
سبب لو عرفته قبلها بيوم واحد بس…
كان ممكن جوازي كله ينتهي قبل ما نوصل للنار أصلًا.
#انجي_الخطيب
إيدي كانت بتترعش والورقة مبلولة من العرق والدموع. ورقة مروّسة بختم شركة الطيران الخاصة اللي ياسر شغال فيها، وتاريخها كان من إمبارح بالليل.. يعني قبل الحريقة ما تبدأ بـ 12 ساعة كاملة.
كانت أصل فاكس رسمي بطلب إخلاء طارئ مدفوع الأجر، مكتوب فيه اسم واحد بس في خانة الراكب الوحيد المصرّح له بالإخلاء: منى الشافعي. وتحتها بخط إيد ياسر نفسه، كاتب ملحوظة قاسية: “في حالة تجاوز الحمولة أو حدوث ظروف جوية معقدة، يقتصر الإخلاء على الاسم المذكور فقط، وتُؤجل أي حالات أخرى لحين إشعارات قادمة.”
ياسر ما جاش ينقذ ناس، ولا جه ينقذنا بالصدفة ولقى المكان محدود.. ياسر كان طالع برحلة إخلاء خاصة متخطط لها ومتدفع ثمنها من إمبارح علشان ياخد منى لوحدها، وكان عارف إن فيه مؤشرات حريق في المنطقة ورتب مع المطار إنه يطلع بالطيارة تحت غطاء “عملية إنقاذ تطوعية” عشان يغطي على التكلفة ويسحبها هي بس وسط الزيطة. كان حاسب كل حاجة بالورقة والقلم.. الوزن، البنزين، والست اللي هيطلع بيها. والشيء الوحيد اللي ما حطوش في حسابه.. هو إحنا.
صوت فرقعة الأشجار والنار وهي بتاكل الخشب على بعد أمتار صحاني من الشلل اللي كنت فيه. عمر شد جيب جاكتتي بصوت مبحوح مكتوم وهو بيكح بحشرجة تخوف: “ماما.. النار بتعدي الشارع! ماما أنا مش قادر آخد نفسي!”
مسحت الرماد اللي كان عامي عينيا، وحطيت الورقة في جيبي الداخلي وقفلت عليها السوستة. الصدمة كانت كفيلة تهد جبل، بس صرخات ابنك لما تحس إنه بيموت بين إيديك بتخلق فيكي وحش ما تعرفيش جاب القوة دي منين. بصيت حواليا.. الدخان بقى ثقيل ولونه أسود فحم، والأهالي المتبقين كانوا بينطوا في العربيات بعشوائية، بس الشارع الرئيسي الموصل للطريق الساحلي كان اتسد تماماً بعربية نقل اتقلبت وولعت في نص السكة.
جبت الشال بتاعي، بليته من آخر بقية مية في الإزازة اللي معايا، ولفيته على وش عمر. شلته على دراعي رغم إنه كبر على الشيل، وجريت بيه ناحية ممر صخري ورا مبنى الشاليهات.. ممر قديم كنت شفت خريطته في مكتب الاستقبال وأنا بيسجل الدخول، كان بيعدي من ورا المحجرة ويبعد عن حركة الرياح اللي بتزق النار علينا.
عمر كان حاطط راسه في رقبتي، وبهمس مكسور قال: “ماما.. هو بابا سابنا ليه؟ هو زعلان مني عشان كنت بعيط؟”
الجملة نزلت على قلبي زي السيخ المحمي، بس مسكت نفسي وبصيت في عينيه بثبات وصوت ناشف مش عارفة طلعت القوة دي كلها منين: “بابا مش زعلان منك يا عمر.. بابا هو اللي اختار غلطة مش هيعرف يصلحها طول عمره. بس أنا معاك.. وإحنا هنخرج من هنا دلوقتي زَي الأبطال، اتفقنا؟”
هز راسه بتعب. طلعت أجري بيه فوق الصخور الملساء والنار بتعوي ورا ظهرنا كأنها وحش بيطاردنا. عند آخر الممر، لقيت عربية نص نقل قديمة تابعة لعمال الموقع، والراجل السواق قاعد ورا الدركسيون بيبكي ويده بتترعش ومش عارف يعشق الفتيس من كتر الرعب.
