عام

حمايا وليلة فرحى حكايات انجى الخطيب

ترددت ثواني قبل ما أرد. فتحت الخط، وجالي صوت ست كبير في السن، نبرتها كانت مرعوبة وبتهسس:
“يا ندى… أنتي ندى مش كده؟ أنتي العروسة اللي ضربتيهم وخرجتي؟”
قلبي اتنفض، وقلت بصوت مشدود:
“أيوة أنا… أنتي مين؟”
“أنا أخت حماكي الكبير.. عمة كريم. أنا سمعت اللي حصل، وجبت رقمك بالعافية عشان أقولك كلمتين تبرئي بيهم ذمتك، ولأن ربنا نجاكي من الموت.”
سكتت شوية بتاخد نفسها، وأنا ماسكة التلفون بإيد بترعش، كملت:
“العيلة دي يا بنتي مابتعملش عمل عشان الخلفية… القصة مش سحر زاي ما قالولك في النيابة. حماكي وأبوه من قبله كان عندهم جشع عمى قلوبهم. العيلة دي بتشتري بيوت وأراضي قديمة في الصعيد وفين ما يروحوا، وحماكي كان متفق مع ناس بيجروا ورا آثارات تحت البيت اللي أنتوا سكنتوا فيه… وكان الشطارة والشرط عشان الكنز يتفتح، يبخروا الأوضة ويدبحوا في ليلة الدخلة بسكينة على جنابة عشان يفكوا الرصد!”
نفسي اتقطع. حسيت بالدم بيهرب من جسمي.
يعني الموضوع مكنش مجرد جهل أو دجل عائلي… دي كانت عملية قتل وتضحية متخطط ليها ببرود!
كملت العمة وهي بتبكي:
“المرتين اللي فاتوا العرايس الهبل خافوا من الفضيحة وهربوا بشرفهم وسكتوا وما كملوش… لكن المرة دي كانوا خلاص متزنقين في الوقت وكانوا ناويين ينفذوا القربان فيكي أنتي ليلة فرحك! كريم ابن أخويا كان مجرد أداة وبصام لأبوه.. ربنا نجاكي يا بنتي، إوعي تتنازلي عن القضية.”
قفلت الخط وأنا مستوعبة حجم الخطر اللي كنت فيه. مكنتش واقفة قدام ناس مجانين بالعادات، أنا كنت واقفة قدام عصابة بتتاجر بالدماء عشان المال!
أخدت تسجيل المكالمة، ونزلت بيه فوراً على المحامي بتاعنا، والتحقيقات اتفتحت من جديد على أساس تهمة “الشروع في القتل والتخطيط لجريمة”. وتفتيش البيت القديم كشف السرداب واللي كان مستخبي تحته.
في النهاية، أخد حمايا وكريم أحكام مشددة وراء القضبان. واليوم، كل ما أعدي على ساعة وتيجي 3:00 الفجر، مابقتش أحس بالرعب، بقيت أبص للساعة وأبتسم… لأني أعرف كويس إن الشجاعة في لحظة واحدة، ممكن تنقذ روحك وتكشف أعتى صور الشر في العالم.

بعد سنتين من الحكم عليهم وتشميع بيت حمايا بالكامل، كنت فاكرة إن الفصل ده اتطوى والأيام كفيلة تخليني أنسى. اتخرجت، ورجعت لشغلي في شركة الديكور، وحاولت بكل طاقتي أبني حياة جديدة مفيهاش خيالات ولا خوف من الساعة 3 الفجر.
لكن الأحداث الحقيقية بيبقى ليها دايماً ديل طويل.
في يوم أربعاء عادي، كنت نازلة من مكتبي الساعة 5 بعد الظهر، وجايالي مكالمة من نمرة أرضي غريبة. رديت وأنا بركب عربيتي:
“ألو؟”
جالي صوت راجل هادي، فيه وقار غريب بس يزرع الشك في القلوب:
“يا أستاذة ندى… أنا المحامي عبد الرحمن، مسكّن موكل جديد عنده أراضي وممتلكات تخص العيلة إياها، وبيتواصل معايا عشان يعمل تسوية في القضايا المدنية والتعويضات اللي ليكي.”
قلت بجفاء وصرامة:
“أنا مش عايزة فلوس ولا تعويضات من العيلة دي، القضايا المقفولة مش هفتحها، وعايزة اسم العيلة ده يتمحى من حياتي.”
الراجل سكت ثواني، وبعدين نطق جملة خلت إيدي تتجمد على دركسيون العربية:
“أنا فاهم موقفك.. بس الموكل اللي معايا مش حماكي ولا كريم.. الموكل هو الشريك التالت اللي كان شاري الأرض معاهم، وموجود حالياً بره مصر.. وبيقولك إن الخريطة اللي كانت تحت السرير لسه نصها معاكي في الفستان القديم!”
جسمي اتخشب. الفستان!
فستان فرحي اللي قطعه حمايا وراميته في كرتونة فوق دولاب أوضتي القديمة في بيت أبويا من ليلتها وما مدتش إيدي عليه ولا بطق أشوفه!
قفلت السكة في وشه من غير ما أنطق كلمة. طلعت أجرى على بيت أبويا، دخلت أوضتي وشديت الكرتونة من فوق الدولاب وإيديا بتهتز. فتحتها، وطلعت الفستان الأبض اللي كان متوسخ ومتقطع من ناحية البطانة الداخلية.
مسكت الجاهة المتقطعة وبدأت أفرك البطانية الفايبر القاسية بإيديا… وفعلاً!
كان فيه جيب سحري صغير متخاط بفتلة بيضا جوة البطانة، مقفول بدبوس إبرة مصدي. فتحته بالراحة، وطلعت ورقة قماش زفرة ومعطنة، مرسوم عليها كروكي بدائي لبيت حمايا ومكتوب تحتيه بلغة عربية قديمة وحروف مقطعة:
“تحت البلاطة السادسة من الجدار الشرقي.. لا يفتح إلا بدم بكر من أهل البيت.”
في اللحظة دي فهمت كل حاجة. حمايا وكريم مكنوش بس عايزين يضحوا بيا.. دول كانوا زارعين خريطة الشفرة في فستاني عشان لو الشرطة دخلت أو الموضوع اتكشف، الورقة تفضل بعيدة عن عيون التحقيقات وفي أمان معايا من غير ما أدرى!
نزلت فوراً للنيابة العامة ومعايا المحامي بالورقة الجديدة. التفتيش التاني للشقة المشمعة جاب الخبير الأثري، ولما هدوا الحيطة الشرقية ورفعوا البلاطة السادسة، القوة أكتشفت مقبرة سرداب كاملة فيها قطع أثرية يرجع تاريخها للعصر المتأخر، وكان مخططلها تتهرب بره مصر لحساب شبكة دولية كاملة حمايا مجرد زرار فيها!
القضية اتقلبت من مجرد جريمة شروع في قتل محلي، لجريمة تهريب آثار كبرى أطاحت بناس كبار كانوا متغطين ورا العيلة دي.
النهاردة، لما بفتكر كل اللي حصل، بعرف إن الحق مابيموتش، وإن الليلة اللي افتكرتها أسوأ ليلة في حياتي، كانت السبب اللي ربنا اختاره عشان ينقذ بيه تاريخ بلد كامل كان بيتسرق في الضلمة.

