
يوسف فضل ساكت…لأول مرة من سنين، حد بيعتذر له…
من غير ما يكون مرعوب منه.
قال أخيرًا: “الملف الرمادي الأول.”
“حاضر.”
“الأزرق تحته.”
ريتان بدأت ترتب الملفات واحدة واحدة، ولما خلصت، قامت ودفعت عربية التنظيف ناحية الباب.
يوسف قال: “ريتان.”
لفت له… كانت مستنية توبيخ جديد.
لكنه قال بهدوء: “خلاص… روحي.”
خرجت. وبمجرد ما قفلت الباب، سمعت صوت الحاجة نوال وهي بتهمس لها في الممر: “إنتِ بتحاولي تطردي نفسك من الشغل؟”
ريتان ردت بمنتهى الهدوء: “هو كان بيتكلم بطريقة مستفزة.”
نوال شهقت: “ده الأستاذ يوسف!”
ريتان قالت: “ما هو برضه بني آدم.”
وسابت نوال ومشيت… يوسف كان لسه جوه المكتب…
وسمع كل كلمة…فضل ساكت…لكن لأول مرة من عشرين سنة، لقى نفسه مهتم يعرف…هي ريتان دي ليه مش بتخاف منه؟
ومكنش يعرف وقتها إن الست دي هتكون أول شخص يدخل حياته من غير خوف…
وأول شخص يفضل جنبه وهو مريض… وأول شخص، من غير ما يقصد، يقدر يرجّع الابتسامة لوش يوسف الرفاعي بعد عشرين سنة كاملة ….يتبـع
#حكايـات_منـي_السـيد
الفصل الثاني
النور الخافت اللي اتسلل من بين الستاير التقيلة بتاعة الأوضة بدأ يلمس وش يوسف، والحرارة اللي كانت حارقة جسمه طول الليل بدأت تهدى شوية بشوية. يوسف حس بحركة خفيفة، أنفاس منتظمة بتدغدغ كف إيده، ولما بص لتحت، كانت ريتان لسه مسندة راسها على طرف السرير، صوابعها الصغيرة متبتة في كف إيده وكأنها خايفة يسيبها أو يضيع في غيبوبة السخونية تاني.
وابنها… الطفل الصغير، كان دافن وشه في بلوزتها، نايم في أمان تام وسط دنيا كلها خوف.
يوسف حاول يسحب إيده براحة شديدة، مكنش عايز يقلقها، بس الحركة البسيطة دي خلت ريتان تتفزع فجأة. فتحت عينيها العسليتين بسرعة، الرموش اللي كانت مبلولة بدموع الإرهاق رفعت لفوق، وأول ما شافت يوسف باصص لها وعينيه صافية ورايقة، اتعدلت بلهفة ونسيت كل حواجز المقامات والحدود اللي نوال صدعت دماغها بيهم.
حطت كف إيدها التاني على جبينه بتلقائية تامة: الحمد لله… الحرارة نزلت كتير، كنت بتغلي بالليل وكنت فاكراك هتروح مني.
يوسف اتخشب مكانه. لمسة إيدها الناعمة على جبهته كانت زي تيار كهربا دافي مشي في عروقه كلها. عشرين سنة محدش لمس يوسف الرفاعي كده، من غير مصلحة، من غير خوف، ومن غير ما يمد إيده يدفع تمن الخدمة. يوسف بص لعينين ريتان القريبة منه، صوته كان مبحوح ومتحشرج من التعب: أنا عمري ما سمحت لحد يقرب مني بالشكل ده… إنتي عملتي إيه فيا؟!
ريتان ارتبكت لما استوعبت حركتها، وسحبت إيدها بسرعة ووشها احمر خجل: أنا… أنا معملتش حاجة، ده واجبي الإنساني. أي بني آدم يشوف حد بيموت من السخونية كان هيعمل كدة.
يوسف كرر الكلمة بابتسامة باهتة على شفايفه الناشفة: إنساني؟ إنتي مش عارفة أنا مين يا ريتان؟ كل اللي في القصر ده لو شافوني بقع، مكنش حد هيجرؤ يمد إيده عليا إلا بعد ما يطلب الإذن من عشرين حارس، والكل بيخاف مني حتى في ضعفي… ليه فضلتي هنا؟ وابنك طول الليل في السقعة؟
ريتان قامت من على الكرسي براحة، وعدلت البطانية الصفرا على ابنها اللي بدأ يتمطع، وبعدين بصت ليوسف بابتسامة هادية وبسيطة من غير أي تكلف: أنا مش بشوفك الأستاذ يوسف اللي الناس بتترعب منه، أنا شوفت إنسان تعبان ومحتاج مساعدة. وبعدين… مهما كنت قاسي ومبتضحكش، في الآخر إنت صاحب فضل، وفتحتلي باب بيتك واشتغلت هنا عشان أربي ابني بكرامتي.
سكتت ثواني، ولفت ضهرها تاخد طبق الكمادات وقالت بمرح خفيف عشان تكسر التوتر: وبعدين قولتلك قبل كده، إنت بني آدم برضه… مش روبوت شغال بكهربا عشان متتعبش.
يوسف ضحك، ضحكة خفيفة طالعة من قلبه هزت صدره، وبص لها بذهول: والله شكلك هتبوظي هيبتي في البيت ده.