ربخت بإيدي على الإزاز بقوة، الراجل فتح وهو بيصرخ: “المكان هيتحرق! الشارع الرئيسي مقفول والناس اتحبست ورا!”
زعقت فيه بصوت يزلزل المكان: “افتح الباب ودخل الولد ده جواه! الممر الخلفي للمحجرة فاضي والنار لسه ما وصلتش له.. امشي ورايا أو سوق وأنا هقولك الطريق، لو قعدت تعيط هنا كلنا هنولع!”
الراجل بص لوشي المليان رماد وعيني اللي ما كانش فيها نقطة خوف واحدة باقيالي، وفتح الباب بسرعة. حطيت عمر وجمبه طفلين تانيين من اللي كانوا معزولين في المعسكر، ونطيت أنا في الصندوق الورااني ومعايا مشرفين اتنين. العربية اتحركت بأقصى سرعتها وسط جحيم من الشرار والدخان اللي كان بيغطي الزجاج، والراجل بيسوق بعمي بس أنا كنت بصرخ فيه وبوجهه خطوة بخطوة: “اكسر يمين هنا! انزل مع النزلة دي هتبعدنا عن مجرى الهوا!”
عشرين دقيقة من الجحيم، الرئة فيها بتستغيث والصهد بيلسع جلودنا، لحد ما العربية كسرت آخر ساتر صخري.. وظهر قدامنا الطريق الساحلي المفتوح.
صوت سرينات عربيات الإسعاف والإطفاء كان مالي الجو، والشرطة قافلة الطريق ومجمعة الناس اللي هربت. السواق ضرب فرامل، وأول ما العربية وقفت، نزلت وشلت عمر في حضني وحطيت راسي على صدره.. كان بيتنفس، صدره بيطلع وينزل بصعوبة، بس حي.. ابني عايش.
المسعفين جُم يجروا علينا، أخدوا عمر وحطوا له ماسك الأكسجين، وأنا قعدت على الإسفلت السخن، هدومي متفحمة ووشي أسود من الدخان، وجسمي كله بيترعش.. مش من الخوف، من الغضب اللي تحول لدم جاري في عروقي.
مسكت موبايلي اللي كان الشاشة بتاعته متشرخة، ولقيت الشبكة رجعت ضعيفة. كان فيه 4 مكالمات فائتة من ياسر، ورسالة صوتية منه مدتها عشر ثواني.
فتحت الرسالة، جه صوته الهادي المنتظم اللي كنت زمان بشوفه حكمة، ودركت في اللحظة دي إنه مجرد برود نرجسي حقير: “سارة.. أنا نزلت منى في أقرب نقطة إسعاف في السخنة لأنها كانت بتفقد الوعي. أنا طالع بالطيارة تاني عشان أدور عليكوا، طمنيني انتوا فين؟”
ضحكت.. ضحكة قصيرة مفيهاش أي صوت، ضحكة ست اتولدت من جديد وسط النار.
فتحت تسجيل المكالمات، ودست اتصال على رقمه. رد من أول رنة، وصوته فيه نبرة تمثيل متقنة: “سارة! انتوا فين؟ أنا فوق المعسكر والدخان مغطي كل حاجة!”
رديت عليه بصوت أهدى من التلج، صوت خلاه يسكت تماماً على الناحية التانية:
“ما تتعبش نفسك يا ياسر.. النار خلصت، وعمر عايش وفي حضني. بس الورقة اللي وقعت من شنطتك تحت طيارتك وأنت بتاخد منى.. الورقة دي في جيبي دلوقتي. الورقة اللي بتقول إنك بايعنا من إمبارح بالليل ومأمن خروج حبيبته بس.”
سكت.. وما سمعتش غير صوت مروحية الطيارة في الخلفية.
كملت وكأن كل حرف بيخرج مني بيقطع حبل كان بيننا: “وفر بنزين طيارتك يا كابتن.. عشان الرحلة الجاية مش هتكون لإنقاذ حد. المحامي بتاعي هيستناك في المطار.. ومش بس عشان دعوى طلاق، ده عشان بلاغ للنيابة العامة بتهمة التخلي عن طفل في مكان خطر والشروع في قتله.”
