روايات وقصص

روحت أخطب لإبنى 2 زهرة الربيع

ـ وأنا ولا مرة سمعت اسمك.

 

ـ عشانهم كانوا خايفين.

 

ـ من إيه؟

 

ـ من إننا نرجع لبعض ونفتح مشاكل الأرض القديمة.

 

أنا ضحكت بمرارة.

 

ـ يعني حتى حياتنا كانت مربوطة بالأرض؟

 

قالت:

 

ـ الأرض كانت سبب الخلاف، بس مش سبب البعد.

 

ـ أمال إيه السبب؟

 

مريم سكتت.

 

ـ الخوف.

 

ـ خوف مين؟

 

ـ كل الكبار.

 

قالت إن جدي كان عايز يحتفظ بالأرض، وإن أبويا كان شايف إن الخلاف هيفرق العيلة، وإن بعد وفاة جدتي حصلت خلافات أكتر، وكل واحد بدأ يبعد.

 

لكن أهم حاجة قالتها كانت:

 

ـ كارم ملوش علاقة بكل ده.

 

ضحكت.

 

ـ عارفة.

 

ـ وحسام؟

 

ـ كان مجرد شخص اتقدم لي.

 

ـ وإنتِ كنتِ بتحبيه؟

 

ـ مش عارفة.

 

مريم ابتسمت.

 

ـ أهم حاجة إنك دلوقتي عندك فرصة تختاري.

 

الجملة دي فكرتني بكل اللي حصل.

 

رجعنا البيت بعد يومين.

 

وأول ما دخلت، لقيت بابا مستنيني.

 

بص لي.

 

وبعدين قال:

 

ـ لقيتيها؟

 

قلت:

 

ـ أيوه.

 

دموعه نزلت قبل ما أقول أي كلمة.

 

قربت منه.

 

ـ هي مش زعلانة منك زي ما إنت متخيل.

 

رفع عينه.

 

ـ قالت لك كده؟

 

ـ قالت إنها كانت مستنياك.

 

بابا غطى وشه.

 

ـ أنا خسرت سنين.

 

ـ أيوه.

 

ـ ينفع أرجعهم؟

 

ـ لأ.

 

ـ طب أعمل إيه؟

 

ـ ابدأ من النهارده.

 

بعد أسبوع، بابا راح إسكندرية.

 

قابل مريم.

 

وأنا كنت معاهم.

 

كان اللقاء صعب جدًا.

 

في البداية ما عرفش يقول كلمة.

 

مريم هي اللي قالت:

 

ـ إنت كبرت.

 

بابا ضحك وهو بيعيط.

 

ـ وإنتِ بقيتي شبه أمك.

 

حضنها.

 

وأنا وقفت بعيد.

 

مشهد بسيط جدًا.

 

مفيهوش صراخ.

 

ولا أسرار جديدة.

 

بس كان فيه شيء أهم.

 

ناس بتصلح حاجة اتكسرت من سنين.

 

بعدها، موضوع الأرض اتحل بطريقة هادية.

 

طلع إن الأوراق القديمة لا تمنح أي طرف حقًا بالشكل اللي كانوا فاكرينه، وإن جزءًا من الخلاف كان بسبب مستندات ناقصة وتفسيرات قديمة.

 

اتفقنا نبيع الجزء المختلف عليه، وكل واحد ياخد حقه، والباقي يتقسم بين أفراد العيلة.

 

ولأول مرة، الأرض اللي فرقتنا سنين، بقت سبب إننا نقفل الخلاف.

 

أما كارم، فكان أول واحد يزور مريم.

 

وقف قدامها وقال:

 

ـ أنا آسف عن كل اللي حصل في يوم الخطوبة.

 

مريم ابتسمت.

 

ـ إنت مالك؟

 

ـ كنت سبب في وجع علياء.

 

ـ علياء اختارت تسامحك.

 

ـ وأنا مش ناسي.

 

ـ يبقى اتعلم.

 

كارم هز رأسه.

 

وكان واضح إنه اتعلم فعلًا.

 

بعد فترة، اتجوز نورهان.

 

لكن قبل ما يتجوز، جه لي وقال:

 

ـ بابا، أنا عايز أقول لك حاجة.

 

ـ قول.

 

ـ أنا كنت فاكر إن الحرية معناها أعمل اللي أنا عايزه.

 

ـ ودلوقتي؟

 

ـ دلوقتي عرفت إن الحرية معناها أتحمل نتيجة اللي أعمله.

 

ابتسمت.

 

ـ كويس.

 

ـ وعلياء؟

 

ـ مالها؟

 

ـ هي بخير؟

 

ـ أيوه.

 

ـ اتكلمت مع حسام؟

 

ـ أيوه.

 

ـ وهتتجوزه؟

 

ضحكت.

 

ـ مش عارفين.

