منوعات

حكايات زهرة الربيع

حماتي بعتتني عند واحدة سمعتها مش كويسة، علشان تخلي جوزي يمسكني هناك ويطلقني، وبعد ما وصلت بدقايق لقيت جوزي هو وحماتي جايين ورايا، بس أنا ابتسمت وهمست في ودن حماتي بكلمات خلتها تفقد توازنها من شدة الصدمة!

من أول يوم دخلت فيه البيت ده وأنا عارفة إن حماتي مش متقبلاني. مكنتش طيقاني ولا موافقة على الجوازة دي من أساسه، وكانت دايماً تبص لي بنظرات قاسية وكأنني أخدت منها ابنها. بس اللي كان مصبرني ومخليني أتحمل هو جوزي؛ كان بيحبني وبيقدرني، ومكنش بيسمح لها تضايقني، وده طبعاً كان بيزيد غضبها أكتر وأكتر.

لما لقت إن كل محاولاتها عشان توقع بيني وبين جوزي بتفشل، ومفيش مشكلة قادرة تفرق بينا، بدأت تفكر في خطة تنهي بيها الجوازة دي للأبد. خطة تخليني أخرج من البيت ده مش بس مطلقة، لأ، ومكسورة ومحرجة كمان. وبدأت تلعب لعبتها الخبيثة.

بدأت ترمي كلام لجوزي في الرايحة والجاية: “يا ابني مراتك دي مش مريحاني”، “دي بتسيب البيت كل يوم والتاني ومحدش عارف بتروح فين ولا بتيجي منين”، “أنا خايفة عليك يا حبيبي، اسأل وراها وشوف تصرفاتها دي آخرها إيه”.

جوزي في الأول مكنش بيهتم، وكان بيصدها ويقولها: “دي مراتي وأنا واثق فيها”. بس مع تكرار الكلام يوم ورا يوم، الشك بدأ يدب في قلبه، وبدأت ملامحه تتغير ونبرة صوته تقسى.

في يوم رجع من الشغل، ولقيته باصص لي بنظرة غريبة وعيونه فيها تساؤلات كتيرة، وفجأة سألني بنبرة حادة:

“بقولك إيه.. أنتِ بتطلعي تروحي فين بالظبط لما بكون في الشغل؟ كل يوم والتاني بتسيبي البيت، بتروحي فين ومن ورايا؟”

أنا استغربت جداً، وبصيت له ومبقتش مصدقة إنه بيسألني السؤال ده، وقلت له بعفوية:

“جرى إيه يا ابن الناس؟ ما أنت عارف.. بروح لأمي، ما أنا قايلالك ومستأذنة منك قبل ما أنزل، واليوم اللي مبروحش فيه بكون عند أختي أو بشتري طلبات البيت. إيه اللي جرى في الدنيا؟”

هو سكت ومردش، بس كنت شايفة في عينيه إن الكلام لسه مأثر فيه.

تاني يوم الصبح، بعد ما جوزي نزل الشغل بساعة، لقيت حماتي بتناديني بصوت ناعم ولطيف.. لطافة غريبة مش متعودة عليها منها أبداً! قلبي انقبض وحسيت إن فيه حاجة بتتدبر.

دخلت أوضتها، لقيتها بتبتسم وتقولي:

“بقولك إيه يا حبيبتي، معلش هتعبك معايا.. انزلي روحي عند الست فلانة هاتي لي منها حنة، بيقولوا بتبيع حنة حلوة أوي وأنا صراحة نفسي أحني شعري النهاردة.”

أول ما قالت الاسم، جسمي كله اتنفض. الست دي بالذات المنطقة كلها بتتكلم عنها، وسمعتها مش كويسة، والناس دايماً بتتكلم عن الأشخاص اللي بيروحوا عندها، والشقة بتاعتها كانت معروفة بالمشاكل والتصرفات المريبة.