قفلت السكة في وشي قبل ما ينطق بكلمة، ورميت الموبايل في الإسفلت. بصيت لعمر وهو ماسك إيدي وبيبتسم لي من تحت ماسك الأكسجين، وبصيت للسما اللي بدأت تصفى من الدخان البرتقالي.. وفي اللحظة دي، عرفت إن سارة الضعيفة المطيعة أتحرقت في الجبل ورايا، والست اللي واقفة على الطريق دي.. مش هترحم حد.
حكايات انجى الخطيب
مستشفى السويس العام كانت دوشة وجمهرة تنمل لها الأبدان. ريحة المطهرات والكلور متخلطة بمرة الدخان اللي مالية زمارة رقبتنا. النور الأبيض بتاع الطوارئ كان يوجع العين، خصوصاً بعد السواد والشرار اللي عشنا فيه ليلة كاملة.
عمر كان قاعد على السرير، ماسك الجهاز اللي بيبخ أكسجين في صدره، وعينيه مستناني أتحرك من جنبه خطوة واحدة. كان خايف، مش من الموت ولا النار، كان خايف أختفي زي ما أبوه اختفى في السما.
قبل ما الباب يتفتح، طلعت موبايلي بإيد بتهتز، صورت الورقة اللي في جيبي يجي عشر صور، بعتّها لنفسي على الإيميل، وبعتّها على الواتساب لأشرف حلمي، المحامي صاحب بابا، وكبّرت الجزء اللي فيه خط إيد ياسر وتوقيعه. طويت الورقة الأصلية وحطيتها في الكيس البلاستيك الشفاف بتاع قناع الأكسجين، ودخلتها في المخدة اللي ورا ظهر عمر.
وفجأة.. الباب المزدوج بتاع الطوارئ اترزع بقوة.
دخل ياسر. بدلته الكحلي بتاعة الطيران كانت متفحمة عند الأكمام، كاب الطيارة مش معاه، وشعره منكوش على غير عادته الباردة المنظمة. كان باين عليه إنه جري في الطرقات لحد ما وصل. أول ما شافني، عينيه اتركزت عليا بحدّة، ونظرته ما كانتش نظرة أب مرعوب على ابنه.. كانت نظرة حرامي أدرك إن الخزنة المفتوحة اتصوّرت.
قرب بخطوات سريعة، صوته كان واطي ومبحوح وهو بيهجم عليا بالكلام:
“سارة.. هاتي الورقة دي فوراً.”
ما تحركتش من مكاني. فضلت باصة له في عينيه، من غير ما أرمش.
قال وهو بيبص حواليه برعب إن حد يسمعه:
“إنتِ مش فاهمة حاجة! الورقة دي طلب إخلاء إداري روتيني، منى كانت في مهام عمل في المنطقة التابعة للشركة، وأنا طياري المسئول! هاتي الورقة بلاش تهور، دي لو وصلت للنيابة أو للإعلام شغلانتي هتروح، والمستقبل اللي بصرف منه على ابنك ينتهي!”
رديت بصوت هادي أوي، أهدى من التلج اللي بينزل على الميتين:
“شغلانتك؟ هو ده اللي هامك دلوقتي؟ شغلك ومستقبلك؟”
شاور بإيده بعصبية مكتومة:
“يا سارة افهمي! الطيارة ليها حمولة ووزن، البنزين ما كانش هيكفي نطلع بيكوا كلكم مع بعض، أنا خططت أنزلها هي في أول نقطة وآجي ألمّكم من الممر الخلفي.. دي حسابت طيران مش عواطف!”
ضحكت.. ضحكة مكتومة خلته يرجع خطوة لورا.
“حسابات طيران؟” قلتها وأنا بقرب منه لحد ما بقى بيني وبينه شبر واحد، “حسابات الطيران بتقول إنك تطلع بمنى الساعة تسعة بالليل بالورقة دي، وحسابات العواطف هي اللي خليتك تسيب ابنك اللي عنده تسع سنين بيصرخ تحت المروحة وبيقولك ‘والنبي ما تسيبناش’؟ أنت ما خفتش على البنزين يا ياسر.. أنت خفت على وقتها هي. أنت بعت ابنك عشان ما تزعلهاش.”
