
نهى دخلت بسرعة: “يا جماعة بلاش خناق دلوقتي، ماما جوه تعبانة.”
وبعدين بصت في موبايلها وقالت: “أنا لازم أمشي، عندي ناس مستنياني في المحل.”
وأحمد قال بسرعة: “يا كريم، إنت ومنى استحملوا أول كام يوم بس، وأنا أول ما الدنيا تهدى هنا هنزل.” وقفل المكالمة.
فضلت أنا وكريم واقفين تحت نور المستشفى الأبيض.
كنت مستنية منه يقول: “هنعمل إيه؟” أو حتى: “شغلك يسمحلك بإيه؟”
لكنه لف ناحيتي وقال بمنتهى الطبيعية: “منى، خليكي إنتِ معاها اليومين دول.”
بصيتله. “عندي اجتماع الساعة تسعة الصبح.”
قال: “أجليه.”
“مينفعش.”
اتعصب. “ما إنتِ أصلًا بتشتغلي من البيت! إيه المشكلة؟ الشغل شغل، خدي اللابتوب معاكي المستشفى واشتغلي من هنا.”
ساعتها فهمت.
المشكلة مش إنه افتكر فجأة إني الحل.
المشكلة إنه من البداية، عمره ما اعتبر شغلي شغل أصلًا.
في اليوم التالت، الحاجة فاطمة خرجت من العناية واتنقلت أوضة عادية.
الأوضة فيها ست سراير، وسريرها كان جنب الشباك.
جسمها بقى ضعيف جدًا. إيدها اليمين مقفولة على نفسها، ورجلها كأنها مش جزء منها.
أنا اللي دورت على واحدة متخصصة تقعد معاها. اسمها أم هاني، ست في الخمسينات، سريعة ونضيفة وبتتكلم بصراحة.
من أول يوم، طلعت ورقة وبدأت تقول لكريم: “هنحتاج مفارش طبية، ومناديل مبللة، ووسادة للتقليب، وأدوات تنظيف، ومستلزمات للأكل والشرب.”
كريم عقد حواجبه. “كل ده؟!”
أم هاني بصتله وقالت: “خدمة مريض الجلطة محتاجة ده كله. لو أهملناه لحد ما جسمه يقرّح، ساعتها هنعرف يعني إيه تعب بجد.”
كريم اتكسف من طريقتها.
وبدل ما يقوم يجيب الحاجات، لف ناحيتي.
“منى، انزلي هاتيهم.”
خدت الورقة من إيده ورجعتها له. “انزل إنت.”
بصلي باستغراب. “أسيب ماما لوحدها؟”
قلت: “أم هاني معاها.”
قال: “طب أنا معرفش أجيب الحاجات دي منين.”
“كل حاجة مكتوبة في الورقة.”
فضل باصصلي كأني عملت جريمة.
وفي الآخر أنا اللي نزلت، لأن أم هاني قالت إن بعض الحاجات لازم تتجاب بسرعة.
خرجت من محل المستلزمات الطبية وأنا شايلة أكياس في الإيدين، وآثار إيد الأكياس معلمة على كتفي.
رجعت الأوضة، فلقيت كريم قاعد على الكرسي، ماسك الموبايل وبيتفرج على فيديوهات. كان كاتم الصوت، لكن بيضحك لوحده.
وفي الناحية التانية، لعاب أمه كان نازل من جنب بُقها. وهو حتى ماخدش باله.
أم هاني كانت بتساعد المريضة اللي في السرير اللي جنبنا، فنادت عليه: “يا أستاذ كريم، امسح لمامتك بُقها لو سمحت.”
كريم قام مرتبك. فضل يدور فوق الكومودينو. “المناديل فين؟ طب المناديل المبللة فين؟”
حطيت الأكياس على الأرض، طلعتله علبة وناولتهاله.
فتحها وطلع منديل. مد إيده ناحية أمه، وفجأة وقف. وبصلي وقال: “اعمليها إنتِ أنا خايف أوجعها.”
ماخدتش منه المنديل. قلت بهدوء: “دي أمك يا كريم. امسح لها براحة.”