بصيت لحماتي بتوتر وقلت لها:

“بس يا حماتي.. الست دي كل المنطقة عارفة إن سمعتها مش كويسة، والناس كلها بتتكلم على الشقة بتاعتها والناس اللي بتدخل وتخرج. أنا رجلي متخطيش مكان زي ده أبداً!”

ملامحها اتقلبت في ثانية، واللطافة اختفت، وزعقت فيا وقالت:

“جرى إيه يا بت أنتِ؟ أنا بقولك روحي هاتي حاجة وتيجي، أنتِ مش هتطولي هناك، دقيقتين تاخدي الحنة وتنزلي.. ولا أنتِ مش عايزة تسمعي كلامي وخلاص؟”

قلتلها وأنا بحاول أهدي الموضوع:

“حاضر يا حماتي، بس استني لما جوزي يرجع وأسأله، لو وافق هروح.”

هنا صرخت فيا أكتر وقالت:

“تسألي مين؟ أنا سألته الصبح قبل ما ينزل وهو موافق وقال خليها تروح تجيب لك اللي أنتِ عايزاه! اخلصي البسي وانزلي بلاش دلع.”

حسيت إن فيه فخ بيتنصب لي، بس مكنتش قادرة أرفض عشان متعمليش مشكلة كبيرة مع جوزي وتقوله إني بعصى كلامها.

لبست عبايتي ونزلت، وطول الطريق وأنا بدعي ربنا من كل قلبي: “يارب استرها معايا.. يارب أنت عالم بنيتي استرها عليا.”

وصلت لحد البيت ده، وطلعت السلم وأنا رجلي بتترعش. وقفت قدام الباب وخبطت خبطة خفيفة، فتحت لي الست وبصت لي بنظرات غريبة.

قلت لها بسرعة وأنا واقفة على طرف الباب:

“لو سمحتِ، حماتي بعتاني أخد كيس حنة.”

وقبل ما أكمل كلامي، لقيتها بتمد إيدها وبتشدني لجوه الشقة وقالت لي:

“حنة إيه يا قطة؟ تعالى بس ارتاحي شوية جوه، اهدى كده وخدي نفسك.”

وفجأة لفت وقفلت الباب!

قلبي وقع في رجلي، وبصيت حواليا لقيت الصالة فيها كذا شخص قاعدين بشكل مقلق، والمكان كله ريحته غريبة وتدعو للشبهة.

الرعب تملكني وقلت لنفسي: “يا مصيبتي! أكيد فيه حاجة مش مظبوطة.”

الست دخلت جوه واتأخرت، والأوض كانت مقفولة، وكان فيه أصوات وضحكات طالعة من الداخل.

ناديتها بصوت عالي:

“أنا لازم أمشي حالاً، متجيبيش حاجة!”

ولسه بلف وشي وبحاول أفتح الباب عشان أهرب، الباب اتفتح.. ودخل جوزي وحماتي ورا بعض!

جوزي أول ما شافني واقفة جوه الشقة دي، ملامحه اتغيرت، ووشه بقى شاحب من الصدمة، وعينيه اتملى فيها حزن وذهول عمري ما هنساهم. كان باصص لي وكأنه مش مصدق إن دي مراته اللي كان بيدافع عنها.

أما حماتي، فكانت علامات الانتصار مرسومة على وشها، وبصت لجوزي وقالت بصوت كله خبث:

“مش قولتلك يا ابني؟ أهو شوفت بعينك! أدي الست اللي كنت واثق فيها، موجودة في مكان مشبوه!”

أنا في اللحظة دي، الدموع جفت في عيني، والخوف اللي كان جوايا اختفى تماماً، وحل محله ثبات مكنتش أعرف إن عندي.

بصيت لجوزي وقلت له بثبات:

“يا أحمد والله حماتي هي اللي بعتتني هنا وقالت لي روحي هاتي حنة، وقالت لي إنك عارف وموافق.”