وشه اصفر، وعروق رقبته زفرت. قرب ومسك دراعي بقوة:
“أنا ما سمحلكيش تتهميني في أبوّتي! عمر ده ابني الوحيد! هاتي الورقة يا سارة.. هاتيها بالذوق بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك.”
في اللحظة دي، عمر شال القناع من على وشه بصعوبة، وصوته المكتوم طلع من السرير:
“أنا مش عايزك يا بابا.. امشي من هنا.”
ياسر اتجمد مكانه. تلفّت لابنه، ورجع بصلي، كان شكله زي اللي بياخد قلم على وشه قدام الناس.
وفجأة، الباب اتفتح تاني. دخلت منى.
كانت لابسة جاكيت ياسر الجلدي الصوف، وشها باهت تماماً، ومسندة على ممرضة. أول ما شافتنا، عينها جت في عيني. ما كانش في عينها أي انتصار.. كان فيها رعب ست فاهمة إن اللعبة كبرت وبقت دم.
قالت بصوت بيترعش:
“ياسر.. الشركة اتصلت بيا.. النيابة العسكرية للقطاع المالي طلبوا مراجعة خط السير بتاع الطيارة اليوم.. في بلاغ تقدم عن استغلال طائرة إنقاذ في أغراض شخصية.”
ياسر لف وشه بسرعة، عينيه وسعت من الصدمة:
“إيه؟! بلاغ مين؟!”
الباب اتفتح لثالث مرة، بس المرة دي دخل راجل ببدلة ميرية، وراه اتنين أمناء شرطة. الراجل بصلنا كلنا، وبعدين أخد نفس وعينيه استقرت على ياسر:
“الكابتن ياسر عبد الرحمن؟”
ياسر بلع ريقه وصوته ضاع:
“أيوة يا فندم.. أنا الكابتن ياسر.”
الظابط قال بصرامة:
“استاذ أشرف حلمي المحامي قُدم للنيابة العامة صور ضوئية من طلب إخلاء مدفوع بتاريخ الأمس، وبلاغ رسمي يتهمك بالتخلي عن قاصر في منطقة كارثة طبيعية معرضة للحريق، واستخدام وسائل الدولة لإخلاء شخص غير مدرج في قوائم الطوارئ. اتفضل معانا على مركز الشرطة لسماع أقوالك.”
منى صرخت بصوت واطي ومسكت في دراع ياسر:
“ياسر! قلهم إنك كنت بتنقذني! قولهم إن المحضرة كانت حقيقة!”
ياسر زق إيدها عنه ببرود مرعب.. نفس البرود اللي كان بيعاملني بيه. بصلي بعيون مليانة غل وهو بيتقبض عليه، وقال بصوت مكتوم:
“هدمرك يا سارة.. والله ما هسيبك تاخدي القرشين اللي حيلتي، ولا هخليكي تشوفي عمر تاني!”
ابتسمت له.. ابتسامة صافية تماماً، ومشيت ناحية سرير ابني، بَست راسه، ولفيت وشه الناحية التانية عشان ما يشوفش أبوه وهو بيتساق الكلبشات في إيديه.
ولما الظابط أخد ياسر ومنى وخرجوا، الأوضة سكتت خالص. ما فضليش غير صوت جهاز الأكسجين وهو بيبخ.. وصوت النفس الدافي بتاع ابني وهو بيمسك إيدي بكل قوته ويهمس:
“ماما.. إحنا كده كسبنا؟”
بصيت له وقلت له ونبرة صوتي ثابتة زي الجبل:
“إحنا لسه بنبدأ يا عمر.. بس المرة دي، النار مش تحت رجلينا.. النار تحت رجليهم هما.”
عدّت تلات أسابيع كان الشارع والإعلام فيهم مقلوبين على القصة. المانشيتات في الصحف والمواقع كانت بتشتم في “طيار المروحية اللي ضحى بابنه وسط حريق السخنة عشان يخلّي حبيبته القديمة”. الصورة اللي اتسربت للورقة الرسمية بخط إيده بقت “تريند”، والناس ما كانش حيلتها كلام غير عن قسوة أب باع ضناه في لحظة فارقة.