فضل واقف ثواني، كأن المنديل اللي في إيده حاجة مخيفة.
الحاجة فاطمة طلعت صوتين ضعاف من حلقها. وببطء شديد، نزلت دمعة من عينها الشمال.
كريم أخيرًا انحنى ومسح بُقها. لكن عملها بسرعة وخشونة لدرجة إن اللعاب اتفرد على دقنها، وجلدها احمر.
وقفت أتفرج عليه، وفي اللحظة دي بدأت أفهم إن الأيام اللي جاية مش هتكشف بس حقيقة كريم كابن. دي كانت هتكشفلي حقيقة جوازي كله.
بعدها بشوية وأنا واقفة، شفت دمعة نزلت من عين حماتي. مش عارفة كانت بتعيط من الوجع، ولا من إنها لأول مرة شايفة ابنها اللي كانت طول عمرها بتدافع عنه، مش قادر حتى يمسحلها بُقها.
وفي اللحظة دي، عينيها اتحركت ناحيتي. وبصتلي بثبات غريب.
رفعت إيدها الشمال بصعوبة شديدة، ومدت صباعها ناحية شنطتها الموجودة جوه الدولاب.
أم هاني قالت: “شكلها عايزة حاجة من الشنطة.”
فتحت الدولاب وجبت الشنطة. أول ما قربتها منها، حماتي بدأت تتوتر وتحرك صباعها ناحية الجيب الداخلي.
فتحت السوستة، ولقيت ظرف بني مقفول.
كريم أول ما شافه، اتغير لون وشه. وفجأة قام من مكانه ومد إيده بسرعة وقال: “هاتي الظرف ده يا منى ده ملوش لازمة.”
لكن حماتي، اللي من ساعة الجلطة مش قادرة تنطق كلمة واحدة، مسكت إيدي بإيدها الشمال بكل القوة اللي باقية فيها، وهزت راسها لأ.
سحبت الظرف قبل ما كريم ياخده. ولما بصيت على المكتوب عليه من بره، اتجمدت مكاني.
كان مكتوب بخط حماتي: “ل منى فقط لو حصلي حاجة، متصدقيش كريم.”
فضلت باصة للجملة المكتوبة على الظرف، وأنا حاسة إن صوت المستشفى كله اختفى من حواليا.
“ل منى فقط لو حصلي حاجة، متصدقيش كريم.”
رفعت عيني ناحية جوزي. وشه كان متغير تمامًا.
مد إيده وقال بعصبية: “هاتي الظرف يا منى.”
رجعت خطوة لورا. “ليه؟”
“لأن أمي بقالها فترة بتنسى وبتكتب كلام مالوش معنى.”
بصيت ناحية حماتي. أول ما سمعت كلامه، بدأت تحرك راسها بصعوبة. “لأ.”
كريم قرب مني أكتر. “منى، إحنا في مستشفى وماما تعبانة، مش ناقصين دراما.”
لكن أم هاني وقفت بينا وقالت: “معلش يا أستاذ كريم، الست بنفسها أشارت للمدام تفتح الظرف.”
كريم بص لها بحدة: “وإنتِ مالك؟!”
قلت فورًا: “ماتعليش صوتك عليها.”
وبعدين فتحت الظرف.
كان جواه ورقتين ومفتاح صغير.
أول ورقة كانت كشف حساب بنكي. والتانية ورقة مكتوبة بخط إيد حماتي.
بدأت أقرأ:
“يا منى، لو الورقة دي وصلتلك، يبقى غالبًا أنا بقيت مش قادرة أتكلم أو أدافع عن نفسي.”
قلبي بدأ يدق أسرع.
كملت: “من حوالي سنة، اكتشفت إن كريم ونهى وأحمد بيسحبوا من حسابي كل شهر مبالغ من غير ما يقولولي.”
رفعت عيني ببطء. كريم قال بسرعة: “أمي كانت بتدينا الفلوس برضاها.”
لكن حماتي بدأت تصدر أصوات مكتومة من حلقها. كانت متوترة جدًا. أم هاني قربت منها: “اهدي يا حاجة، اهدي.”
رجعت للورقة:


