روايات وقصص

جوزى وصاحبتى

الموظف على الناحية التانية من الخط فضّل ساكت ثواني مش مستوعب الهدوء اللي بتكلم بيه، وقبل ما يلحق يسألني عن تفاصيل أكتر، نزلت التليفون على الترابيزة وحطيته جنب علبة الساعة الذهب المتربة.

كريم كان قاعد على جنب ماسك دراعه، وعينيه طايرة في الأوضة كأنه بيدور على خروج من الكابوس ده، ونهى كانت حاطة إيدها على وشها ودموعها نازلة بمغص مكتوم، صوت شهقاتها كان الشيء الوحيد اللي بيقطع السكون اللي ساد الشقة.

أنا ما تحركتش من مكاني. فضلت واقفة بصلهم كأني بصل لتماثيل شمع دايبة. مفيش في قلبي غل، ولا حتى كره… كان فيه فراغ تام، زي أرض محروقة مفيش فيها أمل إن زرع ينبت تاني.

صوت سرينة اليدو وهي بتقرب من الشارع كان أشبه بنغمة مألوفة، نغمة ختام الفصل الأول. الباب اتخبط بقوة، وكريم جرى بلهفة يرغي مع العساكر والأمين اللي دخلوا، يبكي ويدعي إنه كان بيدافع عن نفسه وإن أنا اللي هجمت عليهم بفجائية.

الأمين بصلي، شاف الشومة مرمية على الأرض، وبص للهدوء الغريب اللي كان على وشي. قرب مني وقال بثقل:

“تعالي معانا يا مدام من غير شوشرة.”

ما قاومتوش. مدّيت إيدي للكلابشات بمنتهى الاستسلام. وأنا طالعة من باب الشقة، لفيت وشي بصة أخيرة، لقيت كريم بيبصلي بنظرة مافيهاش أي ندم، كان فيها حاجة تانية خالص… كان فيها راحة، كأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.

عدت السنين، وجت لحظة الخروج اللي أنا واقفة فيها دلوقتي قدام السجن، والراجل اللي ماسك ورد عباد الشمس واقف قدامي عيونه مليانة دموع متجمعة.

“مريم… تعالي معايا… نروح بيتنا.”

قربت منه خطوتين، الريح الباردة خبطت في وشي، وبصيت للورد اللي في إيده، وبعدين رفعت عيني لوشه مباشرة.

“بيت مين يا طارق؟”

طارق… محامي الشركة بتاعتي، والصديق المقرب لكريم من أيام الكلية، الراجل اللي كان ماسك كل قضاياي ومتابعة حساباتي طول التلات سنين اللي فاتوا وأنا ورا القضبان.

طارق بلع ريقه وصوته اتهز وهو بيقول:

“بيتك يا مريم… أنا جهزت كل حاجة، كل الورق اللي يضمن حقك، وكل الحسابات اللي اتجمدت.. أنا استنيتك عشان أصلح اللي غيري دمره.”

مسكت العود بتاع ورده واحدة من البوكيه، وبصيتله بتركيز:

“أنا في السجن كان عندي وقت طويل أوي أفكر يا طارق.. أفكر في كل التفاصيل الصغيرة. افتكرت الاجتماع اللي اتلغى فجأة يوم 17 ديسمبر.. الاجتماع اللي إنت بنفسك اتصلت بيا الصبح وقبل ما أطلع الشركة قلتلي إن العميل حوّل الفلوس ومش محتاج نقعد معاه.”

وش طارق بدأ يتغير، والابتسامة المترددة اللي كانت على شفايفه اختفت كأنها ما كانتش.