حماتي صرخت فيا بتمثيل متقن:

“أنا؟! يا كدابة! أنا أبعتك للمكان ده؟ ده أنا مكنتش أعرف إنك بتيجي هنا أصلاً، أنتِ اللي بتيجي هنا بمزاجك، ودلوقتي لما اتكشفتِ عايزة تلزقي التهمة فيا؟”

جوزي بص لي وعينيه فيها غضب وقالي:

“هتقولي إيه تاني؟.. أنا شوفتك بعيني.”

أنا هنا بصيت لحماتي، وابتسمت ابتسامة عريضة جداً.. ابتسامة خلتها تقلق فجأة.

قلت لجوزي بروقان وثقة:

“فعلاً يا حبيبي.. أنا جيت هنا بإرادتي، جيت لأني كنت محضرة لحماتي أحلى مفاجأة في الدنيا.”

حماتي وبكل غرور قالت:

“مفاجأة إيه يا بنتي؟ أنتِ هتخرفي؟”

قربت منها خطوتين، وحماتي رجعت لورا وهي مستغربة من ثقتي. وطيت على ودنها بالظبط، وهمست لها بكلمتين.. كلمات معدودة مخدتش ثواني.

أول ما الكلمات دي دخلت ودن حماتي، الابتسامة اللي كانت على وشها اختفت تماماً، وعينيها اتفتحت من شدة الصدمة، كأنها سمعت خبراً مستحيلاً.

حاولت تتكلم أو تنطق، بس اتلخبطت، وفجأة فقدت توازنها ووقعت من شدة الصدمة.

المكان كله سكت في ثانية.

أحمد اتخض، ونسى كل حاجة، وجري ناحية أمه:

“أمي! ياما! جرى لك إيه؟ قومي ردي عليا!”

الست صاحبة البيت اتوترت وقالت:

“إيه يا جماعة؟ خدوا الست واطلعوا بره، المكان مش ناقص مشاكل!”

أحمد بص لي وهو مليان خوف ولخبطة، ودماغه مش مستوعبة اللي حصل، وزعق فيا وصوته بيرتعش:

“أنتِ قولتي لها إيه؟ أنتِ عملتي فيها إيه يا شيماء؟!”

رديت عليه بهدوء، وربعت إيدي ووقفت أبص لها:

“ما عملتش حاجة يا حبيبي.. أنا بس فكرتها بحاجة كانت ناسيها، فكرتها بالسر اللي مخبياه من عشرين سنة وخايفة يخرج للنور!”

أحمد بص لي بذهول:

“سر إيه؟ قومي معايا ننزل ونشوف لها حل.”

مسكته من دراعه وشديته بهدوء، وقبل ما ينطق، دخلت أوضة من الأوض الجانبية شبه المقفولة، وطلعت منها رجل كبير كان قاعد جوه بيستخبى.

أحمد أول ما شاف الرجل طالع من الأوضة الداخلية للبيت ده، اتسمر مكانه.

الرجل ده كان “عم حسين”.. جوز حماتي التاني اللي اتجوزته في السر بعد وفاة أبوه بسنتين، والسر اللي مفيش مخلوق في الدنيا يعرفه غيرها. حتى أحمد كان فاكر إن أمه عايشة على ذكرى أبوه المتوفي.

أحمد بص للراجل وبص لأمه اللي كانت لسه تحت تأثير الصدمة، ومش فاهم حاجة:

“عم حسين؟ أنت بتعمل إيه هنا؟”

ابتسمت وقلت لأحمد:

“المفاجأة يا أحمد.. إن أمك هي صاحبة الشقة دي أصلاً! الشقة دي باسمها من عشر سنين، مأجراها للست دي عشان تديرها لحسابها، والفلوس اللي كانت بتتبعت لك وتقولك دي ورثك من أبوك.. كانت بتيجي من المكان ده!”

أحمد وشه اتغير، وبص لعم حسين وقال بصوت عالي:

“الكلام ده صح؟ أنت بتعمل إيه مع أمي في المكان ده؟”

عم حسين ارتبك وقال:

“يا ابني افهم.. أمك هي اللي قالت لي أستناهم هنا عشان لما تخش أنت وهي، نعمل مشكلة لمراتك وتبان بصورة مش حقيقية.”

