روايات وقصص

روحت أخطب لإبنى 1 زهرة الربيع

ـ إيه؟

ـ لما تكبر وتبقى راجل، اتحمل نتيجة قراراتك.

هز رأسه.

ـ حاضر.

ـ لو بتحب نورهان، روح لها من الباب.

ـ هعمل كده.

ـ ولو مش مستعد، متظلمهاش.

ـ حاضر.

سكت شوية، وبعدين قال:

ـ وعلياء؟

أنا بصيت له.

ـ علياء خلاص.

ـ يعني؟

ـ يعني سيبها تعيش.

كارم نزل عينه.

ـ هي قالت لي مبروك.

ـ عشان هي بنت محترمة.

ـ أنا حسيت إني صغير قدامها.

ـ لأنك لأول مرة شفت نتيجة تصرفك من غير ما حد يزعق لك.

كارم سكت.

وبعدها قال:

ـ بابا، ممكن نروح لها؟

ـ ليه؟

ـ عشان أعتذر لها.

فكرت شوية.

ـ اعتذر لو عشان ترتاح أنت، بلاش.

ـ لأ، عشان هي تستحق تسمع اعتذاري.

بصيت له.

ـ بكرة.

وفي اليوم التالي، رحنا بيت سالم.

كارم دخل معايا.

سالم استقبلنا بهدوء.

علياء كانت قاعدة.

كارم وقف قدامها.

ـ أنا جاي أعتذر.

علياء قالت:

ـ اعتذارك مقبول.

ـ حتى قبل ما أقول؟

ـ عشان عارفة إنك ندمان.

ـ أنا فعلاً ندمان.

ـ على إيه؟

كارم اتوتر.

ـ على كل مرة سكت فيها.

علياء هزت رأسها.

ـ دي أكتر حاجة وجعتني.

ـ عارف.

ـ بس خلاص.

ـ عايز أسألك سؤال.

ـ اسأل.

ـ إنتِ فعلاً مش زعلانة مني؟

علياء ابتسمت.

ـ زعلانة.

كارم اتفاجئ.

ـ بس…

ـ بس إيه؟

ـ الزعل مش معناه إني عايزة أرجع لك.

الكلمة نزلت عليه بهدوء، لكنها كانت نهائية.

هز رأسه.

ـ فهمت.

علياء قالت:

ـ وأنا أتمنى لك الخير.

ـ وإنتِ كمان.

خرج كارم من البيت وهو ساكت.

وأنا وأنا ماشي جنبه، حسيت إن ابني اتغير في يومين.

مش لأنه خسر خطوبة.

لكن لأنه لأول مرة فهم إن الاختيار مش مجرد كلمة يقولها الإنسان وقت ما يحب.

الاختيار مسؤولية.

وإن السكوت أحيانًا بيكون قرار، حتى لو صاحبه أقنع نفسه إنه ما عملش حاجة.

بعد شهرين، علياء بدأت ترفض أي حد يتقدم لها.

لكن المرة دي مش بسبب وعد.

كانت بتقول لأبوها:

ـ لما ييجي الشخص المناسب، أنا هقول لك بنفسي.

وسالم كان يبتسم.

ـ خلاص يا بنتي، المرة دي القرار قرارك.

أما كارم ونورهان، ففضلوا فترة طويلة بيتكلموا عن الجواز، لكنهم ما استعجلوش.

لأن كارم عرف إن بناء بيت محتاج صراحة من البداية.

وأنا؟

أنا كل ما افتكر اللي حصل يوم الخطوبة، أفتكر نظرة علياء وهي بتقول:

“الوعد كان بينكم، مش بيني وبين كارم.”

وأفتكر قد إيه الواحد ممكن يكون فاكر إنه بيعمل الصح، وهو في الحقيقة بيقرر حياة ناس تانية بدلهم.

بعد سنة تقريبًا، كنت قاعد مع سالم في نفس المكان اللي بدأنا فيه حكاية أولادنا من سنين.

بص لي وقال:

ـ فاكر وعدنا القديم؟

ضحكت.

ـ فاكره.

ـ لو رجع بيك الزمن، كنت هتعمله؟

سكت شوية.

وبعدين قلت:

ـ كنت هقول لك نخليهم يحبوا بعض الأول.

ضحك سالم.

ـ وأنا كنت هقول لك نسألهم أصلًا عايزين إيه.

ضحكنا إحنا الاتنين.

وبعدين سالم بص للشارع وقال:

ـ المهم إننا اتعلمنا.

قلت:

ـ واتأخرنا شوية.

ـ بس اتعلمنا.

في اللحظة دي، عربية وقفت قدام البيت.

نزلت منها علياء.

كانت لابسة هدوم بسيطة، ووشها هادي.

وراها شاب في سنها تقريبًا.

دخلت وهي بتضحك.

بصت لنا وقالت:

ـ بابا، عمي محمود… عايزة أعرفكم على حد.