ريتان وقفت عند الباب، وبصت له من فوق كتفها: الهيبة في القلب يا أستاذ يوسف، مش في الكشرة اللي شايلاها على وشك بقالك سنين. هروح أحضرلك شوربة دافية وليمون، وهبعت نوال تجيبلك الدوا.
خرجت ريتان، ويوسف فضل سارح في أثرها، حاسس إن في حاجة في قلبه اتكسرت… حاجة اسمها الجليد والوحدة.
مرت الأيام بعد الليلة دي، وفيلا يوسف مبقتش زي الأول. الهدوء المقبض اللي كان شبه المقابر بدأ يتبدل. يوسف بقى يتعمد يقعد في ركن الجنينة يشتغل على اللابتوب في الميعاد اللي ريتان بتطلع فيه ابنها “عمر” يلعب على النجيلة.
كان يوسف بيراقبها من ورا النضارة الشمسية، يشوف ضحكتها الرنانة وهي بتجري ورا ابنها، خفة دمها، حنيتها اللي بتوزعها على كل ركن في المكان. كانت بتدخل روحه بالتدريج، زي النور لما يتسلل لأوضة ضلمة بقالها سنين مقفولة.
وفي يوم، كان يوسف قاعد في مكتبه بيمضي أوراق مهمة، الجو برة كان بيمطر بغزارة وصوت الرعد بيهز الشبابيك. فجأة الباب خبط خبطات سريعة ومرتبكة، وقبل ما يلحق يقول “ادخل”، لقى ريتان داخلة ووشها شاحب، وماسكة عمر والولد بيعيط بهستيريا من صوت الرعد.
ريتان اتكلمت بصوت بيترعش: أنا آسفة… والله آسفة إني دخلت من غير إذن، بس النور قطع في أوضتي وعمر بيخاف جدا من الرعد، والمكان هنا فيه المولد الشغال… ملقتش حتة تانية أروحها.
يوسف قفل الملف اللي في إيده بهدوء، وقام من مكانه. مشي بخطوات واثقة لحد ما وقف قدامها. ريتان كانت بتترعش هي كمان، كانت خايفة من البرق ومن صوت الرعد، ومش بس عمر.
يوسف مد إيده، ولأول مرة يلمسها هو بإرادته. مسك دراعها براحة، وصوته كان مليان حنية عميقة وغريبة عليه: اهدي يا ريتان… إنتي هنا في أمان، متخافيش.
ريتان رفعت عينيها ليه، شافت في ملامحه نظرة حماية ودفء عمرها ما حست بيهم في حياتها كلها. يوسف نزل على ركبته لمستوى الطفل عمر، وطبطب على خده بحنان مكنش يعرف إنه جواه: متبقاش بطل وبتخاف من شوية صوت يا كابتن؟ الرعد ده السحاب بس بيتكلم بصوت عالي.
الطفل هدي تدريجياً وبص ليوسف بعينيه البريئة، ومسك صباع يوسف الصغير. اللحظة دي كانت زي السحر، ريتان دموعها نزلت من غير ما تحس، ويوسف لما قام ولقى دموعها، مقدرش يمسك نفسه، ومد صباعه مسح الدمعة السايلة على خدها: ليه الدموع دي دلوقتي؟
ريتان قالت بصوت متقطع: محدش حمانا قبل كده… محدش وقف جنبي وجنب ابني بالطريقة دي، أنا كنت دايما لوحدي وبحارب لوحدي.
يوسف قرب خطوة زيادة، عينيه كانت بتحكي كلام كتير ملهوش نهاية، وقال بصوت واطي ومليان مشاعر مكتومة: معدتيش لوحدك يا ريتان. من الليلة اللي سهرتي فيها جنبي ورجعتيلي الحياة، وأنا حاسس إن كل حاجة بملكها ملهاش قيمة لو إنتي مش موجودة فيها. إنتي الوحيدة اللي دخلتي حصوني من غير ما أسمحلك، ودلوقتي… أنا مش عايزك تخرجي منها أبداً.
ريتان قلبها كان بيدق بسرعة جنونية، الحيرة والدهشة والراحة اتجمعوا في صدرها في نفس اللحظة: أستاذ يوسف… إنت رجل أعمال كبير، وأنا مجرد…
يوسف قاطعها وحط صباعه على شفايفها برقة تامة: انسي كل الكلام ده. إنتي الست الوحيدة اللي شافت يوسف البني آدم مش يوسف الرفاعي… وأنا مش هسيب البني آدم ده يضيع منك تاني.
وفي اللحظة دي، سمعوا خطوات سريعة ومرتبكة جاية من الممر الخارجي، وصوت نوال بتنادي بفزع: يا أستاذ يوسف! إلحق، رجالة من شركات المنافسين واقفين برة على البوابة ومصممين يدخلوا يقابلوك بالقوة!
يوسف بعد خطوة عن ريتان، ملامحه الحنينة اتقلبت في ثواني للجمود والقوة، لكنه مسك كف إيد ريتان وضغط عليه برقة وقال لها: خليكي هنا ومتحركيش، ومتقلقيش من أي حاجة في الدنيا طول ما أنا عايش.
خرج يوسف بخطوات ثابتة عشان يواجه اللي برة، وساب ريتان قلبها متعلق معاه، عارفة إن في سر كبير وعالم غامض وراه، بس مشاعرها تجاهه خلاص عدت كل حدود الخوف.
يتبع…