في مكتب وكيل النيابة، التكييف كان بيزن بصوت واطي، وريحة الأوراق والمجلاّت القديمة مالي المكان. ياسر كان قاعد قدام مكتب المستشار، جنبه محامي كبير ببدلة غالية وشنطة جلد. وشه كان أصفر، وعينيه تحتها هالات سودة تقيلة، الهيبة والبرود اللي عاش بيهم طول عمره اتنسحوا تماماً.
أنا كنت قاعدة على الكرسي اللي قدامه، لابسة أسود، ماسكة إيد الأستاذ أشرف حلمي المحامي بتاعي. وعمر كان بره مع أختي في الصالة، بيلون في كشكول ورسمته كلها طيارات بتسقط في البحر.
المحامي بتاع ياسر عدّل نظارته، وقال بصوت واثق بيحاول يرمم القشرة اللي
:
“يا فندم، موكلي الكابتن ياسر اتصرف وفق بروتوكول الجوية رقم 404. الطائرة كانت بتعاني من اضطراب في الاتزان بسبب صهد النار والهوا الساخن، وكان لازم ينزل أوزان في أسرع وقت. المذكورة منى الشافعي تعرضت لحالة إغماء واختناق حاد يستدعي النقل الفوري، وموكلي كان حاطط في حسابه يرجع للطفل وأمه في غضون عشر دقايق بعد تفريغ الحمولة!”
وكيل النيابة بص للمحامي من فوق نظارته، وبعدين بص لياسر:
“عشر دقايق؟ الدفاتر الرسمية للمطار العسكري والملاحة الجوية بتقول إن الكابتن ياسر بعد ما نزل المذكورة منى في المجمع الطبي، عمل هبوط اضطراري وإغلاق للمحرك بدون إذن، ورفض يرجع للموقع بحجة ‘ظروف الجو غير مواتية’، وفي نفس الوقت كان بيحاول يمسح محادثات الواتساب والتسجيلات الصوتية بينه وبينها!”
ياسر بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع هزيل ومشروخ:
“يا فندم.. أنا اتلخبطت.. النار كانت في كل مكان، والضغط كان غير طبيعي..”
هنا الأستاذ أشرف وقف، وطلع ملف أزرق حطه قدام وكيل النيابة خفيفة على المكتب:
“سيادة المستشار.. ده تقرير شركة الطيران الخاصة. الفاكس اللي اتسحب من المطار بيثبت إن الراكبة منى الشافعي دفعت قيمة رحلة طوارئ خاصة الساعة تسعة بالليل قبل الحريق ما يوصل للمعسكر بررّام كامل. يعني القرار ما كانش ابن لحظته في الجو، القرار كان مبيت في شقة حبيبته القديمة قبلها بيوم!”
وكيل النيابة مسك التقرير، وفرّ الصفحات ببطء مرعب. كل صفحة كانت بتتقلب، كان ياسر بيهبط فيها سم في كرسيه.
في اللحظة دي، الباب خبط ودخلت منى. كانت جاية مع محاميها، وشها دبلان، مفيش نقطة مكياج، وعينيها متورمة من العياط. أول ما دخلت، بصت لياسر بقرَف وشزازة مش طبيعية.
وكيل النيابة وجه لها الكلام:
“يا آنسة منى.. أقوالك السابقة بتقولي فيها إنك ما كنتيش تعرفي إن فيه حريق، وإن الكابتن ياسر هو اللي أصر ياخدك معاكي في الطيارة؟”
منى بصت لياسر بصة كره وغل، وقالت بصوت عالي وهي بتبكي:
“أيوة يا فندم! هو اللي كلمني بالليل وقاللي المعسكر هيتحرق لأن فيه تحذيرات صادرة للصحراء الشرقية، وقاللي تعالي وخدي بنت أختك وأنا هأمن خروجك أنتِ بس عشان سارة ما تكتشفش إننا بنتقابل! هو اللي استغل شغلانته والطيارة بتاعة الشركة! أنا ما كنتش اعرف إنه هيسيب ابنه يتفحم في الجبل! هو قاللي إن سارة وعمر خرجوا في أول فوج أتوبيسات!”
ياسر نط من كرسيه وهو بيصرخ فيها وعروق وشه هتقعف:
“أنتِ كذابة يا خائنة! أنتِ اللي ترجيتيني أطلع بيكي عشان خايفة من الدخان! أنتِ اللي قلتِ لي ‘الولد ومامته هيتصرفوا، أنقذني أنا الأول’!”