مرت سنتين كمان على قضية الآثار، والأيام مشيت هادية وهادية جداً، لدرجة إني بدأت أصدق إن كل الخيوط اتفكت، وإن نصيبي من المغامرة والكوابيس خلص خلاص. اشتغلت أكتر، وترقيت في شغلي، وبقيت مديرة قسم الديكور في الشركة، وحياتي أخيرًا بقى ليها إيقاع طبيعي وبسيط زي أي بنت في سني.
لحد ما جه يوم الأحد، ودخلت عليا سكرتيرة الشركة وبإيدها طرد مقفول بورق بني ورخيص، ومكتوب عليه اسمي بخط يد بالريح.
“يا أستاذة ندى، الطرد ده جه باسمك بالمكتب مع دليفري، وما رضيش يسيب اسم الراسل.”
أول ما مسكت الطرد، حسيت ببرودة غريبة سرت في صوابعي. فتحت الشريط اللاصق ببطء، وطلعت من جوه كادر خشبي قديم جداً، جواه صورة أسود وأبيض متهالكة.
الصورة كانت لفرح قديم… فرح من الثمانينيات.
في النص كان واقف حمايا وهو شاب صغير، وجنبه عروسة بفستان زفاف منفوش، ووراهم على الحيطة معلقة نفس السكينة الجرانيت ذات المقبض الخشبي!
لكن المرعب مش الصورة… المرعب كان الظهر بتاعها.
كان مكتوب بخط أحمر حبر جاف:
“السر مش في الأرض يا ندى… السر كان في العروسة. وأنتي لسه ما خرجتيش من الدايرة.”
رجليا مشالتنيش، قعدت على الكرسي وأنا بتنفس بصعوبة. أخدت الصورة وجريت على بيت العمة، الست الكبيرة اللي كانت كلمتني زمان وكشفتلي سر الأرض والآثار.
أول ما فتحتلي الباب وشافت الصورة في إيدي، وشها اصفر وجسمها بدأ يترعش. زقتني جوه الشقة وقفلت الباب بثلاث ترباسات وهي بتهسس بصوت مرعوب:
“وصلتلك الصورة؟ يالاهوي… جابوا طريقك إزاي؟!”
مسكتها من دراعها وقلت بصوت مشدود:
“مين دول يا عمة؟! حمايا وكريم في السجن محكوم عليهم بأحكام مشددة! مين اللي بيبعتلي ومين العروسة اللي في الصورة دي؟!”
الست قعدت على الكنبة وهي بتبكي وبتهز رأسها:
“العروسة دي تبقى أختي الصغرى يا ندى… العروسة الأولى! اختفت من 40 سنة، وأبويا وحماكي قالوا إنها هربت مع واحد وصعقوا العيلة كلها بالعار… بس الحقيقة مكنتش كده. أختي متهربتش… أختي هي اللي كانت العينة الأولى اللي اتعمل عليها الطقس ده، ولما رفضت تسكت…”
سكتت العمة وشاهقة بالدموع، كملت وهي بتبص في عيني بذهول:
“اللي بيحرك حمايا وكريم مش مجرد طمع في آثار… فيه عيلة ثانية كبيرة هي اللي مسؤولة عن الشفرات دي كلها، وهم فاكرين إن الشفرة الأخيرة للسر مكنتش في الفستان… الشفرة كانت منقوشة على ظهر السكينة نفسها، والسكينة دي دلوقتي محروزة في أدلة النيابة باسمك أنتي!”
في اللحظة دي، تلفوني رن بنغمة رسالة.
فتحت الشاشة، لقيت إشعار من كاميرا المراقبة اللي حطاها قدام باب شقتي الخاصة.
التسجيل المباشر كان جايب شخص واقف قدام باب شقتي، لابس زيتي ثقيل، وماسك في إيده نفس الكادر الخشبي… وبيص للكاميرا و his mouth is forming a slow, terrifying smile.
قفلت التلفون وأنا باخد نفس عميق. مكنتش نفس البنت الخايفة بتاعة ليلة الفرح اللي بتجري في السلم وبتصرخ. النادي ده والظلم ده كبروني وقووني.
بصيت للعمة وقلت بثبات يرعب:
“المرة دي مش هجري ولا هصرخ لحد يلحقني يا عمة… المرة دي أنا اللي هروح للنيابة بالصورة وبالفيديو، وهجيب البقية الباقية من العصابة دي ولو كانوا تحت الأرض.”
طلعت من الشقة، ومسكت تلفوني وطلبت رقم رئيس مباحث القضية مباشرة… وأنا عارفة إن المواجهة الأخيرة بدأت، وبكرة النور هيطلع على كل الضلمة دي للأبد.

تمت

حكايات انجى الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also
Close
Back to top button