كملت وأنا حاطة عيني في عينيه:

“ساعتها افتكرتك بتخدمني وتوفر عليا وقت.. بس لما قعدت في زنزانتي وجالي المحامي الثاني اللي عينته من وراك وشوفت كشوفات الحسابات اللي اتسحبت كلها ليلة ما أنا اتقبض عليا.. فهمت. إنت ماكنتش بتوفر عليا وقت.. إنت كنت بتتأكد إن مريم هترجع البيت بدري وتشوف الخيانة بعينيها.. إنت اللي أخرت كريم في البيت، وإنت اللي زقيت نهى، عشان عارف إني مش هسكت، وعارف إني لما أدخل السجن، الشغل والشركات والأصول كلها هتتحول لإدارتك إنت وكريم مناصفة.”

طارق نزل إيده بالورد شوية، وعينيه وسعت برعب مش مصدق إن كل حاجة انكشفت.

قربت منه أكتر لحد ما بقيت على بعد سنتيمترات من وشي، وقلتله بصوت واطي ومستقر كأن ألم التلات سنين كله تحول لحديد:

“أنا ما خسرتش تلات سنين يا طارق.. أنا اشتريت بالثلاث سنين دول حريتي منكم كلكم.. والنهارده، اللعبة اللي إنت وكريم بدأتوها، أنا اللي هقفلها.”

طارق سكت خالص، إيده اللي ماسكة الورد بدأت تترعش، والوردة اللي كنت ماسكاها اتفركت بين صوابعي ووقع ورقها الأصفر على الأرض الترابية.

“مريم… إنتي فاهمة غلط…”

صوته طلع واطي ومكسور، بس ماكانش فيه نقطة صدق واحدة.

ابتسمت ابتسامة باردة، ومشيت من جنبه بخطوات هادية ناحية العربية. فتحت الباب المالي جنب السواق وقعدت، وبصيتله من الشباك:

“اركب يا طارق… مش بتقول نروح بيتنا؟ يلا عشان نوصل.”

ركب جنب الشباك التاني وهو ساكت تمامًا، حط بوكيه الورد على الكنبة المقلوبة ورا، وطول السكة كان بيبصلي من مراية العربية بجزع. أنا ما بصيتش ورايا ولا مرة. كنت بفرج عيني على الشوارع، على المباني، على الناس اللي ماشية طبيعي كأن الزمن ما وقفش عند حد يوم 17 ديسمبر.

العربية وقفت قدام العمارة اللي فيها الشقة القديمة. الشارع هو هو، بس كل حاجة جوايا أنا كانت اتغيرت.

طلعت السلم، وطارق طالع ورايا بيتنفس بصعوبة. وقفت قدام الباب، حطيت إيدي على الأوكرة، وفتحت.

الشقة ماكنتش مهجورة زي ما كنت متوقعة. كان فيه ريحة سجاير طالعة من جوة، وصوت تلفزيون شغال بصوت واطي.

أول ما خطيت جوة، الصوت سكت.

كريم كان قاعد على الترابيزة، قدامه أوراق وملفات مفتوحة، وفي إيده كاس. أول ما شافني واقفة قدامه، إيده اتجمدت في الهواء. كَبَر ثلاث سنين كاملين، شعره شاب، وعلامة قديمة كانت واضحة على دراعه.

بص لطارق اللي واقف ورايا، وبعدين بصلي وقال بصوت مبحوح:

“مريم…”

“رجعت يا كريم…” قلتها وأنا بقفل الباب ورايا بالراحة. “رجعت عشان أخد الهدية اللي نسيتها يوم عيد جوازنا التالت.”

كريم قام من مكانه ببطء، عينيه بتروح بيني وبين طارق:

“إيه اللي جابك هنا؟ طارق… إنت مش قلت إنك هتستناها وتوديها الشقة الجديدة لحد ما نخلص نقل الأسهم؟”

طارق بلع ريقه وما نطقش.

أنا مشيت بخطوات ثابتة ناحية الترابيزة، مسكت ملف من الملفات المفتوحة وقريت العنوان اللي عليه. كان تنازل عن باقي أصول الشركة باسم شركة أوفشور مسجلة بره مصر… باسم طارق وكريم.

“كنتوا فاكرين إن السجن بيقفل العقل؟”

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button