
قبل ما ألحق أرد، يوسف شد إيدي بالراحة.
”خلاص يا ماما، مش مشكلة.”
الأربع كلمات دول وجعوني أكتر من أي حاجة لمياء قالتها.
عشان الموضوع ما كانش عادي خالص.
هو حس بكسفة وإهانة.
وبدل ما يطلب من الكبار يوفوا بوعدهم، كان بيحاول يصغر نفسه ويختفي عشان محدش غيره يحس بإحراج.
في الوقت ده أمي خرجت وهي لابسة نظارة شمس ونظارة بحر كبيرة.
”فيه إيه؟ مالكم؟”
”لمياء بتقول يوسف مش هيعرف يجي عشان مفيش مكان.”
أمي بصت جوة العربية.
عينها عدت مباشرة على التلات كراسي الفاضيين.
لثانية واحدة، افتكرت إنها هتقف جنبه وستدافع عنه.
بدل ده، لفت لـ يوسف وقالت:
”معلش يا حبيبي.. المرة الجاية بقى!”
بصيت لأمي بذهول.
”يا ماما، لمياء هي اللي عزماه بنفسها! ده صاحي ومتحمس طول الأسبوع!”
أمي ظبطت البرنيطة بتاعتها.
”مش مستاهلة تعملي هيصة وعياط يعني.”
لمياء ركبت في كرسي السواق.
وأمي ركبت قدام.
وفجأة شهد فتحت الباب الجانبي تاني.
”يا ماما، يوسف ممكن يقعد جنبي!”
صوت لمياء بقى حاد جداً:
”لا يا شهد. اقفلي الباب والبس الحزام.”
”بس يا ماما فيه مكان كـ…”
”شهد! يلا بقولك.”
الباب اتقفل.
أحمد شاور من الشباك.
وعمر كان باين عليه إنه مش فاهم إيه بيحصل.
يوسف كان واقف جنبي ومسكت دراعين الشنطة بجمود.
العربية بدأت ترجع لورا عشان تطلع من الشارع.
أمي نزلت الشباك وقالت:
”المرة الجاية!”
يوسف رفع إيده وشاور بمنتهى الأدب.
وبعدين لف، ومشي ودخل جوة بيت تيتة، ووقف جنب الشباك يتفرج على العربية وهي بتبعد وتختفي في أخر الشارع.
أنا كنت واقفة وراه، والغضب بياكل فيا.
مش بس بسبب اللي حصل الصبح.
لكن بسبب كل حاجة حصلت وتراكمت لحد ما وصلنا للنقطة دي.
أنا ما كنتش غنية.
عايشة في شقة بسيطة أوضتين وصالة.
وبسوق عربية هيونداي قديمة بقالها تسع سنين معايا.
بقبل أي شفتات زيادة في الشغل.
باخد أكيلي معايا من البيت عشان أوفّر.
بشتري المنتجات العادية وأسيب الغالي.
بحسب كل جنيه رايح فين وجاي منين.
في الوقت اللي لمياء، دايماً زنقة نفسها ومفيش معاها فلوس.
مرة، راحت اشترت تابلوه خشب مكتوب عليه “ما شاء الله” بـ 1500 جنيه.
بعدها بيومين، كلمتني وهي بتعيط عشان فاتورة الكهرباء متأخرة ومش عارفة تدفعها.
بعتلتها ألفين جنيه.
التابلوه الفاضي ده يفضل متعلق في صالتها لسنين.
ودي كانت مجرد حالة واحدة من ضمن حالات كتير.
وكل ما لمياء كانت بتحتاج مساعدة مادية، أمي كانت بتقول نفس الجملة.
”معلش.. عشان خاطر العيال.”
واضح كده إن “واجب العيلة” ده بيشتغل بس لما لمياء تكون هي اللي محتاجة حاجة.
لكن لما ابني أنا يتظلم وما يكنش محتاج غير مجرد كرسي فاضي تقنعه يقعد عليه، فجأة محدش قادر يستوعبه أو يلاقي له مكان.
بصيت لـ يوسف.
كان لسه واقف جنب الشباك ولابس شنطته على ضهره.
فيه حاجة جوايا اتكسرت وأتغيرت في اللحظة دي.
مسكت شنطة إيدي.
”يلا بينا يا يوسف.”
لف وبصلي:
”رايحين فين؟”
”ملاهي أنوبيس المائية.”
عينه اتفتحت على أخرها.
”بجد يا ماما؟”
”بجد أوي كمان.”
”بس طنط لمياء ومشيت خلاص.”
”عارفة.”
”وطنط تيتة؟”
فتحت باب الشارع وقُلتله:
”مالها تيتة؟”
ولأول مرة من ساعة ما العربية الفان وصلت، يوسف ابتسم ابتسامة حقيقية من قلبه.
وفجأة جرى على عربيتي.
في اللحظة دي، أنا ما كنتش بفكر في انتقام.
ولا حتى كنت بفكر في الفلوس اللي هتدفع.
أنا كنت عارفة حاجة واحدة بس.
ابني مش يقضي اليوم ده قاعد في البيت متضايق في الوقت اللي أولاد خالته بيلعبوا في الملاهي، بس عشان تلاتة كبار قرروا إن عوامة على شكل تمساح لها قيمة وأهمية أكتر منه.
