عام

كنت عند اختى حكايات زهرة الربيع

— الكلام ده صح؟ القطعة اللي لقيتها عنده في الدولاب كانت إيه؟

رامي غطى وشه بإيديه وهو بينحب زي الأطفال:

— كانت من ضمن الحاجات اللي بتطلبها مني عشان تذلني بيها.. تخليني ألبس هدوم غريبة وأغسل البيت وأمسح وأطبخ تحت تهديد إنها تبعت التسجيلات لشركتي وأهلي وليكي أنتِ بالذات.. كنت بصرف عليها وبدفع لها كل قرش، والشورت اللي نسيت ألمّه في المرة اللي فاتت كان طالع من كيس الحاجات اللي بتبتزني بيها.. أنا تعبان يا هدى، كنت بتعالج وسكّت، بس هي استغلت ضعفي ودمرتني!

كنت بمسح دموعي وأنا حاسة إن الهوا بيخلص من رئتي. الخيانة كانت هتوجع قلبي كتير، إنما المشهد ده ذبح كرامتي ونخوتي وأماني في بيتي. أختي الدم واللحم بتمارس أبشع أنواع الابتزاز والشر مع جوزي، وجوزي اللي كنت بشوفه سند وسيد الرجالة طلّع مجرد شبح مكسور بلا شخصية ولا كرامة، بيمثل عليا الشهامة وهو مستعبد في شقة أختي.

بصيت لمريم وضحكت ضحكة هستيرية مليانة وجع وقلت لها:

— أنتِ مش أختي.. أنتِ شيطان لابس وش بني آدم، واللي عملتيه ده مش شطارة، ده قذارة هتترد لك في ابنك.. وأنت يا رامي…

بصيت لرامي وهو جثي على ركبه ومستني حكمي، كملت بصوت طالع بالعافية:

— أنت طالق بالثلاثة.. الست اللي ترضى تسند على راجل مكسور، تبقى ألعن منه لو كملت معاه.

سيبتهم وخرجت وأنا أقدامي مش شايلاني، الشارع كان فاضي، والشمس محرقة، بس أنا كنت حاسة ببرودة موت في جسمي كله، وأنا سايبة ورايا أخت مش أخت، وجوز مش راجل، وحياة كاملة طلعت مجرد كذبة رخيصة.

مشيت في الشارع وأنا مش حاسة برجلي وهي بتلمس الأرض، الأصوات حولي كانت زي وش خفيف جاي من مكان بعيد. مسكت تليفوني بإيد بتترعش، وجبت رقم أبويا. أول ما رد وقال بصوته الدافئ:

— إيه يا هدى يا حبيبتي؟

النهيار اللي كنت حابساه انفجر مرة واحدة.. صرخت بصوت مكتوم وأنا بنهج:

— تعالالي يا بابا.. تعالالي خدني من الشارع، أنا بيتي اتخرب وأختي طلعت هي الشيطان اللي بياكل في عمرنا!

ساعة واحدة وكانت العيلة كلها ملمومة في بيت أبويا. مريم دخلت ووراها رامي، وشه في الأرض زي القتلة، ومريم داخلة برأس مرفوعة وعين قوية تمثل الضحية وتقول:

— يا جماعة هدى اتجننت وجاية تتبلى عليا وتفتري على جوزها!

هنا أنا ما سكتش.. طلعت الفلاشة اللي رامي جابها وهو بيترجاني في الشارع عشان أستره وما أفضحهوش قدام الناس، وحطيتها قدام أبويا على الترابيزة. بصيت في عين مريم وقلت بصوت يهز الجدران:

— السر اللي كنتِ ماسكاه عليه وبتبتزيه بيه عشان يمسح جزمتك ويصرف عليكِ، بقى معايا.. والتسجيلات اللي بتعترفي فيها إنك بتاخدي منه فلوس تحت التهديد، تسع شهور كاملة، كفيلة توديكي ورا الشمس بتهمة ابتزاز!

وش مريم جاب ألوان، والدم هرب من عروقها في ثانية. أبويا بص لرامي بكسرة نفس وقرف، وقام وقف على حيله بصعوبة، شاور لرامي على الباب وقال كلمة واحدة:

— اطلع برة يا فالح.. ورقتك توصلك على بيت أهلك، وبنتنا مش هتشوف وشك تاني طول ما فيها نفس.

أما مريم، فأبويا بص لها وقالها بكل قسوة:

— أنا ما خلفش شياطين تبتز الناس وتعيش على ذلهم.. أنتِ من النهاردة مالكيش أب ولا أخت، واطلعي برة بيتي!

خرج رامي ومريم يجروا أذيال الخيبة والفضيحة، وأنا قعدت على الأرض حاضنة ركبي. كان الوجع بياكل في قلبي، بس جوايا راحة غريبة.. راحة إني عرفت الحقيقة وقطعت دابر الشر، حتى لو كانت القصة دي سابت في قلبي جرح مش هيداوى طول العمر.

عدت الأيام، وأنا محبوسة في أوضتي القديمة في بيت أبويا. البيت اللي كنت بخرج منه وأنا فاكرة إني ملكت الدنيا بجوزي وبأختي، رجعتله مكسورة الجناح، بس أحمد ربنا إن العاصفة عدت وعرفت معدن كل واحد قبل ما العمر يفوت.

أبويا ما سكتش، كلف محامي العيلة ورفع قضايا الطلاق للضرر وأخدلي كل حقوقي من رامي بالقانون. رامي حاول يبعت ناس ويتترجى ويبكي، وكان مستعد يدفع كل حيلته عشان بس أرجع أو أسامح، بس الباب ده اتردم عليه بخرسانة. الراجل اللي ينكسر ويبتز ويبيع كرامته، ما يلزموش ست مصونة تحميه وتستأمنه على اسمها.

أما مريم… فاللي عملته اترد لها أسرع مما تتخيل. الشارع كله عرف بالقضية وبمصايبها، والناس بقت تبص لها بقرف وأقرب جيرانها قطعوا العلاقة بيها. حتى ابنها الصغير بقيت لما أبص له أترحم عليه وعلى اللي هيشوفه في تربيتها. أبويا حرمها من دخول البيت نهائيًا، وقطع عنها أي مصاريف أو مساعدة كان بيبعتها لها، وسابها لتأنيب الضمير والوحدة اللي صنعتهم بإيدها.

في يوم، كنت قاعدة في البلكونة بشرب شاي مع أبويا في ساعة عصر. بصلي وطبطب على إيدي وقال لي:

— الضربة اللي مابتموتش بتقوي يا هدى.. ربنا كشفهم ليكي عشان تفتحي عينك وتبدأي نضيفة، العيب مش فيكي، العيب في النفوس المريضة اللي كنتِ مأمناهم.

تابع المقال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button