أحمد اتصدم، والكلام وقع عليه كأنه خبر مفاجئ. بص لأمه اللي بدأت تفوق، وأول ما عينيها جت في عين ابنها وشافت الرجل واقف، عرفت إن الخطة انتهت بالكامل.

همست لها وأنا ميلة عليها عشان تسمعني لوحدها:

“فاكرة لما لقيت عقد الشقة ده بالصدفة في صندوقك القديم من أسبوع وسكت؟ أنا هادية يا حماتي.. بس مش عبيطة. كنت عارفة إنك ناوية لي على مصيبة، وعرفت المكان وعرفت إنك جاية الليلة دي تتفقي مع جوزك السري والست دي عشان ترميني في مشكلة.. بس الخطة رجعت على أصحابها.”

أحمد بص لأمه بحزن شديد وقال:

“يعني أنتِ جايباني هنا عشان تظلمي واحدة غلبانة؟ جاية تعملي مشكلة وتكشفي أسرارك بنفسك؟”

حماتي حاولت تتكلم، وحركت شفايفها بضعف:

“يا.. يا أحمد.. افهم يا ابني..”

أحمد وقف قدامي، والدموع كانت في عينيه، وقال بصوت مليان ندم:

“سامحيني يا شيماء.. أنا كنت غلطان.. كنت همشي ورا كلام أمي، ومفهمتش الحقيقة.”

سحبت إيدي بهدوء، وبصيت له وقلت:

“المسامحة دي بتاعة ربنا يا أحمد.. بس اللي بيني وبينك انتهى هنا في المكان ده. أنت شكيت فيا وسمحت لأمك تاخدك لحد مكان زي ده عشان تحكم عليّ من غير ما تسمعني.. الراجل اللي يصدق على مراته كلام الناس قبل ما يتأكد، ما ينفعش يكون سندي.”

سبتهم واقفين وسط الصدمة، وطلعت من المكان وأنا رافعة راسي.

نزلت السلم بخطوات ثابتة، وأنا عارفة إن الحقيقة مهما اتأخرت بتظهر، وإن الإنسان لما يتمسك بحقه وكرامته بيقدر يبدأ من جديد.

أحمد نزل يجري ورايا على السلم، وبيصرخ بنبرة كلها حسرة:

“شيماء! استني يا شيماء عشان خاطر ربنا! بلاش تسيبي البيت بالسرعة دي.. أنا استاهل الجزاء ده بس أرجوكي اديني فرصة أصلح غلطتي!”

وقفت عند باب العمارة وبصيت له بهدوء:

“تصلح إيه يا أحمد؟ الثقة اللي اتكسرت ولا الموقف اللي حكمت فيه عليّ قبل ما تعرف الحقيقة؟ الكسر اللي بيحصل في الثقة مش بيتصلح بشوية كلام. أنا مش راجعة معاك، وكل شيء بينا انتهى.”

في اللحظة دي، طلعت جارتنا “أم كريم” من الباب وسمعت الكلام، وكانت عارفة حماتي كويس.

بصت لأحمد وقالت:

“أهو ظهر المستخبي يا أحمد يا ابن الحاجة! ناس كتير كانت عارفة إن أمك ليها علاقة بالمكان ده من سنوات، وكانت بتدير أمورها من بعيد. جيت النهاردة تتهم البنت دي؟ ربنا ما بيرضاش بالظلم يا ابني.”

أحمد وشه اتقلب من الخجل، ومبقاش عارف يبص للناس اللي بدأت تتجمع وتسمع الكلام.

حماتي حاولت تتكلم وتوضح موقفها، لكن أحمد قال لها بصوت واضح:

“بس بقى! كفاية! أنتِ دمرتي بيتي بإيدك، ومن النهاردة مكيش دعوة بحياتي!”

