
رميت الملف على الترابيزة وبصيت لكريم في عينيه مباشرة:
“إنت بعتني عشان فلوس ورغبة رخيصة… وهو باعك إنت كمان يا كريم. طارق كان بياخد نسبي ونسبتك طول التلات سنين اللي فاتوا، والحساب اللي إنت فاكر إنه باسمكم أنتوا الاتنين، طارق حوله الأسبوع اللي فات باسمه هو لوحده… برقم سري إنت بنفسك عملتله توقيع تفويض عليه وأنت سكران.”
كريم وشها ابيض، وبص لطارق بذهول:
“طارق؟ الكلام ده صح؟”
طارق رجع خطوة لورا ناحية الباب، بس قبل ما يلحق يفتحه، صوت جرس الباب رن. رنة منتظمة وثقيلة.
فتحت الباب بنفسي.
كان واقف بره اتنين برتب عالية من مباحث الأموال العامة، ومعاهم القوة بتاعتهم.
الباشا بصلي وقال:
“مدام مريم عبدالسلام؟”
“أيوه يا فندم.”
بص لطارق وكريم وقال بلهجة حاسمة:
“طارق المحامي وكريم… مطلوب القبض عليكم بتهمة التزوير، والاستيلاء على أموال شركات، وغسيل أموال بناءً على البلاغ والمستندات المقدمة للنيابة العامة.”
كريم انهار على الكنبة وهو مش مصدق، وطارق حاول يتكلم بس العساكر كانوا أسرع منه وحطوا الكلابشات في إيديه.
أنا فضلت واقفة في نص الصالة، بصلهم وهما بيتاخدوا واحد ورا التاني.
لما الباب اتأفل وراهم والشقة فضيت، السكون رجع تاني… بس المرة دي ما كانش فيه رعب، ولا خيانة، ولا قهر.
مشيت ناحية الجزامة اللي جنب الباب. مكان الشومة كان فاضي، بس علبة الساعة الذهب القديمة كانت لسه مركونة فوق الترابيزة، مغطاة بتراب السنين.
مسكت العلبة، فتحتها، وطلعت الساعة. حطيتها في إيدي، وبصيت للعقارب وهي بتتحرك بثبات.
الزمن ما وقفش… هو بس كان مستنيني أرجع أظبطه من جديد.
مسحت التراب عن وش الساعة بطرف كم بلوزتي، وبصيت فيها بتركيز. دقات العقارب الناعمة كانت الصوت الوحيد اللي مالي الشقة الفاضية، كأنها بتعد أول ثواني في حياتي الحقيقية.
نزلت السلم بخطوات متزنة، مش حاسة بعجل ولا خافقة من حاجة. لما خرجت الشارع، الشمس كانت بدأت تغرب، والسما أخدت لون أورانج دافي. الجو البارد لمس وشي تاني، بس المرة دي ما حسيتش ببرودة، حسيت بفرق كبير بين هواء الشارع الناشف وهواء السجن اللي كان مكتوم بريحة الخوف والانتظار.
وقفت على أول الشارع ورفعت إيدي لأول عربية تاكسي معدية.
السواق بصلي في المراية وقال بابتسامة طيبة:
“على فين يا مدام؟”
سكت ثواني.. الكلمة نفسها كانت غريبة عليا. “على فين؟”.. بقالي تلات سنين ماليش الحق أختار أنا رايحة فين ولا جاية منين.
“على مصر الجديدة يا أسطى.. مول المحلاوي.”
وصلت هناك، ونزلت مشيت في الشوارع اللي حافظاها حارة حارة. دخلت مكتب محامي كبير، راجل عجوز شعره أبيض كأنه قطن، كان مستنيني في مكتبه المطل على الجاردن. الراجل ده هو اللي زارني في السجن من سنة، وهو اللي اشتغل في صمت على قضايا الفساد والتزوير اللي طارق وكريم افتكروا إنهم دفنوها.
أول ما دخلت، قام وقف ومد إيده بثبات:
“حمد الله على السلامة يا مريم.. حقك رجع بالكامل.”
حط قدامي على الترابيزة ملف أزرق ضخم فيه أوراق النيابة، وإفادات البنوك، والتحفظ على أموال طارق وكريم، وإعادة ملكية الشركة والمقر والمصنع باسمي أنا لوحدي.
“والقضايا التانية؟” سألته بصوت هادي.
الاستاذ جلال ابتسم ابتسامة هادية وقال:
“كريم وطارق قدامهم تهم تزوير واستيلاء وغسيل أموال، غير البلاغات القديمة اللي فتحناها.. مش هيشوفوا الشارع قبل عشر سنين على الأقل. أما بالنسبة لنهى…”




