مدها لي.

 

بصيت.

 

كان مكتوب اسم شارع في الإسكندرية.

 

وتحت الاسم اسم امرأة.

 

“مريم سالم.”

 

سكت.

 

ـ مين مريم؟

 

بابا قال:

 

ـ أختك.

 

أنا حسيت إن قلبي وقف لحظة.

 

ـ اسمها مريم؟

 

ـ أيوه.

 

ـ وهي عايشة؟

 

ـ آخر خبر وصلني إنها عايشة.

 

ـ وآخر خبر ده من إمتى؟

 

ـ من حوالي ست شهور.

 

بصيت له بذهول.

 

ـ يعني إنت عارف من ست شهور؟

 

ـ أيوه.

 

ـ وعملت إيه؟

 

ـ ما عملتش حاجة.

 

ـ ليه؟

 

ـ خوفت.

 

ـ من إيه؟

 

ـ من رد فعلها.

 

ـ هي اللي المفروض تخاف من رد فعلنا؟

 

بابا سكت.

 

عمي محمود قال:

 

ـ لازم تروحوا لها.

 

بصيت له.

 

ـ دلوقتي؟

 

ـ أيوه.

 

بابا قال:

 

ـ مش هقدر.

 

ـ ليه؟

 

ـ مش قادر أقابلها.

 

ـ وإنت كنت قادر تسيبها عشرين سنة؟

 

بابا بكى.

 

أول مرة أشوف أبويا بيعيط بالشكل ده.

 

قال:

 

ـ أنا غلطت.

 

قعدت جنبه.

 

ـ طب أصلح غلطك.

 

رفع عينه لي.

 

ـ تفتكري هتسامحني؟

 

ـ معرفش.

 

ـ وأنا خايف إنها ما تسامحنيش.

 

ـ يبقى على الأقل خليها تعرف الحقيقة.

 

سكت.

 

وبعدين قال:

 

ـ خدي العنوان.

 

أخدته.

 

في اليوم التالي، أنا وعمي محمود وياسين رحنا إسكندرية.

 

بابا رفض ييجي.

 

قال إنه هيستنانا.

 

طول الطريق، كنت ساكتة.

 

كنت بتخيل شكل أختي.

 

هل شبه ماما؟

 

هل شبه بابا؟

 

هل بتحب نفس الحاجات اللي بحبها؟

 

هل عارفة إن عندها أخت؟

 

ولما وصلنا للعنوان، وقفت قدام العمارة.

 

طلعت السلم.

 

كل خطوة كنت حاسة إنها بتقربني من حاجة عمري كله ما كنت أعرف إنها موجودة.

 

خبطنا.

 

فتحت لنا ست في أواخر الثلاثينات.

 

بصت لنا.

 

ـ مين؟

 

أنا اترددت.

 

وبعدين قلت:

 

ـ حضرتك مريم؟

 

وشها اتغير.

 

ـ أيوه.

 

أنا بصيت لها.

 

كان في حاجة في ملامحها مألوفة بشكل غريب.

 

نفس عيون أمي.

 

نفس ابتسامة بابا.

 

نفس طريقة رفع الحاجب لما تستغرب.

 

هي نفسها كانت بتبص لي وكأنها بتحاول تفتكرني.

 

قالت:

 

ـ إنتِ مين؟

 

دموعي نزلت.

 

ـ أنا علياء.

 

وشها اتجمد.

 

ـ علياء؟

 

هزيت رأسي.

 

ـ أيوه.

 

فتحت الباب أكتر.

 

ـ ادخلي.

 

دخلنا.

 

قعدت قدامها.

 

فضلنا نبص لبعض.

 

وبعدين قالت:

 

ـ كنت عارفة إنك هتيجي.

 

أنا اتفاجئت.

 

ـ إزاي؟

 

ـ لأن أبوكي اتصل بيا من كام شهر.

 

ـ كلمك؟

 

ـ أيوه.

 

ـ وقال لك إيه؟

 

ـ قال لي إنه عايز يصلح حاجات قديمة.

 

سكت.

 

ـ طب ليه ما جيتيش؟

 

ابتسمت بحزن.

 

ـ كنت مستنية هو ييجي.

 

ـ وإنتِ عارفة إني موجودة؟

 

ـ من زمان.

 

أنا اتصدمت.

 

ـ من زمان قد إيه؟

 

ـ من يوم ما كنتِ في المدرسة.

 

ـ يعني إنتِ كنتِ تعرفيني؟

 

ـ كنت بشوفك من بعيد.

 

ـ ليه؟

 

ـ لأن جدتنا كانت بتقول إن الوقت لسه مش مناسب.

 

أنا حسيت بوجع.

 

ـ كل الناس كانت عارفة وأنا لأ.

 

مريم مدت إيدها.

 

ـ أنا كمان كنت محرومة منك.

 

مسكت إيدها.

 

أول ما لمستها، حسيت بحاجة غريبة.

 

مش إحساس خيالي.

 

بس إحساس إن الشخص اللي قدامي قريب مني بشكل مش محتاج تفسير.

 

قعدنا ساعات بنتكلم.

 

عرفت إنها درست تمريض، واتجوزت فترة قصيرة وانفصلت من غير أولاد، وعاشت حياتها كلها تقريبًا وهي عارفة إن ليها أخت اسمها علياء.

 

قالت لي:

 

ـ كنت بسمع أخبارك من خالتي.

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button