 

وكان فعلًا مفيش استعجال.

 

علياء وحسام أخدوا وقتهم.

 

اتكلموا، واتعرفوا على بعض من جديد، بعيد عن وعود الآباء، وبعيد عن ضغط العيلة.

 

وفي الآخر، بعد شهور، علياء قالت لنا:

 

ـ أنا موافقة.

 

سالم سألها:

 

ـ متأكدة؟

 

ضحكت.

 

ـ لأول مرة في حياتي، أيوه.

 

اتجوزت حسام في فرح بسيط.

 

مريم كانت موجودة.

 

بابا كان واقف جنبها.

 

وأنا وسالم كنا واقفين جنب بعض.

 

ولما علياء دخلت، سالم بص لي.

 

قال:

 

ـ فاكر أول مرة وعدنا بعض؟

 

ضحكت.

 

ـ فاكر.

 

ـ كنت فاكر إننا بنضمن مستقبلهم.

 

ـ وإحنا كنا بنأجل حياتهم.

 

هز رأسه.

 

ـ الحمد لله إننا فهمنا قبل فوات الأوان.

 

بعد الفرح بأيام، كنت قاعدة مع علياء.

 

قلت لها:

 

ـ عارفة أكتر حاجة وجعتني في الحكاية كلها؟

 

قالت:

 

ـ إيه؟

 

ـ إنك كنتِ مستعدة تتجوزي كارم لأنك اتعودتي على الفكرة، مش لأنك اخترتيه.

 

ابتسمت.

 

ـ وأكتر حاجة أنقذتني؟

 

ـ إيه؟

 

ـ إن كارم قال الحقيقة في الآخر.

 

ضحكت.

 

ـ حتى لو طريقته كانت كارثية.

 

ضحكت هي كمان.

 

ـ جدًا.

 

سكتنا شوية.

 

وبعدين قالت:

 

ـ بس لو ما دخلش نورهان يوم الخطوبة…

 

ـ كان إيه اللي هيحصل؟

 

ـ كنت هفسخ الخطوبة بنفسي.

 

ـ يعني إنتِ كنتِ مجهزة؟

 

ـ أيوه.

 

ـ طب ليه ما قلتيش؟

 

ـ كنت خايفة أكون بظلمه من غير سبب.

 

ـ ولما دخل بنورهان؟

 

ـ عرفت إن السبب موجود.

 

بصيت لها.

 

ـ وإنتِ كنتِ عارفة عن حسام؟

 

ـ أيوه.

 

ـ وكنتِ هتختاريه؟

 

ـ كنت هدي نفسي فرصة أعرفه الأول.

 

ـ وعملتي كده؟

 

ـ أيوه.

 

ـ وطلع كويس؟

 

ابتسمت.

 

ـ طلع إنسان.

 

ضحكت.

 

ـ يعني إيه؟

 

ـ يعني مش فارس أحلام ولا حاجة.

 

ـ أمال؟

 

ـ عادي.

 

ـ عادي؟

 

ـ أيوه. بيختلف، ويزعل، ويتضايق، بس بيتكلم. وأنا دي أول مرة أحس إن ده أهم من أي حاجة.

 

وفي يوم من الأيام، كنا كلنا متجمعين.

 

أنا، سالم، مريم، علياء، حسام، كارم، نورهان.

 

البيت كان مليان كلام وضحك.

 

بصيت حواليّا.

 

نفس العيلة اللي كانت من سنة واحدة بس متفرقة بسبب وعد قديم، قاعدة دلوقتي مع بعض.

 

سالم قال:

 

ـ ناقص حاجة واحدة.

 

قلت:

 

ـ إيه؟

 

طلع ورقة قديمة من درج.

 

كلنا بصينا له.

 

قال:

 

ـ الورقة دي لازم تتخلص.

 

علياء ضحكت.

 

ـ ارميها.

 

سالم بص لي.

 

ـ ولا نخليها ذكرى؟

 

مريم قالت:

 

ـ خلوها ذكرى.

 

كارم قال:

 

ـ بس بشرط.

 

ـ إيه؟

 

ـ نكتب عليها من وراها.

 

ناولني القلم.

 

قلت:

 

ـ نكتب إيه؟

 

كارم ابتسم.

 

ـ “ممنوع اتخاذ أي قرار يخص أولادنا من غير ما نسألهم.”

 

ضحكنا كلنا.

 

وكتبناها.

 

وبعدها احتفظنا بالورقة.

 

مش عشان نعيش أسرى للماضي.

 

لكن عشان نفتكر.

 

نفتكر إن أحيانًا الحب الزائد ممكن يتحول لضغط.

 

وإن خوف الأب على بنته ممكن يخليه يمنع عنها حاجات هي أصلًا قادرة تختارها.