سحبت شنطتي اللي كنت شايلاها على كتفي ومشيت في طريقي لبيت أبوي، وأنا عارفة إن الصفحة دي انتهت.

أول ما وصلت بيت أهلي، فتحت لي أمي الباب، ولما شافت ملامحي الهادية والواثقة، حضنتني وقالت لي:

“حقك رجع لك يا بنتي؟”

رديت عليها وابتسامة راحة على وشي:

“رجع وزيادة يا أمي.. ربنا كشف الحقيقة، ومن النهاردة بدايتي الجديدة هتكون نظيفة ومفيهاش ظلم.”

مرت كام يوم وأنا قاعدة في بيت أبوي، حاسة براحة بال وعزة نفس عمري ما عشتهم قبل كده.

تليفوني مكنش بيبطل رن. أحمد كان بيتصل ويبعت رسائل اعتذار وترجي، ويكرر إنه عايز فرصة يصلح اللي حصل، بس أنا كنت قفلت الباب على المرحلة دي.

في يوم، لقيت الباب بيخبط. فتح أبوي ولقى عمي الحاج متولي، كبير العيلة عندهم، وجايب معاه أحمد.

دخلوا وقعدوا في الصالة، وأبوي طلبني عشان أسمع.

الحاج متولي بص لي وقال بنبرة هادية:

“يا بنتي، اللي حصل كان مشكلة كبيرة، وأنا جيت لحد عندك عشان أطيب خاطرك. أحمد غلطان ومقر بغلطه، وأمه حصل لها تعب شديد بعد اللي حصل، والناس كلها عرفت الحقيقة.”

أحمد اتكلم بصوت مخنوق:

“يا شيماء.. أنا قطعت علاقتي بكل المشاكل اللي كانت حوالينا، وبقيت عايز أصلح حياتي. حقي عليا، بس ترجعيلي وتديني فرصة أصلح اللي انكسر.”

بصيت لأحمد بجمود، وربعت إيدي وقلت له بنبرة ثابتة:

“اللي انكسر يا أحمد مش سهل يتصلح. أمك ربنا جاب لي حقي منها، لكن أنت؟ أنت اللي كنت سندي، وكان المفروض تدور على الحقيقة قبل ما تحكم عليّ. مشكلتك مش بس في كلام أمك، مشكلتك إنك مكنتش واثق فيا.”

أبوي بص لي وطبطب على كتفي وقال:

“سمعتوا القول الفصل؟ بنتي اتظلمت، والجرح اللي في قلبها مش هيداويه شوية كلام. كل شيء قسمة ونصيب.”

أحمد حاول يقرب مني ويترجاني، بس أنا قمت ووقفت بثبات وقلت له:

“يا أحمد، أوراق الطلاق توصلني على بيت أبوي، وده آخر كلام عندي.”

طلعت من الصالة ودخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا.

قعدت على السرير ورفعت راسي للسما وابتسمت.. عرفت إن الحق لما بيرجع، بيمحي معاه جزء كبير من الوجع، وإن الإنسان لما يحافظ على كرامته بيقدر يبدأ من جديد.

وصلتني أوراق طلاقي بعد أسبوع بالظبط.

مسكت الورقة في إيدي، وحسيت إن حمل ثقيل كان على صدري وأخيراً انزاح. مكنش فيه ندم، بالعكس، كنت حاسة براحة بال كبيرة.

عدت الأيام، ورجعت لحياتي ولشغلي القديم في تفصيل الملابس، ورزقي بدأ يوسع وشغلي يكبر. الناس كلها في المنطقة كانت بتتكلم عن أدبي وأخلاقي، والكل بقى عارف الحقيقة.

في يوم، كنت ماشية في الشارع ورايحة أشتري قماش، وفجأة لقيت واحدة بتناديني بصوت مكسور. التفت لقيتها أخت أحمد الصغيرة.

قربت مني وقالت بصوت بيترعش:

“شيماء.. أمانة عليكِ تسامحي أمي.. حالتها صعبة جداً.”

