
أنا اتجمدت مكاني.
سارة كانت لسه واقعة على الأرض، والطفل في حضنها، وعينيها ثابتة عليه.
— محمود…
قلت اسمه وأنا مش مصدق.
— إنت بتعمل إيه؟
وشه كان جامد، مفيهوش أي تعبير.
— آسف يا أحمد.
ضحكت من الصدمة.
— آسف؟! بعد كل اللي عملته؟
حمدي وقف قدامي.
— ارجع يا أحمد.
محمود صرخ:
— ابعد عنه!
رفع أكتر.
— الموضوع انتهى.
واحد من الرجال اللي وراه قرب منه.
— خد الطفل.
محمود بص له.
— محدش يلمسه.
الراجل استغرب.
— إيه؟
محمود قال:
— قلت محدش يلمسه.
سكت المكان.
بصيت له.
— إنت مش معاهم؟
محمود نزل شوية.
— لأ.
الرجل وراه صرخ:
— محمود!
وفي اللحظة دي محمود لف وضربه.
الرصاصة عدت من جنبه، ووقع على الأرض.
كل حاجة حصلت في ثواني.
حمدي شدني من كتفي.
— خد سارة والولد واجري!
شيلت سارة من الأرض، وهي حضنت الطفل.
خرجنا من الباب الخلفي.
جرينا وسط المطر.
سارة كانت بتتنفس بصعوبة.
— أحمد…
— إيه؟
— الظرف.
— هجيبه.
— لأ.
بصتلي.
— افتحه.
— إنتِ قولتي ما أفتحهش قدام حد.
— دلوقتي مفيش حد.
وقفت تحت سقف صغير جنب مخزن.
طلعت الظرف من جيبي.
إيدي كانت بتترعش.
فتحته.
جواه فلاشة صغيرة.
ومعها ورقة واحدة.
كان مكتوب عليها بخط أبويا:
«يا أحمد…
لو وصلت لك الورقة دي، يبقى أنا فشلت أحميك.
ما تثقش في أي حد.
حتى سارة.»
بصيت لسارة.
— ليه أبويا كتب كده؟
دموعها نزلت.
— لأنه كان عايزك تشك فيا.
— ليه؟
— عشان لو حد لقاك، تفتكر إني السبب.
بصيت للفلاشة.
— فيها إيه؟
— الحقيقة.
رجعنا العربية.
دخلت الفلاشة في اللابتوب.
ظهر ملف واحد.
فيديو.
ضغطت تشغيل.
وظهر أبويا على الشاشة.
كان واضح إنه مصور الفيديو قبل موته بفترة قصيرة.
وشه كان مرهق.
وقال:
— أحمد… لو إنت بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا غالبًا مت.
سكت لحظة.
— أنا عارف إنك هتكرهني.
بلعت ريقي.
— لكن لازم تعرف إني حاولت أصلح اللي عملته.
ظهر على الشاشة ملف طبي.
أسماء كتير.
ومن ضمنها…
اسم سارة.
ثم اسمي.
ثم اسم طفل لم يُولد بعد.
أبويا كمل:
— سارة ما كانتش ضحية التجارب بس.
بصيت لها.
— كانت شاهدة.
ثم قال:
— وهي الوحيدة اللي قدرت تحمل الجين المعدل من غير ما يحصل لها فشل عضوي.
سارة بدأت تعيط.
أنا ما فهمتش.
— الجين المعدل؟
أبويا قال:
— بعد سنين من التجارب، اكتشفنا إن فيه طريقة ممكن تمنع المرض الوراثي من الانتقال للأطفال.
ثم سكت.
— لكن الطريقة دي كانت غير قانونية.
— ولهذا…
ظهر اسم شركة كبيرة على الشاشة.
شركة كان مجلس إدارتها تابع لعيلة الشاذلي.
أبويا قال:
— حاولوا ياخدوا البحث بالقوة.
— وأنا رفضت.
— الناس اللي كانت بتساعدني.
قربت من الشاشة.
— طب ابني؟
أبويا قال:
— لو سارة حملت طفلًا منك، فالطفل ده ممكن يحمل النسخة الكاملة من الجين المعدل.
سارة شهقت.
أبويا أكمل:
— وده اللي حصل.
سكت الفيديو ثواني.
ثم قال:
— لكن فيه مشكلة.
بصيت للشاشة.
— الطفل مش هو المفتاح الوحيد.
ظهر ملف جديد.
وكان عنوانه:
«المرحلة الثانية».
أبويا قال:
— المرحلة الثانية موجودة في جسم شخص تاني.
أنا وسارة بصينا لبعض.
— مين؟
صوت أبويا خرج من السماعة:
— أحمد.
اتجمدت.
— إنت يا ابني.
الفيديو انتهى.
فضلت باصص للشاشة.
مش قادر أستوعب.
سارة قربت مني.
— أحمد…
بعدتها عني.
— متلمسينيش.
— اسمعني.
— إنتِ كنتِ عارفة؟
سكتت.
— كنتِ عارفة إن الجين موجود فيا؟
دموعها نزلت.
— عرفت من فترة قصيرة.
— وإنتِ رجعتيلي ليه؟
سكتت.
السؤال كان أهم من كل اللي فات.
— ليه رجعتيلي في الليلة دي؟
رفعت عينيها.
— عشان أنقذك.
— إزاي؟
قالت:
— لأنهم كانوا محتاجين عينة من دمك.
اتجمدت.
افتكرت ليلة الفندق.
على الملاية.
وخوفها.
وخروجها قبل الفجر.
فهمت فجأة.
— إنتِ ما كنتيش بتنـزفي.
هزت راسها.