 

وإن الوعد، مهما كان جميلًا، ما ينفعش يبقى أقوى من رغبة الإنسان في حياته.

 

أما كارم، فبقى يضحك لما نفتكر يوم الخطوبة.

 

مرة قال لي:

 

ـ بابا، أنا لحد دلوقتي مش مصدق إني دخلت البيت يومها ماسك نورهان في إيدي.

 

قلت له:

 

ـ وأنا لحد دلوقتي مش مصدق إني ما طردتكش من البيت بعدها.

 

ضحك.

 

ـ كنت هتعمل إيه؟

 

ـ كنت هسيبك تنام عند عمك.

 

سالم من بعيد قال:

 

ـ وأنا كنت هخليه ينام عندي بس على الكنبة.

 

ضحكنا كلنا.

 

وفي آخر الليل، بعد ما الناس مشيت، فضلت واقف في البلكونة.

 

بصيت للشارع.

 

افتكرت اليوم اللي بدأت فيه الحكاية.

 

افتكرت وعدي أنا وسالم.

 

افتكرت علياء وهي واقفة قدام كارم يوم الخطوبة.

 

افتكرت الجملة اللي قالتها:

 

“الوعد كان بينكم، مش بيني وبين كارم.”

 

وقتها كنت فاكرها مجرد جملة قالتها وهي موجوعة.

 

لكن بعد كل اللي حصل، فهمت إنها كانت أهم جملة في الحكاية كلها.

 

لأننا فعلًا كنا عايشين على وعد إحنا عملناه.

 

وهم كانوا بيدفعوا تمنه.

 

كارم اختار طريقه.

 

علياء اختارت طريقها.

 

مريم رجعت لأهلها بعد سنين.

 

وسالم اتعلم إن حماية أولاده مش معناها إنه يقرر مكانهم.

 

وأنا اتعلمت إن الأب والأم والأخ والأخت ممكن يحبوا بعض جدًا، ومع ذلك يخطئوا في حق بعض من غير قصد.

 

وأحيانًا، تصحيح الغلط مش محتاج معجزة.

 

محتاج بس شجاعة إنك تقول:

 

“أنا غلطت.”

 

وبعدين تبدأ تصلح.

 

وبعد شهور، في يوم عادي جدًا، كنت داخل البيت، لقيت علياء قاعدة مع مريم في الصالة.

 

مريم كانت ماسكة ألبوم صور قديم.

 

علياء قالت لي:

 

ـ تعالى شوف.

 

قربت.

 

فتحت صورة.

 

كانت صورتي أنا وسالم وإحنا شباب.

 

ضحكت.

 

ـ الصورة دي هي اللي بدأت كل الحكاية.

 

مريم قالت:

 

ـ لأ.

 

ـ أمال إيه؟

 

مريم قلبت الصفحة.

 

وكانت هناك صورة قديمة لطفلتين صغيرتين.

 

أنا وعلياء.

 

وفي الصورة كانت أختي مريم واقفة جنبنا.

 

أنا بصيت للصورة.

 

ـ مريم… دي إنتِ؟

 

ضحكت.

 

ـ أيوه.

 

ـ يعني إحنا اتصورنا مع بعض؟

 

ـ أيوه.

 

ـ وأنا كنت عارفة إنك أختي؟

 

ـ لا.

 

ضحكنا.

 

وبعدين مريم قالت:

 

ـ يمكن ربنا كان مخلي الصورة دي موجودة عشان نفتكر إننا كنا عيلة من البداية.

 

سكت.

 

بصيت للصورة طويلًا.

 

وفهمت إن الحكاية كلها ما كانتش عن خطوبة اتلغت.

 

ولا عن ابن اختار بنت تانية.

 

ولا عن ورقة قديمة.

 

الحكاية كانت عن ناس افتكروا إنهم يقدروا يكتبوا مستقبل أولادهم، وبعدين اكتشفوا إن لكل إنسان طريق لازم يمشيه بنفسه.

 

وأكتر حاجة أسعدتني إن النهاية ما كانتش إن حد كسب وحد خسر.

 

النهاية كانت إن كل واحد رجع لمكانه الحقيقي.

 

كارم اختار نورهان.

 

علياء اختارت حسام.

 

مريم رجعت لعيلتها.

 

وسالم رجع لأبوته من غير سيطرة.

 

وأنا رجعت لأخويا من غير وعود.

 

ومن يومها، كل ما حد في العيلة يقول:

 

“أنا وعدت.”

 

نضحك ونرد عليه:

 

“وعد مين؟ اسأل صاحبه الأول.”

 

لأننا أخيرًا فهمنا إن أجمل حاجة ممكن نعملها للي بنحبهم، مش إننا نرسم لهم حياتهم…

 

لكن إننا نديهم مساحة يرسموها بنفسهم.

3 من 3التالي
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button