زعق وكيل النيابة بصوت هز الأوضة وهبد إيده على المكتب:
“بس أنت وهو! اقعد يا كابتن! فاكرين نفسكم قاعدين في قعدة عرب؟!”
الأوضة سكتت تماماً. ياسر قعد وهو بيلسس نفسه، نفسه سريع وطالع بصعوبة. بصلي بعيون مكسورة، محنية، وقال بنبرة رجاء أول مرة أسمعها منه في حياتي:
“سارة.. عشان خاطر عمر.. تنازلي عن البلاغ الإداري.. الشركة سحبت رخصتي رهن التحقيق، ولو النيابة حوّلت القضايا دي للجنايات، أنا هتدمر.. مش هعرف أشتغل طيار تاني في أي حته في العالم.. أنتي عارفة الطيران بالنسبة لي إيه.. الطيران ده روحي يا سارة!”
بصيت له بمنتهى الهدوء، وقفت، ودعكت إيدي ببعضها وأنا بقرب من مكتب النيابة.
وقلت له بصوت واضح وراسي يوصل لكل خرم في الأوضة:
“أنت زمان كنت بتقول لي: ‘الطيارة ملهاش دعوة بالمشاعر يا سارة.. الوزن وزن، والبنزين بنزين، وساعات القرار الصح بيبقى قاسيبس ده مش معناه إنه غلط’.. فاكر كلامك؟”
ياسر اتجمد، وشفايفه بدأت تترعش.
كملت وأنا ببص له في عينيه مباشرة:
“النهارده بقى، القانون ملوش دعوة بالمشاعر يا ياسر. الجريمة جريمة، والخيانة خيانة، وساعات العقاب الصح بيبقى قاسي.. بس ده مش معناه إنه غلط. روحك اللي بتقول عليها دي.. أنت رميتها بنفسك في الجبل وأنت بتقفل باب الطيارة في وش ابنك.”
التفت لوكيل النيابة وقلت بثبات:
“أنا مصرة على البلاغ يا فندم.. ومتمسكة بحقي في حضانة عمر الكاملة، ورفع دعوى طلاق للضرر مع حظر سفره مع أبوه.”
وكيل النيابة هز راسه، ومسك القلم وكتب بخط عريض على الوش بتاع الملف:
“تُحيل النيابة العامة المتهم ياسر عبد الرحمن إلى محكمة الجنايات بتهمة تعريض حياة قاصر للخطر، والتخلي عنه في مكان مأهول بالكوارث، واستغلال المال العام وأموال الشركة لأغراض شخصية، مع استمرار حبسه على ذمة التحقيق.”
صوت الكلبشات وهي بتتقفل على إيدين ياسر كان النغمة الأخيرة في أسطورة الطيار الواثق من نفسه. كان بيتقاد لبره والأمناء ماسكينه، ومنى وراه بتصرخ وبتتخانق مع محاميها، وهو عمال يتلفت لي ويقول بصوت واطي ومكسور:
“سارة.. سامحيني.. سارة عشان خاطر عمر..”
ما أديتوش ظهري.. فضلت باصة له وهو بيتسحب لأسفل، لحد ما باب المكتب اتقفل.
خرجت لصالة الانتظار. النور كان ساطع، والشمس طالعة مالية المكان. عمر أول ما شافني، ساب كشكول الرسم وجري عليا، حضن ركبتي بكل قوته.
وطيت عنده، مسحت شعره المليان ريحة الشامبو الجديد، وشلت الكاب الصغير اللي كان لابسه.
سألني بعيون واسعة وصافية:
“ماما.. هو بابا مش هيطير تاني؟”
بصيت له وابتسمت من قلبي، ابتسامة حقيقية لأول مرة من سنين، وقلت له:
“لا يا حبيبي.. بابا خلاص نزل على الأرض.. وإحنا اللي هنطير.”
مسكت إيده الصغيرة، ومشينا في الممر المفتوح ناحية الشارع، والصوت الوحيد اللي كان مالي السما فوقينا.. كان صوت العصافير وهي بتطير حرّة في المدى.
تمت
حكايات انجى الخطيب
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