سألتها بكل هدوء:

“خير يا أمل؟ إيه اللي جرى؟”

قالت لي والدموع في عينها:

“أمي تعبها زاد ومبقتش بتقدر تتحرك كويس، وعم حسين بعد ما اتكشفت الحقيقة ساب كل حاجة ومشي، وأحمد حاله اتغير تماماً.. ساب الشغل وبقى يقعد بالساعات لوحده، وكل ما يفتكر اللي حصل يقول إن أمي كانت السبب في خراب حياته.”

سمعت كلامها، وبصيت للسما وقولت:

“سبحان من يرد الحقوق بعدل.. أنا مش حاقدة على حد يا أمل، ربنا أخد لي حقي، وأنا عايزة أعيش حياتي من غير كراهية.”

سبتها ومشيت في طريقي، وأنا ببتسم بأسى على نهاية الظلم.

حماتي اللي كانت فاكرة إن الخداع هيحميها، أصبحت درساً لكل من عرف القصة، وجوزي اللي مشي ورا الشك بقى عايش في ندم على قراراته.

وعرفت إن الأيام بتكشف الحقيقة، وإن الحق مهما اتأخر، بيظهر في النهاية.

عدت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة كانت كفيلة إنها تغير كل حاجة وترجع كل واحد لمكانه الطبيعي.

أنا حياتي اتفتحت لها أبواب الخير من وسع؛ المشغل الصغير اللي بدأته بمكنة خياطة واحدة في بيت أبوي، بفضل الله وبدعوات أمي، بقى مشغل كبير وشغال فيه أربع بنات معايا.

اسمي بقى معروف في السوق بالأمانة والنظافة، والناس بقت تجيلي بالاسم. كنت حاسة إن ربنا بيعوضني عن كل لحظة خوف وكسرة عشتها في البيت ده، وعرفت إن لما باب بيتقفل بسبب الظلم، ممكن تفتح بعده أبواب جديدة للأمل.

في يوم، كنت نازلة المعرض أشتري ثياب قماش جديدة، وفجأة لقيت راجل طالع عليّ وبينادي باسمي بصوت واطي ومتردد.

بصيت له.. اتصدمت!

مكنتش قادرة أصدق إن ده أحمد.

أحمد كان واقف قدامي بشكل مختلف تماماً؛ هدومه بسيطة وملامحه مرهقة، وعيونه فيها انكسار وندم عمري ما شوفتهم فيه قبل كده.

ربعت إيدي وبصيت له بثبات وقلت له:

“خير يا أحمد؟ فيه حاجة؟”

صوته طلع بالعافية وهو بيرتعش:

“شيماء.. أنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي، أنا عارف إنني خسرتك بسبب أخطائي.. أنا بس جاي أقولك إني ندمان على كل اللي حصل.”

دمعة نزلت من عينه ومسحها بسرعة بظهر إيده وكمل:

“أمي توفت الأسبوع اللي فات يا شيماء.. توفت وهي حزينة، وأنا بقيت عايش لوحدي. كل مكان حواليا بيفكرني بيكِ وبالظلم اللي حصل. أنا سبت شغلي الأولاني وبشتغل شغل بسيط عشان أقدر أعيش.. بس الحياة اتغيرت.”

سمعت كلامه وأنا حاسة بهدوء غريب جوايا. مفيش تشفي ولا شماتة، بس فيه يقين إن الإنسان بيتعلم من أخطائه.

بصيت له وقلت له بنبرة هادية وحاسمة:

“أحمد.. ربنا يرحم أمك ويغفر لها، ويغفر لك. أنا سامحتكم في حق نفسي من زمان عشان أعرف أعيش وأنجح.. بس المسامحة مش معناها الرجوع. الحياة لما بتقف عند نقطة معينة، مبيكونش ليها راجعة. ادعي ربنا يسامحك وابدأ حياتك بعيد عني.”

سبته واقف مكانه، ومشيت بخطوات واسعة وواثقة للقدام.

السابق1 من 2
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button