ونحنا ماشيين بالعربية، يوسف بدأ يتكلم بحماس تاني عن الزحليقة المائية.
بالراحة، ضحكته وفرحته بدأوا يرجعوا تاني.
وصوت ضحكته كان بيفرحني.
وفجأة.. تليفوني رن وعمل صوت إشعار.
رسالة من تطبيق البنك جاتلي على الشاشة.
حساب كارت البنزين.
الكارت اللي لمياء بتفول بيه.
نفس الكارت المربوط بالعربية الفان اللي هي لسه ماشية بيها من شوية.
الكارت اللي أنا كنت بدفع فيه تقريباً 6000 جنيه كل شهر من جيبـي.
بصيت للإشعار كام ثانية.
وبعدين ابتسمت.
وفجأة، عرفت بالظبط إيه اللي لازم يتعمل دلوقتي.
ودي كانت مجرد البداية بس.
الجزء الثاني
اللي كان قصدهم بيه دايماً في العيلة دي، هو إن أنا اللي المفروض أشيل شيلة لمياء وأتولى مسؤوليتها.
أبويا الله يرحمه كان مختلف تماماً. كان شغال ميكانيكي بقاله تمانية وتلاتين سنة، يلبس نفس الكاب القديم لحد ما دايب وتعب، وكان عنده مبدأ إنك لما تدي كلمة لحد، يبقى خلاص الكلمة دي عهد ومفيش فيها رجوع. توفى قبل الأحداث دي بتلات سنين. وبعد الجنازة بتاعته، أمي قالتلي أنا ولمياء إن بابا ساب ليها الشقة، وأن معظم الفلوس اللي كانت حيلته راحت على مصاريف المستشفيات والعلاج.
أنا عمري ما شككت في كلامها. بابا تعب وشقي طول حياته، ولو كان فاضل قرشين فكان طبيعي إني أشوف إن أمي أولى بيهم وعايزاهم. أصلاً ما كنتش مستنية ولا مراهنة على ورث؛ أنا عندي شغلي، وشقتي، وابني يوسف. وكنت شايفه إن ده كفاية وزي الفل.
الموضوع كله بدأ يوم الأحد اللي قبل رحلة الملاهي المائية.
كنا بنتعشى عند أمي، ولما لمياء أعلنت فجأة إنها واخدة عيالها ومسافرة ملاهي “أنوبيس المائية” في الساحل يوم السبت اللي جاي. وش يوسف نور في ثانية.
”ينفع أجي معاكم؟”
لمياء ابتسمت وهي باصة له من الناحية التانية من السفيرة: “أكيد يا حبيبي ينفع، نعدي عليك عند تيتة يوم السبت الصبح.”
يوسف بصلي وكأن العيد جه بدري كام شهر: “بجد يا ماما؟”
ضحكت وقلتله: “شكل كده عندك خروجة مائية جامدة السبت ده!”:
اللحظة اللي كارت البنزين بتاع لمياء اترفض فيها، تليفوني بدأ يرن ويهز بجلط ومقاوحة لدرجة إني لثانية افتكرت إن فيه مصيبة أو حد جرى له حاجة.
لمياء كانت واقفة في المحطة بالعربية الفان، التانك مشايفش بنزين، ومعاها عيالها التلاتة وأمي. مفيش معاها ولا مليم تفول بيه، والكارت اللي كانت مأمنة بيه نفسها وعايشة عليه بقالها سنتين فجأة بقى “مرفوض”.
الكارت ده كان بتاعي أنا.
بقالي اتنين وعشرين شهر بصرف قرب الـ 6000 جنيه كل شهر عشان بس أساعد إن عربية لمياء تفضل ماشية على الأرض. ومع ذلك، وقبلها بساعات معدودة، كانت بصة في عين ابني اللي عنده تسع سنين وبكل بجاحة بتقوله مفيش مكان ليك معانا.
وكان فيه تلات كراسي فاضيين وزي الفل!
دلوقتي لمياء محبوسة في المحطة وعمالة تسيبلي رسايل صوتية كلها شتيمة وغضب، في نفس الوقت اللي ابني فيه، على بعد أربعين دقيقة، عمال يضحك ويتنطط من الفرحة على الزحليقة المائية.
وقتها، كنت فاكرة إن قفلي للكارت مجرد لحظة وقفت فيها استغلال أختي ليا. ما كانش عندي أدنى فكرة إن السبب الحقيقي ورة رعب أمي وهلعها مالوش أي علاقة بالبنزين اصلاً—ولا إن العربية الفان الفضي دي مربوطة بسر هيغير كل اللي كنت فاكراه ومصدقاه عن عيلتي.
أنا اسمي نادية. عندي ستة وتلاتين سنة، وأم مطلقة عايشة في شقة في التجمع وبشتغل دوام كامل في سوبر ماركت كبير. ابني يوسف عنده تسع سنين. كان من نوعية الأطفال اللي يتأسفوا لو حد خبط فيهم، يشيل أكبر قطعة بسكويت ليا، ولسه مصدق إن الكبار لما بيوعدوا بحاجة بينفذوها.