أنا وسالم بصينا لبعض.

سالم ابتسم وقال:

ـ المرة دي، إنتِ اللي اخترتي؟

علياء ابتسمت.

ـ أيوه.

الشاب سلم علينا بأدب.

ـ أنا حسام.

سالم مد إيده له.

ـ أهلاً يا ابني.

وأنا سلمت عليه.

ـ نورت.

علياء بصت لنا وهي بتضحك.

ـ بس قبل أي حاجة…

سالم قال:

ـ عارفين.

ـ إيه؟

ـ مفيش وعود.

ضحكت علياء.

ـ بالظبط.

ومن يومها، فهمنا كلنا إن العيلة مش بتفضل عيلة عشان كل واحد ينفذ وعد قديم.

العيلة بتفضل عيلة لما تحترم اختيارات بعض، وتعرف إمتى تتمسك، وإمتى تسيب، وإمتى تقول “أنا غلطت” من غير ما تدور على مبررات.

أما كارم، فبعد فترة اتجوز نورهان، لكن المرة دي من غير مفاجآت ولا تحديات ولا وقوف قدام الناس.

اتقدم لها من بيت أهلها، وقعد مع والدها، وقال له بصراحة:

ـ أنا بحب بنتك وعايز أتجوزها، ولو هي موافقة.

والدها بص لنورهان.

نورهان ابتسمت وقالت:

ـ موافقة.

كارم وقتها فهم الفرق.

في المرة الأولى كان عايز يفرض اختياره قدام الجميع.

وفي المرة الثانية، اتعلم إن الاختيار الحقيقي يبدأ لما كل الأطراف تكون موافقة.

أما علياء، فكانت بداية جديدة تمامًا.

لأول مرة في حياتها، كانت بتبني مستقبلها بنفسها.

مش لأنها بنت سالم.

ومش لأنها كانت مخطوبة لابن عمها.

ومش لأنها كانت جزء من وعد قديم.

لكن لأنها علياء.

إنسانة ليها قلب وعقل وحق تختار.

والحكاية كلها بدأت بوعد اتقال بحب…

وانتهت لما فهمنا إن أجمل الوعود مش إننا نقرر مستقبل أولادنا.

أجمل وعد إننا نفضل جنبهم وهم بيقرروا مستقبلهم بنفسهم.

بعد اليوم اللي رحنا فيه بيت سالم عشان كارم يعتذر لعلياء، افتكرت إن الحكاية خلصت.

كنت فاكر إن أصعب حاجة عدّت.

فاكر إن كل واحد رجع لطريقه، وإن اللي حصل في الخطوبة بقى مجرد ذكرى تقيلة هنحاول ننساها مع الوقت.

لكن بعد حوالي شهر، حصل موقف صغير جدًا، في ظاهره ملوش أي علاقة باللي فات، لكنه كان أول خيط في حاجة محدش فينا كان متوقعها.

كنت قاعد على القهوة مع سالم، بنتكلم في شغل بسيط، لما تليفوني رن.

بصيت في الشاشة.

كان كارم.

رديت:

ـ أيوه يا ابني.

سكت ثواني.

ـ بابا، إنت فين؟

ـ مع عمك سالم.

سكت تاني.

ـ طب ممكن تفضل مكانك؟

ـ ليه؟

ـ عشان أنا جاي لك.

قفلت وأنا مستغرب.

بصيت لسالم.

ـ كارم جاي.

ـ خير؟

ـ مش عارف.

بعد عشر دقايق، شوفنا كارم داخل علينا.

بس أول ما شفته، عرفت إن فيه حاجة مش طبيعية.

وشه كان متغير.

قعد قدامنا من غير ما يتكلم.

سالم قال:

ـ مالك يا ابني؟

كارم بص له وبعدين بص لي.

ـ أنا عايز أسألكم سؤال.

قلت:

ـ اسأل.

ـ هو الاتفاق اللي كان بينكم زمان… كان مجرد وعد بينكم؟

سالم بص لي باستغراب.

ـ أيوه.

ـ متأكد؟

ـ يعني إيه متأكد؟

كارم طلع موبايله وحطه على الترابيزة.

ـ لأن أنا لقيت حاجة مش فاهمها.

أنا قربت منه.

ـ لقيت إيه؟

فتح صورة.

كانت صورة قديمة جدًا.

صورة لينا أنا وسالم وإحنا شباب، قاعدين قدام بيت أبويا القديم.

وفي الصورة كان فيه ورقة على الترابيزة.

قلت له:

ـ دي إيه؟

ـ مش عارف.

سالم قرب من الموبايل.

وأول ما شاف الصورة، وشه اتغير.

ـ إنت جبت الصورة دي منين؟

كارم قال:

ـ من دولاب جدي.

سالم سكت.

أنا بصيت له.

ـ مالك؟

قال:

ـ الصورة دي كانت عند أبويا.

ـ يعني إيه؟

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button